بعد عودته من زيارة للملكة السعودية أواخر شهر أكتوبر، شرع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وإن لم يطلع حتى المحيطين به صراحة بفحوى محادثاته في الرياض، بعقد سلسلة من اللقاءات أشاع خلالها أجواء إيجابية مطمئنة لمصير صيغة التسوية القائمة في لبنان، وصلت حد تداول المقربين منه معلومات تفيد بأن الحريري أفلح في إقناع السعوديين بالتسليم بالوضع القائم، وتتوجت بما نقله رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بأن الحريري أكد له حرص السعودية على الاستقرار في لبنان. وحتى في لقائه مع علي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية لمرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي فإن الأنباء التي تسربت في حينه نقلت ارتياح الحريري للقاء.

خبر عاجل:

على نحو مباغت جرى استدعاء سعد الحريري من جديد إلى الرياض، وهو ما بث مشاعر قلق وترقب لدى المعنيين الذين تساءلوا عن سبب هذا الاستدعاء العاجل وما يمكن أن ينتهي له! غير أن غيوم التساؤل والترقب سرعان ما تبددت حين أطل الرئيس الحريري عبر الشاشات السعودية ليعلن من الرياض خبر استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية.

من الرياض إلى لبنان:

 بيان الحريري في شكله ومضمونه وإلى جانب ما مثّله من انتهاك صارخ لكل القواعد القانونية والاعتبارية التي يفترض بها أن ترافق حدثاً من هذا النوع، بدا كقرار جرى تجهيزه على عجل من دون أن يتسنى حتى إلحاقه بحيثيات متماسكة تبرره، فإعلان الحريري نبأ استقالته من خارج الأراضي اللبنانية وعلى شاشة تلفاز أجنبي ومع ما ينطوي عليه ذلك من خدش غائر للهيبة المعنوية للدولة اللبنانية، شكّل كذلك مخالفة دستورية كون الأخير لم يسلم الاستقالة مكتوبة لرئيس الجمهورية اللبنانية كما تقتضي الأصول القانونية المعمول بها في البلاد، وإنما اكتفى بمفاجأة الجميع بها بمن فيهم وزراء ونواب كتلته السياسية كخبر عاجل على شاشات التلفاز، ليعود ويتوارى عن الأنظار ووسائل الإعلام وتنقطع أخباره تاركاً مختلف الأطراف خلفه تتخبط تحت وقع النبأ الصادم.

وإذا كان لا يزال مبكراً وضع سيناريوهات محتملة لما سيرتبه إعلان الاستقالة على واقع عمل مؤسسات الدولة اللبنانية، فإن الرئيس ميشيل عون وفي تعقيب عاجل على الإعلان، أكد أنه لن يجري العمل بالاستقالة إلى حين مجيء الرئيس المستقيل إلى بيروت وعقد لقاء معه. إلا أن توقعات لم تتأكد بعد تحدثت عن انسحاب مرتقب لوزراء كتلة المستقبل التي يرأسها الحريري وربما بعض حلفائهم من المجلس الوزاري، وهو ما قد يعجّل مسألة تولي رئيس الجمهورية نفسه رئاسة المجلس الوزاري من دون امتلاك حق التصويت فيه واعتبار المجلس حكومة تصريف أعمال، وبخاصة إذا ما اختار سعد الحريري البقاء خارج لبنان وهو احتمال مرجح، سيما وأنه من غير الوارد توفير الشروط السياسية والقانونية اللازمة لتشكيل حكومة جديدة، عدا عما تمثله هذه الخطوة إن حدثت من مضي إلى حدود أبعد في الأزمة السياسية التي طرأت في البلاد.

قرار سعودي:

في معرض خطاب الرئيس المستقيل سعد الحريري عن دوافعه لإعلان الاستقالة، لم يجد الأخير ما يسوقه للتبرير لها سوى استعارات كلامية وسياسية للخطاب الذي كان دارجاً في لبنان بعد عام 2005 عن تدخلات إيرانية عبر “ذراعها اللبنانية” حزب الله تهدد استقرار وسيادة البلاد، وترديد كلام مرسل نفت الأجهزة الأمنية اللبنانية علمها به عن مخططات لاغتياله. هذه الركاكة الخطابية التي بدا أنها رُصّت في بيان الاستقالة على عجل مع ما رافقها من نشاز عرفي وإجرائي في شكل الإعلان وملابساته، دفعت المراقبين لاعتبار الأمر برمته بمثابة تأكيد لما هو مؤكد من أن هذه الاستقالة ليست سوى قرار سعودي ربما فاجأ الحريري نفسه!

منذ انتخاب زعيم التيار الوطني الحر الجنرال ميشيل عون قبل عام رئيساً للجمهورية وتكليف الأخير لسعد الحريري زعيم تيار المستقبل بتشكيل حكومة جديدة في إطار توافق إقليمي قبلته السعودية في حينه على مضض، ظلت مشاعر السخط وعدم الرضا لدى الرياض تتفاقم كونها رأت أن هذا التوافق وفي ظل المكتسبات التي يجنيها المحور الإيراني داخل لبنان ومحيطه الإقليمي وبخاصة في سوريا، من شأنه أن يضيق الخناق على مساحات النفوذ السياسي لها داخل الساحة اللبنانية التي ظلت تاريخياً ميداناً رئيسياً لمناورات المملكة في السياسات الدولية والإقليمية، كما أن أصوات متطرفة محسوبة على الحلف السعودي لم تتحرج من القول بأن ضم الحريري للتركيبة القائمة هو بمعنى أو بآخر إسهام في توطيد الغطاء الشرعي لسلاح حزب الله وأنشطته العسكرية، وأن مسار التطورات التي تتسارع على صعيد الأحداث في سوريا إذا ما وصل إلى مآلاته المرتقبة بانتصار للمحور الإيراني سينجم عنه إخراج للبنان من دائرة النفوذ السعودي. ومن هنا، فعلى المملكة السعودية ورجالاتها توجيه ضربة استباقية لقيود التركيبة الحالية.

كذلك فإن عثرات السياسة الخارجية السعودية في أكثر من موقع في الإقليم والتراجع الذي لحق بها أمام تمدد النفوذ الإيراني من حولها، وبخاصة في الساحة اللبنانية التي يمكن اعتمادها كمؤشر يصلح تعميم دلالاته على هذا التراجع العام، جعل الرياض تجد فيها ميداناً مناسباً لإعادة خلط الأوراق في الإقليم عبر تسعير حالة الاحتقان السياسي اللبناني كرهان على أن يترجم نفسه إلى استنفار مذهبي اللبنانيين متمرسين في طقوسه، سيما وأن القراءة السعودية للمشهد هناك ترى أن إرباك المجال السياسي اللبناني الذي كان قد استقر نسبياً في العام الأخير، كفيل بحد ذاته أن يلحق الضرر بأجندات إيران وحلفائها طالما أن حالة الاستقرار صبت في محصلتها النهائية في صالح تثبيت دعائم النفوذ لمحور إيران ومن معه في البلاد. وبالتالي، فإن خلق أزمة سياسية من شأنه إجبار خصوم المملكة على طرق أبوابها من أجل عقد تفاهمات جديدة ربما تمتد لتشمل التفاوض على ملفات في مواقع أخرى.

ماذا بعد:

كأي حدث كبير يطرأ على الساحة اللبنانية، فإن أول ما استدعته استقالة الحريري إلى الأذهان كان احتمالية أن تفتح هذه الخطوة الباب أمام عدوان إسرائيلي جديد، وهو أمر وإن كان لا يعوزه المنطق، فإن عدداً من المحللين يرون بأنه غير وارد لأسباب عدة أهمها على الإطلاق قدرات الردع العالية التي باتت بين أيدي حزب الله، مضافاً إليه التماسك النسبي للجبهة الداخلية اللبنانية خلف الحزب في أي مواجهة عسكرية محتملة، كما أن العامل الدولي يحضر هنا وبخاصة الروسي منه، والذي يميل إلى تهدئة ميادين المواجهة العسكرية في المنطقة ليتسنى تثبيت النتائج الميدانية التي تحققت على الأرض. وكان السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله قد أضاف في إطلالته الأولى بعد استقالة الحريري عنصراً آخر حين أشار إلى أن إسرائيل لن تربط أجنداتها العسكرية بجدول الأعمال السياسي للسعودية.

الأرجح إذاً أن يجري احتواء تداعيات الاستقالة في لبنان، خاصة وأن التفلتات المذهبية المتوقع حدوث بعضها قد لا يروق لحلفاء الحريري اللبنانيين أنفسهم في ظل المناخ الإقليمي الحالي. ويبدو أن البراعة السياسية التي أظهرتها مواقف مختلف الأطراف اللبنانية من كلا المعسكرين والتي تراوحت ما بين الدعوة للتهدئة والتعاطي مع الحدث على أنه شأن سعودي داخلي قد تفلح في إبطال مفاعيل تبعات الاستقالة التي أرادتها السعودية داخل لبنان ليتم تحويل الأمر كله إلى إخفاق سعودي جديد قد ينتهي بحملة ينظمها اللبنانيون للكشف عن مصير رئيس وزرائهم!