مع ما يسمى بـ “الربيع العربي” خلع اللاعبون قفازاتهم وكشفت الأوراق في مناطق الصراع

تدرك الرياض وطهران أن تحول خصومتهما لصراع مسلح سيؤدي إلى كارثة مخيفة ومرعبة تحل بالعالم الإسلامي

في ظل أزمات مفتوحة وجبهات مشتعلة سياسياً وأمنياً في سوريا واليمن والعراق والبحرين ولبنان وتصعيد في الخطاب الإعلامي، يتخوف الكثيرون من أن تتحول الخصومة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى عدواة قد تكون نتائجها كارثية على المنطقة.
ومنذ أحداث (منى) في موسم الحج الفائت وعلى الرغم من التصعيد الملحوظ في الخطاب الإعلامي فإن الحركة الدبلوماسية تنشط بين الدولتين المتنافستين في أكثر من موقع، في سباق مع الزمن لمحاصرة أزمة العلاقات المتوترة بين أكبر دولتين في المنطقة، وعدم السماح لهذه الأزمة للوصول إلى خط اللاعودة، وذلك من خلال مراجعة علاقاتهما بوتائر متسارعة حتى لو كانت تصريحات المسؤولين في الجانبين لا توحي بذلك.
ويرى العديد من المتابعين للعلاقات بين البلدين أن هذه المراجعة تأتي بعد أكثر من ثلاثة عقود حافلة بالأحداث الكبيرة والتحولات السريعة في العالم العربي كما في إيران. حيث توالت على المنطقة أحداث كبيرة اختلطت فيها مصالح الدولتين بمصالح الكبار. حرب الخليج الأولى التي استمرت لثمان سنين (1980 – 1988)، تلاها الغزو العراقي للكويت (1990)، فحرب الخليج الثانية، التي انتهت بتحرير الكويت وفرض الحصار على العراق (1991)، وأحداث نيويورك (2001) التي أعقبها غزو أفغانستان والعراق وصولا إلى ما سمي بثورات الربيع العربي (2011).
إيران والسعودية شاركتا في هذه الأحداث. فالسعودية احتضنت القوات الأمريكية في الخليج لفترة طويلة وساعدت على تحرير الكويت. وإيران تعاونت مخابراتياً على الأقل في إسقاط حكم طالبان في أفغانستان ونظام البعث في العراق، فيما عززت نفوذها في فلسطين وسوريا ولبنان.
وعلى الرغم من بروز تحدي جديد لإيران في حقبة التسعينات بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وبروز دول جديدة بتحالفات جديدة على حدودها الشمالية في آسيا الوسطى، إلا أنها عرفت كيف تتعامل مع المحيط العربي بمرونة كافية، كما استطاعت توظيف المعطيات المستجدة في العراق وأفغانستان من أجل تعزيز دورها الإقليمي بعدما تخلصت، من دون أن تخوض أي حرب، من خصمين لدودين هما نظام طالبان ونظام البعث العراقي.
والسؤال: ما الذي يجمع بين السعودية وإيران في سنوات ما بعد هذه الأحداث الجسام؟ وهل تتحول خصومة ثلاثة عقود إلى عداوة تنتج صراعاً مسلحاً بين الدولتين المتصارعتين على تسيد المنطقة؟
في الإجابة يمكن التوقف عند مؤشرات التوافق والتوتر منذ انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979 حتى وصول روحاني إلى سدة الحكم.
المرحلة الأولى التي بدأت بعد عودة الإمام الخميني إلى إيران كانت مرحلة خصومة حادة بما للكلمة من معنى فقد وقفت الرياض إلى جانب بغداد طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، ودفعت غالياً ثمن هذا الدعم. بعدها شكلت مواسم الحج قنابل موقوتة داخل العلاقات المتوترة وشكلت أحداث مكة في العام 1987 ذروة التعبير عن طبيعة الخصومة في ظل اتهام الجمهورية الإسلامية بالعمل على تصدير الثورة إلى سائر دول الخليج.
بعد انتهاء حرب الخليج الثانية (1990 – 1991) حدثت تطورات أخرجت العلاقات الثنائية من رحم الثمانينات لتشكل بداية التسعينات بداية مرحلة مختلفة. في تلك الفترة نجح الرئيس هاشمي رافسنجاني ومن بعده محمد خاتمي في تأسيس علاقات تواصل مع دول الجوار الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودفعا بقوة باتجاه تطبيع علاقات إيران بالعالم العربي، في موازاة انفتاحها على العالم الخارجي تحت شعار “حوار الحضارات”.
نتيجة هذا الانفتاح كانت درجة عالية من التعاون والتنسيق بين المملكة وإيران الدولة توجت باتفاقية أمنية في العام 2001 وشكلت منعطفاً تاريخياً في العلاقات بين البلدين. لكن وصول أحمدي نجاد إلى الرئاسة في العام 2006 أعاد التوتر إلى العلاقات بين البلدين، كما أعاد الأجواء إلى حقبة الثمانينات بحيث شكلت عامل ضغط قوي على حقبتي رافسنجاني وخاتمي اللتين كانتا مجرد فاصل زمني بارد في حقبة مشحونة بكل أسباب الخلاف.
عزز التوتر الجديد الدور الذي تلعبه إيران في سوريا ولبنان والعراق ومشروعها التسليحي المتعاظم إلى جانب برنامجها النووي. وقد ظهرت ملامح التباعد بين البلدين على فترات متلاحقة توجت بخروج الدبلوماسية السعودية عن تقاليدها المعروفة بالتكتم والتستر وسياسة الكواليس في اندفاعة قوية لإعادة رسم خريطة الصراع في المنطقة.
الهجمة السعودية المضادة ترجمت على مراحل إلى مجموعة مواقف صريحة: ففي الملف العراقي وجهت الرياض تحذيراً مباشراً إلى طهران دعت من خلاله إلى التخلي عما وصفته بـ”جهود إيرانية لنشر المذهب الشيعي في العالم العربي”. وأردفت هذا التحذير باحتضان مؤتمر لجميع علماء السنة في العراق، في الوقت الذي كانت ترصد باهتمام بالغ انعكاسات تحرك الشيعة العراقيين على أوضاع الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة.
وفي الملف الفلسطيني وجهت المملكة رسالة قوية على لسان الملك الراحل عبد الله مفادها أن قضية فلسطين قضية عربية ويفترض أن يحلها العرب وليس سواهم وقد جاء “اتفاق مكة” (فبراير 2007) بكل مضامينه السياسية والمالية ترجمة عملية لهذا التوجه لقطع الطريق على الاحتواء الإيراني للحكومة الفلسطينية التي كانت تترأسها حماس في ذلك الوقت.
العلامة الفارقة في التوجه الجديد للمملكة كانت في الملف اللبناني حيث سلمت السعودية بأن للمعارضة اللبنانية مرجعية إيرانية، وهي من هذا المنطلق تسعى إلى نزع فتيل الصراع المذهبي بالتنسيق مع طهران. وقد كانت رحلات علي لاريجاني إلى الرياض ورحلات بندر بن سلطان إلى طهران ترجمة لهذه العلامة.
وفي موازاة ذلك، استمرت السعودية في التعبير عن مخاوفها من البرنامج النووي الإيراني على الرغم من مساعي إيران في تطمين دول الخليج في هذا الجانب.
لكن الأزمة ازدادت تعقيدا وتطورت إلى أكثر من ذلك مع تفجر ما سمي بثورات الربيع العربي في فبراير عام 2011 ، حيث دخلت ملفات تأزيم أخرى على خط التوتر بين البلدين أدت إلى التصعيد وكشفت عن عمق الأزمة بينهما ، وأدت إلى خلع اللاعبين لقفازاتهم، وكشف اللاعبان عن أوراقهما في مناطق الصراع بينهما، فقد رفضت طهران اجتياح القوات السعودية للبحرين في العام 2011، ورفضت التوجه السعودي لإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، وقامت بمواجهته كما رفضت الحرب على اليمن.
ومع ذلك وفي ظل هذا التعقيد والتصعيد في الخطاب لم يقطع الجانبان شعرة معاوية بينهما، فكلاهما يدرك أن تحول خصومتهما إلى عداوة ومن ثم إلى صراع مسلح سيؤدي إلى كارثة مخيفة ومرعبة تحل بالعالم الإسلامي، وستكون الخسارة فيها للجميع. مع علم الطرفين أن العلاقات السعودية الإيرانية وعلى الرغم من السعي إلى عدم وصولها إلى مرحلة العداوة في هذه الفترة العصيبة، تبقى محكومة في مداها الاستراتيجي بطبيعة تطور الأوضاع في مناطق الاشتباك بينهما في سوريا واليمن والبحرين ولبنان.