النعمة السابغة التي كان ولا يزال يرفل فيها الخليج هي التي اختصّته بقدر خطير من التهم من قِبل الآخر

السلوك الخليجي ليس مثالياً أو حتى بريئاً من العيوب لكن من هو المثالي أو البريء من العيوب بين العرب

الوساطة بين الخليج وخصومه صعبة لأن العلّة ابتداءً ليست فكرية بقدر ما هي نفسية

الخليجيون ليسوا ملائكة تماماً كما أنهم ليسوا شياطيين، إنهم مثلنا جميعاً

شهد الخليج ما اصطُلح على الإشارة إليه بالطفرة خلال نصف القرن الأخير انطلاقاً من العامل الاقتصادي الذي أفضى إلى انقلاب نمط الحياة انقلاباً هائلاً على كل صعيد تقريباً، غير أن أهم ما لفت أنظار العالم – وفيه العالم العربي بطبيعة الحال – هو البحبوحة غير المسبوقة في العيش والتي أحالت الخليج في الخاطر إلى ما يشبه الجنة المشتهاة على الأرض، خاصة أن تلك الجنة في بداياتها استقبلت (ولا تزال بدرجة واضحة) الناس من مختلف الأصقاع (ويهمنا هنا العالم العربي بصفة خاصة) دون شروط معقدة في المؤهلات كما هو الحال مع ما يُشترط في المقابل لدى جنة الغرب المشتهاة بدورها ولكن مع مواجهة شروط في التأهيل أكثر قساوة لا تقف فحسب عند حدود اللغات الأعجمية وأنماط العيش المناقضة في الطباع والعادات.
النعمة السابغة التي كان ولا يزال يرفل فيها الخليج هي التي اختصّته بقدر خطير من التهم من قِبل الآخر، لا سيما الآخر العربي الذي يُفترض أنه شقيق كما في الوصف الدارج للعلاقات بين العرب في عالمهم من أقصاه إلى أقصاه. تلك هي الإجابة على السؤال عنوان هذا الحديث، غير أن ذلك ليس كل شيء، وإن يكن في تقديري من الأهمية بمكان عظيم أن تُعرف أسباب التهم الموجهة إلى الخليج وتواجَه بدقة، لا ليبطل العجب فحسب وإنما من أجل أن يكون ذلك معيناً على وصفة ناجعة للدواء (وهذا تقرير إنشائي ثقيل على خاطري ولكنه فيما يبدو ضروري في مقام يقتضي التحليل أولاً ثمّ الإدلاء بحلول مرتجاة نهاية المطاف).
بقدر أكثر مباشرة من الصراحة فإن السبب (في سيل التهم التي لا تكف عن التدفق في حق الخليج) تحديداً هو الغيرة التي جرّتها النعمة السابغة مما حُرِم منه الجيران أولو الأرحام. غير أن الصراحة تقتضي كذلك أن نشير إلى أن الخليج ليس براءً تماماً من التسبب في تأجيج تلك الغيرة حتى إذا كان ذلك يحدث عموماً بطريقة تلقائية غير مقصودة، أي غير مقصود بها إثارة الغيرة وإنما هي على سبيل الحديث بنعمة الله.. أو حتى نشوةً بالتباهي مجرّداً من أية بواعث مقدّسة على الابتهاج.
ولأن هذا ليس دفاعاً اعتباطياً عن الخليج يجب التأكيد مجدداً على أن السلوك الخليجي ليس مثالياً أو حتى بريئاً من العيوب في كل الأحوال ولا حتى في معظمها كذلك، ولكن من هو المثالي أو البريء من العيوب بين العرب في المقابل حتى يؤخذ على الخليج ذلك وكأنه جريرة ابتدعها؟، وأعني بـ “ذلك” أن تكون مثالياً مبرّأً من العيوب التي تثير حفيظة غيرك.. خصوصاً أولئك الذين يقبعون على الجوار.
زعمت في كتاب “حكايات مغترب فقير” أن الوساطة بين الخليج وخصومه ممكنة رغم صعوبتها، فهي ممكنة لما أجملته أعلاه ولما سأعرض لبعض تفاصيله لاحقاً، وهي صعبة لأن العلّة ابتداءً ليست فكرية بقدر ما هي نفسية، وعليه فإن من الغرور أن نحسب أن بضعة أسباب مهما بدت منطقية وقوية ستكون وحدها كفيلة بإزالة الكامن في النفوس من الضغائن تجاه الخليج. وفي الكتاب نفسه انتهيت في أمر الوساطة تحديداً إلى أنه بعد إمعان النظر والتجربة في المسألة لربع قرن وأكثر لن نجد الخليج – في شؤونه الخاصة وعلاقاته المتبادلة مع العرب وغيرهم – مذنباً إلا بالقدر الذي اجترحنا فيه الذنب ذاته في بلادنا، وسنجده مظلوماً بالقدر الذي ظلَمَنا فيه غيرُنا فيما يماثله من مسائل وإن اختلفت الأشكال والأقدار، ثم خلصت إلى أن ذلك قد يكون مدخلاً إلى وساطة عقلانية مع خصماء الخليج، وأعود هنا فأؤكد أن المعضلة الكبرى في شأن الوساطة تبدو نفسية بامتياز.
وأكبر ما يواجه المشكلة النفسية في أزمة الخليج مع جيرانه أن الغيرة مردّها إلى أن الثروة الهائلة تفجّرت تحت أقدام الخليجيين دون مجهود وأنها لا تزال تتدفق وتنعكس تجلياتها نعماً غير محدودة بدون مجهود فريد ظاهر لأهل الخليج، وعليه لا يستطيع أولئك الجيران مقاومة شعور دفين بأن ذلك ليس عدلاً وأنه لولا الصدفة لما استحق الخليج ما هو عليه، وأن صدفة مماثلة بتحوير بسيط في المكان كان من الممكن أن تجعلهم ينعمون بذلك الخير الوفير مع الخليج.. وربما بدونه.
وبرغم أن ما يلي يبدو كالمفارقة فإن المعضلة النفسية – عندما تكون بين مجموعات بشرية هائلة وليست بين أفراد محدودي العدد – لا تبدو في زعمي ممكنة المواجهة سوى بالأسباب المنطقية، فمن شأن ذلك على الأقل أن يؤكد حصر الأمر فيما هو نفسي مما لا سبيل إلى تلافيه (في سائر الحالات على اختلاف الأمثلة) مهما بدا مزعجاً، ويصح ذلك حتى فيما بيننا على المستويات الفردية إذا جرؤنا على اطِّراح المثالية التي نصبغ بها مشاعرنا وأفكارنا.
اتُّهِم الخليج بأنه لا يمنح من يقيم على أرضه لخمس سنوات وأكثر جواز سفر خليجياً، وليس بين الدول العربية (وأغلب دول العالم عدا الغرب) من يفعل ذلك. واتٌّهم الخليج بأنه يستهلك أكثر مما يُبدع، وذلك يصدق بدقة على سائر الدول العربية (وأغلب دول العالم عدا الغرب مجدداً). واتُّهم الخليج بأنه هبة النفط، بل أوشك البعض أن يقول “رجس من عمل النفط”، فهل من الحكمة أن يكف الخليج عن الإفادة من ثرواته الطبيعية؟، وهل ذنبه أن حظه من الثروة الدفينة في جوفه كان بذلك العِظَم كماً وكيفاً؟، وأية دولة عربية (وغير عربية) تدّخر جهداً في استقطار أرضها إلى آخر دفقة من الخير تدّخره أو تنفقه كيف تشاء؟. واتٌّهم الخليج بأن المصالح الخاصة والمجاملة يعوَّل عليها كثيراً في تسيير الأمور حتى ما يتعلّق منها بالعمل هناك، وأيّة دولة عربية سلمت من هذا؟، بل هل تخلو الدول الغربية من مثل ذلك أم أنها فقط أكثر انضباطاً من العرب عموماً على هذا الصعيد؟. واتُّهِم الخليج بأنه ينسب فضل حضارات أخرى إليه، فأي دولة عربية وغير عربية سلمت من هذا؟، ألم يكن التنازع الحضاري – نسبةً وانتماءً – عادةً لم تنقطع على مدى التاريخ واختلاف الشعوب؟.
بالنظر إلى ما ورد أعلاه من التهم في حق الخليج يتبين أن الخليجيين ليسوا ملائكة تماماً كما أنهم ليسوا شياطيين، إنهم مثلنا جميعاً.. بشر وحسب.