الحديث عن مشروعات كبرى بالمنطقة العربية من قبل بعض الدول، حديث معهود منذ عقد منتدى دافوس لمنطقة الشرق وشمال أفريقيا بالقاهرة عام 1996، لكنه حديث تنقصه الإمكانيات المادية، وتهدده الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها المنطقة، جرت العادة أن تتحدث في ذلك دول مثل مصر وتونس والمغرب والإمارات وغيرها من الدول عن الموقع الجغرافي والمزايا التنافسية لعدد السكان الكبير، وسهولة التواصل مع القارات الثلاث.

هذه المرة؛ لحديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ظروف مختلفة، حيث الملاءة المالية للدولة السعودية المعتمدة على الاحتياطيات الإستراتيجية للنفط، وكذلك طموحات بن سلمان في بداية توليه السلطة، وحرصه على تصدير صورة مختلفة عن بلاده للغرب، وتبنيه لرؤية لتطوير بلاده تحت عنوان “رؤية 2030″، فهل سيختلف مشروع بن سلمان عن باقي المشروعات الإقليمية التي لم تر النور خلال الفترة الماضية؟

يأتي مشروع بن سلمان ليراه البعض نقلة للاقتصاد السعودي الذي يعاني من أزمة حادة منذ أزمة انهيار أسعار النفط منتصف 2014، فهو من وجهة النظر المؤيدة للمشروع سيفتح آفاقاً جديدة للشباب السعودي من حيث فرص العمل، وسيعمل على تنوع موارد الاقتصاد السعودي، بدلاً من اعتماده الآن على النفط كمصدر وحيد للإيرادات العامة للدولة.

ويرى البعض الآخر أن المشروع مجرد دعاية سياسية وترويج لبن سلمان، وأنه لن يخرج عن ما تم بالقاهرة في مارس 2015 تحت مسمى المؤتمر الاقتصادي، من التوظيف الإعلامي، وعدد من المشروعات التي لا تخرج للنور. وفي السطور التالية نتناول مشروع “نيوم” من حيث الفرص المتاحة والتحديات التي ستواجهه.

معلومات غائبة

مشروع “نيوم”، كما تم الإعلان عنه بمؤتمر للاستثمار في الرياض، يتسم بكثير من العمومية دون تحديد كثير من الأمور اللازمة لتقييمه بشكل كامل؛ لم يتناول المشروع الإعلان عن حجم التمويل الذاتي للدول الثلاث التي سيقام على أرضها المشروع (السعودية، ومصر، والأردن) وحصة كل دولة، ولا طبيعة التمويل بشكل عام، كالاعتماد على القروض الخارجية أو الداخلية ومقدارها وكيفية الحصول عليها، أو نصيب الاستثمارات الأجنبية، وطبيعة هذه الاستثمارات، هل ستأتي في أعمال البنية الأساسية أم إقامة المشروعات، أم في مراحل التشغيل النهائية، كما لم يحدد الإعلان المدى الزمني الذي سينفذ فيه المشروع.

ومن بين سطور الإعلان عن المشروع نجد أنه يركز بشكل رئيس على المستثمرين الأجانب، كالقول بأن تخطيط المشروع سيكون من قبل المستثمرين وللمستثمرين، أو أن المشروع سيقام وفق قانون خاص، بعيداً عن القوانين المحلية، كمنطقة خاصة، باستثناء ما يتعلق بأعمال السيادة.

فرص محتملة

الحديث عن مجالات جديدة للاستثمار بالسعودية، من أهم ما أعلن عنه بخصوص “نيوم” مثل الاستثمار السياحي أو التكنولوجي، ولكن هذه المجالات لها تجارب مماثلة بالإمارات على سبيل المثال، بل وتجربة المناطق ذات الطبيعة الخاصة قامت عليها منطقة جبل علي هناك، ومع ذلك تعتمد على إعادة التصدير، ولا زالت المواد الخاص المستوردة، واليد العاملة الأجنبية، والاستثمارات الأجنبية هي عماد تلك التجربة.

إلا أن التركيبة السكانية بالسعودية مختلفة عن الإمارات، فالسعودية لديها نحو 22 مليون مواطن، وهي تعاني من ارتفاع نسبة البطالة بين مواطنيها – حيث وصلت نسبة البطالة بالربع الثاني من 2017 إلى 12.7% – وبخاصة بعد أزمة انهيار أسعار النفط في السوق العالمية 2014، وكذلك أزمة الحرب باليمن 2015. فهل ستستهدف الاستثمارات المنتظرة بمشروع “نيوم” رفع نسب التشغيل بين السعوديين، وبخاصة الشباب؟

وإذا ما أحسن التخطيط للمشروع، فبإمكان الحكومة السعودية تبني مجموعة من البرامج المعنية بإعادة تأهيل الشباب السعودي، ليكون منافساً بسوق العمل بالمشروع، حيث إن فرص العمل ستكون بيد المستثمر، وليست بيد الحكومة السعودية.

وقيام المشروع في شكل منطقة حرة ذات طبيعة خاصة بعيداً عن القوانين السعودية، وغيرها من قوانين الدول المشاركة في المشروع، سيجعل من المنافسة أصلاً مهماً، لمختلف الأنشطة الاقتصادية داخل الدول المؤسسة للمشروع، وهو ما يستدعي التخطيط لذلك، ومعرفة الفرص المتاح سواء للقطاعات الإنتاجية أو الخدمية.

وقد يكون المشروع بالمواصفات العامة التي طرح بها، من حيث تخطيطه من قبل المستثمرين ولصالح المستثمرين، فرصة لضخ المزيد من الاستثمارات بالمنطقة وبخاصة في السعودية، التي تعاني من أزمة تمويلية خلال الفترة الماضية، ظهرت من خلال ارتفاع الدين العام، وعجز الموازنة، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي. وما لم تحرص السعودية على أن يكون المشروع شريان جديد لضخ أموال من الخارج، فلن تجدي معه توظيف عوائد خصخصة “أرامكو” أو غيرها.

تحديات قائمة

الوضع المالي الحالي للمملكة العربية السعودية شديد السلبية، ولا ينم عن وجود فوائض يمكن توجيهها لمشروع بضخامة “نيوم” الذي يتطلب 500 مليار دولار، فبيانات وزارة المالية السعودية، تظهر أن الدين العام بلغ 341 مليار ريال (91 مليار دولار) في يونيو 2017، فضلاً عن إعلان المملكة عن شروعها في طرح المزيد من سندات القروض الدولية خلال المرحلة المقبلة.

كما أن تقديرات صندوق النقد الدولي بينت مؤخراً أن سعر برميل النفط الذي يحقق التوازن بالموازنة السعودية هو 70 دولار، بينما الأسعار الحالية والمنتظرة خلال 2017 عند 55 دولار، وهو ما يعني استمرار عجز الموازنة السعودية، واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي والتي وصلت إلى 485 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2017، بعد أن كانت هذه الاحتياطيات 732 مليار دولار بنهاية 2014، أي أن الاحتياطيات فقدت نسبة 33.7% على مدار السنوات الثلاث الماضية، وهو ما أثر على تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.7% خلال 2016، ومعدل سلبي 1% في نهاية الربع الثاني 2017.

وبالتالي ستكون عوائد النفط موظفة بشكل شبه كامل في احتياجات الإنفاق العام بالسعودية، وبالتالي لابد من الاعتماد على الخارج في تمويل المشروع، وهو ما سيضع المشروع إذا كتب له النجاح تحت أجندة الممولين أو المستثمرين الأجانب.

وأما ما قيل عن استثمار عوائد بيع حصة 5% من “أرامكو” في تمويل مشروع “نيوم” فنحن أمام فرصة قد يكتب لها النجاح وتمثل نقلة في إعادة توظيف الثروة السعودية، أو الاحتمال الثاني وهو ضياع ثروات المملكة في هذا المشروع. وبالتالي فدراسات جدوى المشروع من الأهمية بمكان للوقوف على مستقبله، وتحديد العائد منه.

ومن التحديات التي ستواجه المشروع بشكل كبير، وقد تمثل مغامرة أمام المستثمرين الأجانب إذا أقدموا عليه، استمرار حالة عدم الاستقرار بالمنطقة، وبخاصة أن السعودية التي تعتبر عماد المشروع متورطة في ملف حرب اليمن، وأعلنت أن الحرب مستمرة حتى القضاء على الحوثيين، وهو هدف صعب المنال بعد أن مضى على تلك الحرب أكثر من عامين ونصف، دون حسم.

وفي حال إقامة المشروع أم عدمه، يظل تحدي التنمية ماثلاً أمام بن سلمان، وينتظر المواطن السعودي ثماراً للنشاط الاقتصادي تعود عليه بمستوى معيشي كريم، وفي نفس الوقت توظف طاقاته، وتعمل على تطوير ما لدى المجتمع السعودي من موارد وإمكانيات، حتى لا يكون أسير تقلبات سوق النفط الدولية، ولا برامج صندوق النقد الدولي التي فرضت على الحكومة إجراءات تقشفية، لم يعهدها المواطن السعودي من قبل.