تأسست المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز آل سعود عام 1932، تولى الحكم لمدة 21 عاماً، ثم ترك الحكم لأولاده من بعده (36 ابناً) ووضع قاعدة: أن تنتقل السلطة بينهم من الأكبر إلى الأصغر بعد وفاته، وحتى اليوم تولى ستة من ابنائه الحكم؛ هم الملوك: سعود، فيصل، خالد ، فهد ،عبد الله وأخيراً الملك سلمان بن عبد العزيز. مع تولى الأخير الحكم أحدث تغييرات جذرية فى أصول الحكم ونقل السلطة داخل الأسرة المالكة.

 بعد وفاة الملك عبد الله فى يناير 2015، تمت البيعة للملك سلمان على أن يكون الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد والأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد. في أبريل من العام ذاته وفي خطوة مفاجئة تم إعفاء الأمير مقرن من ولاية العهد ومبايعة الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد والأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد. الخطوة الأكثر جرأة كانت فى يونيو من العام 2017، حين أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً ينص على إعفاء الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد على أن يكون ابنه الأصغر محمد بن سلمان ولياً للعهد بموافقة هيئة البيعة التي تتكون من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود وأحد أبناء كل متوفٍ أو معتذرٍ أو عاجزٍ من أبناء الملك عبد العزيز على أن يكون مشهوداً له بالصلاح والكفاية، واثنين يعينهما الملك أحدهما من أبنائه والآخر من أبناء ولي العهد، على أن يكون مشهوداً لهما بالصلاح والكفاية. ووافقت هذه الهيئة بما يشبه الاجماع؛ كما تناقلت الصحف السعودية.

منذ وصول الملك سلمان للحكم، بدا واضحاً أن ابنه المقرب الأمير محمد لن يقنع بما توالت عليه من مناصب. كان رئيس ديوان ولى العهد ووزير دولة في مجلس الوزراء، عينه والده وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس شؤون الاقتصاد والتنمية، وهو الجهة التي تنسق السياسة الاقتصادية في المملكة والتى وضعت رؤية السعودية 2030، ومؤخراً عينه الملك سلمان رئيساً للجنة العليا لمكافحة الفساد التى شكلت قبل ساعات من التحفظ على 11 أميراً والعشرات من رجال الأعمال ورجالات الدولة، الذين وصل وصل عددهم إلى 208 أشخاص. هذه اللجنة أنيطت بها صلاحية التحقيق أو الاعتقال أو المنع من السفر أو تجميد أصول أي شخص تراه فاسداً. تم عزل الأمير متعب بن عبدالله من منصبه كرئيس للحرس الوطني قبل التحفظ عليه، والأمير متعب كان الابن المقرب لوالده الملك عبد الله رحمه الله، وكان كثيرون يجدون فيه المنافس الوحيد للأمير محمد بن سلمان.

الإعلام السعودي اعتبر الرابع من نوفمبر تاريخاً للثورة على الفساد، لكن من يحارب الفساد لابد أن تكون ملابسه بيضاء كما كتب توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز. الإعلام الغربي اعتبر أن حملة الاعتقالات الواسعة هي الخطوة الأخيرة لتعزيز سلطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي أصبح، قاب قوسين أو أدنى، أقرب للوصول للحكم عبر تنازل والده، كما أن استيلاء الدولة على ثروات هؤلاء الأثرياء والتي تصل إلى ما يقارب 100 مليار دولار، ستساهم فى تقليل العجز فى ميزانية المملكة وتساهم فى تحقيق مشروع “نيوم” الذى أعلن عنه ولي العهد.

نجح محمد بن سلمان فى إحداث تغيرات داخلية غير مسبوقة أنقذت المملكة من موت بطيء، المملكة التي كادت أن تتيبس مفاصلها من الركود والتقاليد البالية. اليوم؛ يمثل الشباب أكثر من 60% من الشعب السعودي وولي العهد شاب فى عمرهم، ويقدم نفسه بأنه القادر على إحداث تغيرات جوهرية في المجتمع السعودي، وفعلاً تمت خطوات ملموسة: السماح للنساء بقيادة السيارة، إذاعة أغانى في التليفزيون الرسمي، السماح بفتح قاعات سينما وتنظيم حفلات غنائية واقامة مناطق ترفيه وفتح الصالات الرياضية للنساء لممارسة الرياضة، وأوامر أخرى بعدم تعرض رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للنساء فى الشارع، ودمجهم في وزارة الداخلية، كما يروج ولى العهد لمشروع “نيوم”، الذي يعطى لساكنيه حرية أكبر بكثير مما هى موجودة في المملكة، حيث النساء يرتدين ملابس رياضية مكشوفة، ويمارسن حياتهن مثل قريناتهن في الغرب دون غطاء رأس أو عباءة، حتى الخمور مسموح بها على بعد خطوات من مدينة الأحلام. يخاطب الأمير الشاب الشباب السعودي الذي تعلم فى الخارج (حوالي 200 ألف) والذى عاد لوطنه بأفكار جديدة ورغبة فى نقل الثقافة الغربية، بالإضافة إلى وعد الأمير الشاب بالقضاء على الفكر المتطرف واقتلاعه من البلاد، والعودة بالسعودية إلى الإسلام الوسطي.

يستميل الأمير محمد بن سلمان الشباب ليكونوا سنده في الشارع مقابل قوى المعارضة المضادة له المصدومة من قراراته وصعوده السريع. لكن الشباب ليسوا كتلة واحدة، وهناك فروق كبيرة بينهم نتيجة ظروف الحياة والتعليم والثقافة. الاختلافات بين الشباب تجعل رؤيتهم للأمور مختلفة، فهناك شباب يرون في مكافحة ولي العهد للفساد بداية طيبة ويشيدون بمواقفه، وهناك من يجد أنه لا بد أن يتبعها تداول للسلطة وحكم ديمقراطي، وأن يكون هناك مجلس منتخب يمثل الشعب السعودي ويتحدث باسمه ويراقب السلطة التنفيذية ونفقات الأسرة المالكة، وأن تكون المناصب العليا في المملكة متاحة  للكفاءة وليست حكراً على الأسرة المالكة، كما يوجد شباب متشدد يعتبر أن ولى العهد خرج عن شرع الله حين سمح للنساء بالقيادة وحين فكر في مدينة تسير فيها النساء خارج محددات الشريعة التي يفهونها، وحين تحدث عن مكافحة الفكر المتشدد.

وفي العموم؛ الشباب في الدول العربية هم أكثر من نصف عدد السكان، ولذا؛ يحاول زعماء الوطن العربى مخاطبتهم وإغواءهم بقشور التغيير، وليس بتغيير حقيقي، لأنهم لو فعلوا سيكونوا أول ضحايا التغيير.

بالتأكيد خلفت القرارات الأخيرة للأمير محمد بن سلمان جروحاً مفتوحة ستستمر لفترة طويلة في نفوس أبناء العائلة المالكة الذين طالهم الاعتقال، وكذلك رجال الأعمال، ورجالات الدولة الموقوفين بتهم الفساد. السعودية التي لا تزال تعيش وفق أعراف قبلية تتعرض لما يخل بتوازنات السلطة وبهذه الأعراف النافذة، وهو ما قد يمهد الطريق للمزيد من المتغيرات والانقلابات.

سلسلة الاعتقالات التي تمت فى المملكة تحت شعار محاربة الفساد ليست المفاجأة الوحيدة، سبقتها استقالة تقدم بها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري على الهواء من الرياض، هاجم فيها إيران وحزب الله، وقال إن بلاده تعيش نفس الأجواء التي سبقت اغتيال والده. هذه الاستقالة أثارت ردود فعل وتساؤلات عديدة فى لبنان وخارجها، وخاصة فى ظل التصعيد السعودي ضد إيران التي تتهمها المملكة أنها وراء تسليح الحوثيين بالصورايخ الباليستية التي تعرضت الرياض لواحد منها، وتصريح وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان الذي أشار فيه إلى أن حزب الله “يشارك في كل عمل إرهابي يتهدد السعودية، وأن المملكة ستعامل حكومة لبنان كـ”حكومة إعلان حرب” بسببه”، والحديث عن عمل عسكري ضد حزب الله تقوم به إسرائيل وتموله السعودية يتردد كثيراً وخاصة بعد طالبت السعودية والكويت والإمارات رعاياها بمغادرة لبنان. ويجد المحللون السياسيون أن السبب المباشر لتعرض حزب الله وإيران لهذا الهجوم من جانب السعودية يعود إلى التغيرات الميدانية على الساحة السورية والعراقية التي رسخت النفوذ الإيرانى في البلدين بعد الهزائم التي مُني بها تنظيم داعش على يد القوات النظامية المدعومة بميليشيات حزب الله والحشد الشعبي، بالإضافة إلى الحرب فى اليمن التى لم يحسمها التحالف بقيادة السعودية حتى الآن، ولم ينتصر فيها كما كان متوقعاً.

يبدو ولي العهد السعودي، شاباً جامح الطموح، متسرعاً في تحقيقه، باشر بإعلان الحرب في اليمن دون حسابات دقيقة، ظناً منه بأنها حملة تأديب ستنتهي سريعاً، والواقع جاء بعيداً عن حساباته، وهو الآن يدخل في مواجهة مع حزب الله وإيران لا تُعرف عواقبها وأبعادها، لكنها بالتأكيد ستتسع لتضم قوى إقليمية ودولية. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أبدى معارضته لأي تهديد لوحدة لبنان وحزب الله وكذلك أي حرب على إيران لأن المنطقة، في تقديره، لا تحتمل مزيداً من الحروب والدمار.

تشهد الدول العربية منذ سنوات حروباً تهدد وجودها، وتقف المنطقة كلها فوق صفيح ساخن، وتتموضع كل من أمريكا وإسرائيل باعتبارهما المستفيدان مما يجري، ضعف الدول العربية قوة لإسرائيل واحتياج الدول العربية إلى السلاح يدير مصانع الولايات المتحدة التي فشلت مساعيها في تقسيم العراق وسوريا بفضل التحالف الرباعي بين إيران والعراق وسوريا وروسيا.

هل يمكن أن ينتبه الأمير محمد بن سلمان إلى الهاوية التي يمضي إليها مهرولاً؟ أم أن طموحه سيذهب بالمنطقة إلى طريق اللاعودة؟