تقف السعودية أمام مفترق طُرق على أكثر من صعيد، بين من يرى أن انتقال مقاليد الحكم لولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بات أمراً محسوماً خلال الأيام؛ أو الأشهر المقبلة، وأولئك الذين يراهنون على أن أمام هذا التغيير عقبات وتحديات قد تعصف بالأسرة المالكة، وهو ما قد ينتهي إلى سيناريوهات قد تؤدي إلى انقسام الأسرة/ الدولة السعودية وتشرذمها.

ولعل من أهم الدروس التي تعلمناها من تسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط منذ 2011 وحتى اليوم هو أن كثيراً من ما يُستبعد حدوثه هو ممكن، وأن المنطقة التي تعيش على صفيح ساخن تحتمل الكثير من المغامرات والمغامرين. إجرائياً؛ وفي حال وفاة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود (82 عاماً) أو تنازله طواعية عن الحكم محتفظاً بلقب شرفي (خادم الحرمين الشريفين أو الملك الوالد)؛ سيمسك الأمير الصغير بمقاليد الحكم؛ ليكون ثاني أصغر حكام السعودية بعد جده الملك عبدالعزيز الذي بدأ حكمه لنواة الدولة السعودية (الرياض) وهو في السادسة والعشرين من عمره.

لكن ماذا يعني أن يكون محمد بن سلمان ملكاً للسعودية؟ وما هي التأثيرات والمتغيرات التي ستطرأ على الداخل السعودي والمنطقة؟ وهل يجب اعتبار مثل هذا التغيير – رغم أهميته – تهديداً حقيقياً لتوازنات القوى والدول المتصارعة في المنطقة؟

صناعة الشرعية الجديدة

سيكون على سعودية محمد بن سلمان الجديدة المضي قدماً في رسم وتحديد وتثبيت الشرعية البديلة لشرعية الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود؛ من تحالف قبلي/ ديني يتمظهر في أولئك البدو المُنظمين في حامل تمثله الدعوة الوهابية إلى شرعية جديدة ليبرالية الطابع حاملها الفئة الأكبر من بين فئات المجتمع السعودي (الشباب). ولا مفر من أن تشكيل هذه الشرعية والهوية الجديدتين للدولة السعودية الجديدة يقتضي صناعة وبعث مجموعة جديدة ومبتكرة من الأفهام والرموز؛ الأهم من ذلك، هو ضرورة استكمال سياسة الإحلال التي تهدف إلى استبدال أو إعادة تشكيل – على الأقل –  كامل الطبقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وذلك عبر خلق وتمكين شركاء جدد لمؤسسة الحكم في البلاد.

ولئن كانت الإجراءات التي بدأتها الرياض في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 عبر احتجاز 11 أميراً والعشرات من الوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال المتنفذين تحت طائلة تهم تتعلق بالفساد كانت متوقعة ومتسقة وما تقتضيه متطلبات الانتقال السلس للحكم وبعث نخب سياسية واقتصادية جديدة في البلاد؛ إلا أن شكل وشخوص النخبة السعودية الجديدة التي ستشارك الملك المقبل مقاليد الحكم والسيطرة على أجهزة الدولة ومفاصلها لم تتبلور بعد؛ وهو ما يشير إلى أن شكل وماهية هذه النخبة الجديدة لا تزال غير محسومة؛ خصوصاً وأنها ترتبط بتفاهمات العائلة المالكة الداخلية من جهة، ومدى تجاوب الحرس القديم مع الواقع الجديد في البلاد من جهة أخرى. يضاف لذلك حسم ملف تراتبية الحكم لما بعد محمد بن سلمان الذي قد يواجه مشكلة في التوافق على من تسمية ولي عهد جديد داخل الأسرة؛ وأمام محمد بن سلمان في هذا التحدي خياران اثنان؛ ما بين ترك ملف ولاية العهد لمؤسسة هيئة البيعة، أو استمالة أحد أقطاب الأسرة الحاكمة عبر تسمية أحد أحفاد الملك عبدالعزيز للمنصب.

وعلى أي حال؛ سيكون لتولي محمد بن سلمان مقاليد الحكم باعثاً لتبريد الملف الداخلي واستقراره؛ خصوصاً وأن الملك الجديد لن يكون أمامه ما يبرر أو يشجع على خلق المزيد من المصادمات داخل الأسرة الحاكمة مع قبول غالبيتها – طوعاً/ طمعاً/ كرهاً – بتنصيبه ملكاً على البلاد.

بطبيعة الحال؛ لا يعني تبريد الملف الداخلي في السعودية تراجع الملك عن ملف الإصلاحات التي تعهد بها، لكن تشكيل النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة في البلاد سيكون له بالغ الأثر في تطويع الدولة – مؤسسات وأفراد – داخل التشكيل الجديد للدولة، بما يتوافق والتوافقات الجديدة ومراكز القوة الصاعدة. بمعنى؛ التورط في إدارة يوميات الدولة السعودية الجديدة أكثر من محاربة أو تصفية الحسابات مع النسخة القديمة منها.

ملف السياسة الخارجية

منذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم طرأ تغيير جوهري في السياسة السعودية الخارجية. أدار الأمير الشاب محمد بن سلمان حرباً في اليمن، وزاد من سخونة العداء مع إيران وأذرعها في المنطقة، واستبدل سياسة عبدالله بن عبدالعزيز في العراق من القطيعة إلى الانفتاح على مختلف القوى السياسية في بغداد. وأخيراً؛ سعى الأمير الشاب بتحالفه مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى القضاء على العزف القطري المنفرد خارج الجوقة السعودية الإماراتية.

وإذ يغلب الحذر والتهويل من سعودية محمد بن سلمان الجديدة لدى عديد المراقبين المحليين والدوليين؛ إلا أن تجارب السنوات الثلاث الماضية تؤكد أن طموح الأمير لم يستطع الظفر بأي اشتباك إقليمي حتى الآن وهو ما يشي بأن قواعد اللعب والاشتباك ومساحات اللاعبين الإقليميين كانت عصية عليه. ورغم الضوء الأميركي الأخضر الذي قدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في مايو 2017) للأمير محمد بن سلمان لخوض مواجهته مع قطر وتطويعها إلا أن الأمير لم يستطع حتى اليوم تحقيق ما كان يصبو إليه.

في سياق آخر، اختبر الملك المقبل محمد بن سلمان قوته العسكرية ونفوذه السياسي أمام إيران في حرب اليمن التي تستنزف السعودية منذ 2015، وفي استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري 2017 على التوالي. ويبدو أن حصاد السعودية المُرّ في المواجهتين سيجبرها على إعادة النظر في استمرار سياستها العدائية تجاه إيران، خصوصاً وأن الصراع مع إيران ليس من شأنه أن يضيف لملك السعودية الجديد بعد توليه سدة الحكم أي جديد.

لا تهدف هذه القراءة لسعودية محمد بن سلمان الجديدة إلى التقليل من أهمية هذا الانتقال التاريخي داخل دولة من أكثر الدول تأثيراً في منطقة الشرق الأوسط؛ وهو ما سينتج عنه شكل وتشكيل جديد لدول مجلس التعاون الخليجي. لكنها أيضاً، تحاول لفت الانتباه إلى أن توازنات القوى وقواعد الاشتباك في الإطار الإقليمي الكبير؛ تلك التوازنات التي بقت عصية على التغيير منذ عام 2011 حتى اليوم لا يبدو أنها ستنهار أو تتداعى أمام هذا التغيير في السعودية؛ إن حدث!