كما كان للأزمة الخليجية شرائح شعبية كثيرة متضررة جراء الإجراءات التنفيذية التي رافقتها، فإن هناك قطاعات شعبية أيضاً ساهمت في تفاعلاتها وتأجيج أوارها؛ حتى أصبح بين قطر من جهة، والسعودية والبحرين والإمارات من جهة أخرى، خندق من الأحقاد ربما سيحتاج إلى سنواتٍ لمعالجة آثاره وتصحيح أضراره.

خلقت الأزمة تياراً جارفاً دفع الكثيرين، للمشاركة في ما يجري، لإثبات الوطنية المطلوبة، أو خوفاً من حملات التشهير والتخوين في حال التزام الصمت. ففي أجواء التوتر والتصعيد الإعلامي التي عاشتها المنطقة، أصبح من الصعب المجاهرة بالرأي الشخصي إذا كان مخالفاً للرأي الرسمي.

لم تكن هذه الأزمة الأولى في تاريخ منطقة الخليج، التي تتقلب على صفيحٍ ساخنٍ منذ أربعة عقود، ولكننا نزعم أنها المرة الأولى التي يجري فيها تجريف الوعي العام بهذه الصورة، وخلق تيار شعبوي متوتر، يختار الاصطفاف وراء السياسات الرسمية، وتبنّيها والدفاع عنها بقوة وإيمان، رغم ما يُطرح من تساؤلاتٍ حول مدى اتساقها مع المصلحة العامة والثوابت القومية.

في حروب وتوترات سابقة، كالحرب العراقية الإيرانية أو غزو صدام حسين للكويت، أو غزو العراق، وحتى الحروب الإسرائيلية على لبنان وغزة، كانت هناك حالات من الاصطفاف في الشارع العربي أو الخليجي، لكنها لم تتجاوز غالباً خطوط المصلحة الوطنية أو القومية، إلا أننا في الأزمة الخليجية الأخيرة، نجد الشارع يعيش حالة اصطفاف وراء الموقف الرسمي في كل تلك الدول، دون أدنى مراجعة أو استقلالية أو نظرة نقدية. من هنا فإن تداعيات هذه الأزمة ستكون عميقةً على المستوى الشعبي مستقبلاً، حيث ستترك آثارها وجراحها لسنواتٍ قادمة، حتى لو تمت المصالحة بين الحكومات في المدى المنظور.

وكما كان للأزمة الخليجية شرائح كثيرة متضررة، كالطلبة ورجال الأعمال والمستثمرين والفنانين والموظفين والرياضيين العاملين في الدولة الأخرى، فإن هناك فئات وشخصيات كثيرة شاركت في تصعيد حرارة الأزمة وتأجيج حدتها، وبالتالي المساهمة في تعميق الجرح ونشر روح الكراهية وزيادة الأحقاد بين شعوب الخليج.

الظاهرة التي تستحق الدراسة هي سهولة وسرعة الانهيار في حائط الصد الشعبي، وبالتالي الانسياق وراء سياسة التأجيج وخلق العداءات بين الشعوب، بعد 36 عاماً من دعوات الوحدة الخليجية. والأبرز في كل ذلك مساهمة طبقات أو فئات شعبية في هذه “المعركة”. ومنذ الأيام الأولى للأزمة تداولت وسائل الإعلام أخبار اعتداءات على مواطنين خليجيين وسياراتهم في أراضي دول أخرى، في استجابة غرائزية متساوقة مع التصعيد السياسي.

من الواضح حالة الاصطفاف لوسائل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وراء السياسات الحكومية في مختلف الدول الأطراف في الأزمة. فهناك الكثير من الكتّاب والمثقفين وأصحاب الرأي، اصطفوا وراء الموقف الرسمي في بلدانهم، بل وتماهوا معه وأخذوا يلعبون دور المحامي الأول، بعيداً عن قيم الحق والعدالة والاستقلالية في التفكير. وهو ما يطرح مجدداً السؤال حول دور المثقف المعاصر، وانحيازاته لصالح التنوير من عدمه.

هذه الأزمة كشفت دور النخبة الخليجية، خصوصاً من جهة انسياقها وراء دوافع التأزيم، ومشاركتها عبر منصاتها الإعلامية، صحفاً أو فضائيات، في خلق تيار شعبوي يحمل طاقةً كبيرةً من العداء للجار والشقيق. وساهم في ذلك انخفاض مستوى الوعي السياسي لدى قطاعٍ واسعٍ من الجمهور، ما يسهّل عملية انقياده وتوجيهه في الحرب والعداء ضد هذا الطرف أو ذاك.

إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية، من صحافة وتلفاز، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً بالغ التأثير في تعميق الخلاف ونشر الكراهية والعداء على المستوى الشعبي. فوجود منصات جاهزة للنشر والإطلاق السريع، مثل “تويتر” و”إنستغرام”، سهّل تداول الأخبار، معزّزةً بالصور ولقطات الفيديو، التي تنتصر لهذه الدولة أو تلك.

إلى جانب آلاف الحسابات التي تديرها الأجهرة السرية من وراء ستار، بعد اختراقها الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي؛ ومئات الحسابات لفنانين وإعلاميين وصحفيين ورياضيين ومثقفين ورجال دين، من المنتفعين من الأزمات؛ هناك عشرات الآلاف من حسابات مواطنين عاديين، يشاركون طوعاً في صبّ الزيت على النار في هذه الأزمة وتعميق آثارها، عبر ما يتداولونه من تغريدات وتعليقات وأخبار وصور ونكات ورسومات ساخرة وشتائم.

في الأزمات والنزاعات السابقة، غالباً ما تنحصر أضرارها بين الحكومات والدول، ونادراً ما تتعدّاها إلى القواعد الشعبية، أمّا هذه الأزمة التي سقطت فيها النُخب، فقد سبّبت شروخاً وتصدعات عميقة، أصابت صلب العلاقة بين شعوب الخليج.