في خريف عام 2014، تمكنت حركة أنصار الله (الحوثيون) من العاصمة اليمنية صنعاء، بعد أن اجتاحوها بقوة السلاح، واستولوا على مؤسساتها، دون مواجهات، باستثناء تلك التي خاضتها قوات من الفرقة الأولى المدرعة، التي كان يقودها نائب الرئيس اليمني، الفريق علي محسن الأحمر، والتي لم تدم طويلاً؛ وبذلك أصبحت صنعاء، بعد مدينة عمران، الواقعة على بعد 50 كم، شمالي صنعاء، ثالث مدينة تخضع لسيطرتهم، وليتراكم معها رصيد القوة، مادياً وبشرياً.

تنسب حركة أنصار الله الحوثية إلى مؤسسها، حسين بدر الدين الحوثي، شقيق زعيمها الحالي، عبد الملك الحوثي، الذي لقي حتفه في الجولة الأولى من حروب صعدة الستة (2004 – 2009)، أثناء مواجهته القوات الحكومية، في أقصى شمالي البلاد، على الحدود مع المملكة العربية السعودية، إبان حكم الرئيس السابق، علي عبدالله صالح.

انتهجت الحركة الحوثية، بعد مقتل زعيمها، سياسة “المناورة” القائمة على الإمساك بالسلاح بيد، ورفع شعار الحوار باليد الأخرى، بالقدر، الذي مكنها من كسب مزيد من الوقت لترتيب صفوفها، ومراكمة قوتها المسلحة، على مطمح التوسع خارج معقلها الرئيس بصعدة؛ فكان مدخر القوة، الذي اكتسبته خلال الحروب الستة، دافعاً منطقياً لتحقيق ذلك المطمح، وبمؤازرة سلسلة من العوامل الداخلية والخارجية المنطوية على أجندات متعارضة، أسهمت، وبشكل متسارع، في تعضيد قوة الجماعة، حتى بلوغها ما هي عليه اليوم، كسلطة مهيمنة على معظم محافظات الشمال.

مع تقدم مقاتلي الجماعة الحوثية باتجاه العاصمة، تعرضت القبائل وقوات الجيش، التي واجهت تقدمهم في مدينة عمران، لخذلان القيادة العليا للبلاد، التي اتخذت موقفا محايداً، وتركت كل من يقف في طريقها يواجه قدره وحيداً. ففي الوقت، الذي كان الحوثيون يهاجمون قوات الجيش في هذه المدينة، أعلن وزير الدفاع، اللواء محمد ناصر أحمد، بأن وزارته ليست معنية بما يجري، وأن اللواء 310 الذي يقوده العميد حميد القشيبي، في حكم المتمرد؛ لأنه لم يعد يتلقى أوامره من رؤسائه، فكان أن انتهى الأمر بسقوطه في أيدي الحوثيين، واستيلائهم على عتاده العسكري الضخم، الذي ضاعف من ترسانتهم العسكرية، بمختلف الأسلحة الثقيلة، والمتوسطة، والخفيفة، ومختلف أنواع الذخائر.

مثل الانقسام السياسي، الذي أفرزه الصراع على السلطة، عقب انتفاضة فبراير/ شباط 2011، ضد الرئيس السابق علي صالح، دافعاً آخر لتوسيع رقعة النفوذ العسكري والسياسي للجماعة، بعد أن تمكنت من ممارسة نشاطها، علناً، في مختلف المدن، وحصولها على تمثيل مرموق في مؤتمر الحوار الوطني، الذي اختتم أعماله في يناير/ كانون الثاني 2014، منحها شرعية وجود دون تخليها عن السلاح، الذي راكمته خلال الحروب الستة وما تلاها، وحافزاً لاستغلال ذلك في تدعيم نشاطها السياسي، وفتح قنوات تواصل مع أطراف داخلية تشاطرها بعض الأهداف والغايات.

مع تولى الرئيس عبدربه منصور هادي حكم البلاد، خلال عامي 2012- 2014، استغلت الجماعة العديد من التحولات الداخلية، بالقدر، الذي أتاح لها فرصاً أخرى للانطلاق والتمدد، وضرب بعض التنظيمات السياسية المناوئة لها، بناء على دعم تنظيمات سياسية أخرى تشاطرها العداء، وانخراط قوى سياسية أخرى إلى جانبها، في ظل تفكك البنية السياسية، التي كانت سائدة قبل انتفاضة فبراير/ شباط 2011، وبروز قوى سياسية جديدة، وتبدل التحالفات التقليدية؛ حيث تلاقت غايات الحركة مع غايات أحزاب سياسية كانت منضوية في تكتل اللقاء المشترك، الذي قاد المعارضة ضد نظام صالح منذ عام 2004، وتوافقت معاً على ضرب وإضعاف حزب التجمع اليمني للإصلاح “الاسلامي”، الذي يعد أكبر أحزاب هذا التكتل، والعائق الأكبر أمام الحركة الحوثية.

في الوقت، الذي كان فيه الحوثيون يتحاورون مع الفرقاء السياسيين بصنعاء، كان مسلحوهم يحاصرون مركزاً سلفياً للعلوم الدينية ببلدة دماج، شرقي مدينة صعدة، يطلق عليه “دار الحديث”، وذلك بذريعة إيوائه عناصر تكفيرية وهابية، في ظل تراخ من قبل السلطات الرسمية، التي اكتفت بإيفاد لجان وساطة للتهدئة، وتمكين الحوثيين؛ فطوي الخلاف بترحيل طلاب الدار، الذين لحق بهم الكثير من سكان المنطقة، ولتتحرك معها عجلة التمدد الحوثي، على أساس مذهبي، جسدته أدبيات الجماعة، ومواقفها السياسية، والعسكرية، وخطابات زعيمها، التي مثلت، مجتمعة، محركاً للتمدد في المناطق الواقعة ضمن المركز الحيوي للمذهب الزيدي، بوصفها الحاضنة الاجتماعية والتاريخية لجذور هذه الحركة ونظائرها، التي شهدتها اليمن خلال أكثر من ألف عام.

كما زاد من قوة الحوثيين تحالفهم السابق مع الرئيس السابق، علي صالح، الذي كان يتزعم حزب المؤتمر الشعبي العام، والتقى مشروعهما المذهبي، والنفعي في ذات الوقت، في هدف القضاء على الزعامات العسكرية والقبلية والدينية المتحالفة مع حزب الإصلاح، كاللواء علي محسن الأحمر، وزعماء قبيلتي حاشد وأرحب، انتقاماً لوقوفهم إلى جانب الانتفاضة الشعبية التي أزاحته من كرسي السلطة عام 2011. وبالمثل، كان موقف الرئيس عبد ربه هادي، ولكن على رغبات أخرى، من خلال إغضائه عن تمددهم، وعدم اتخاذه قرارات حاسمة لوقف ما يقومون به من تقويض لدعائم الدولة، مستغلاً ذلك في توسيع وتقوية مركزه السياسي، بعد أن برز كقوة جديدة، إلا أنه ما لبث أن وجد نفسه محاصراً بهذا التمدد، الذي ساوى بينه وبين بقية الخصوم.

منح الحضور اللافت للحركة في مؤتمر الحوار الوطني، فرصة للتواصل مع سفارات أجنبية، والدخول في نقاشات إستراتيجية هدفت إلى طمأنة دولها، خاصة الولايات المتحدة، بعدم استهداف مصالحها، وتوافق كل منهما على محاربة الإرهاب، بعيداً عن ما يحمله شعار الحركة من دعوات عنيفة؛ حيث يتضمن القول: “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”. وقد قاد تلك الحوارات من جانب الحوثيين، أكاديميون ممن انخرطوا في صفوف الحركة؛ الأمر الذي منحها ضوءاً أخضر للتحرك بعد أن وجد الأمريكيون فيها أداة رخيصة، وقوية في ذات الوقت، لمحاربة تيارات الإسلام السياسي، وضرب مرتكزاتها التعليمية، التي تثير قلق كل منهما، مثل: مركز دار الحديث السلفي بدماج، وجامعة الإيمان بصنعاء، التي يقوم عليها الشيخ عبد المجيد الزنداني، المصنف في قوائم الإرهاب الأمريكية.

اجتهد الحوثيون في إثبات مصداقيتهم للأمريكيين، من خلال اتخاذ خطوات عملية في الحرب على تنظيم القاعدة؛ حيث خاضوا حرباً شرسة ضد معاقل التنظيم والقبائل، التي تعدها واشنطن ملاذات آمنة  لعناصره، كما في مديرية رداع، وسط البلاد. وقد ساند الأمريكيون الحوثيين في هذه المواجهات، عندما تعثروا في المعارك، التي خاضوها هناك، من خلال الطيران الأمريكي دون طيار، الذي شن هجمات مؤثرة على أهداف وصفت بأنها معاقل للقاعدة، ما وفر إسناداً جويا لتحرك الحوثيين في هذه الحرب، ومن ذلك الهجمات، التي نفذها الطيران، أواخر سبتمبر/ أيلول 2014.

لعبت إيران دوراً بارزاً في دعم الجماعة الحوثية، من خلال مختلف الأشكال، مادياً، وإعلامياً، وعسكرياً، بحسب ما كشفت عنه أجهزة السلطة الرسمية، وقد تمكنت الجماعة، بفضل ذلك، من استقطاب عدد من الناشطين، والإعلاميين، والقيادات السياسية المهمشة، ونظمت لهم رحلات سفر إلى بيروت، ومنها إلى طهران، خلال عامي 2013 و 2014. ولم يتوقف دور إيران عند ذلك فحسب، بل تمكنت الجماعة من إفشال المبادرة الخليجية، التي لم تكن طرفاً فيها؛ حيث تنظر إليها على أنها مؤامرة أمريكية سعودية، رغم منحها تمثيلاً مرموقاً في مؤتمر الحوار.

عملت أحداث سورية ومصر على صرف أنظار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن ما تقوم به طهران باليمن، التي تحركت ودون أي منازع في كل اتجاه، وعملت على تكوين شبكة تحالفات سياسية مساندة للحوثيين، وعززتها بشبكة إعلامية من القنوات الفضائية، أبرزها قناة الساحات، التي يرأسها، البرلماني اليساري، سلطان السامعي، إلى جانب قناة المسيرة الناطقة باسم الحركة، وكلاهما تتخذان من بيروت مقراً لنشاطاتهما، فضلاً عن الكثير من الصحف والمواقع الإخبارية الإلكترونية.

الآن، وبعد مضي أكثر من عامين على بدء التحالف العربي عملياته في 26 مارس/ آذار 2015، وفي ظل المواجهات، التي تخوضها القوات الموالية لحكومة الرئيس هادي، في مختلف الجبهات، كشفت الأحداث أن الجماعة الحوثية فقدت الكثير من أسباب القوة المادية والبشرية، لكنه لا يزال لديها مخزون تسليحي يكفيها لإطالة أمد الحرب، وخوضها بطول نفس، حتى وإن انفرط تحالفها مع الرئيس السابق علي صالح، الذي يجمعها به منذ أواخر 2016، والذي وصل إلى مرحلة اللاعودة، لا سيما بعد مقتل صالح يوم الرابع من ديسمبر 2017.

تظل قوة الجماعة الحوثية، ككيان مهيمن على شمال اليمن، ولفترة طويلة، أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لها، لكن ترتيبها كقوة بين القوى الأخرى، التي يمكن أن تمارس دورها السياسي بعد أن تضع السلاح وتحتكم للصندوق الانتخابي وفق أي تسوية سياسية مفروضة على الجميع، كل ذلك يخضع لموقف دول الإقليم الداعمة لها أو المناوئة، علاوة على موقف الولايات المتحدة، الذي يبدو أنه المحدد الرئيس لكل هذه المواقف.