تسعى بغداد إلى المحافظة على وحدة البلاد رغم أن إقليم كردستان يمثل عبئاً مالياً ثقيلاً على ميزانية الدولة. وفي المقابل يحاول الإقليم الانسلاخ من العراق رغم أن استقلاله يقود إلى تفاقم أزمته الاقتصادية. وتلعب العوامل السياسية دوراً بارزاً في الحالتين.
في عام 2004 جرت مفاوضات بين الحكومة العراقية والجانب الكردي تمخض عنها منح الأكراد 17% من نفقات الميزانية العامة. يعتقد الأكراد أن هذه النسبة تمثل الحد الأدنى الذي يمكنهم قبوله. تمت هذه المفاوضات تحت ظل الاحتلال الأمريكي وضعف الجانب الحكومي وقوة الطرف الكردي.
نجمت هذه النسبة عن توافقات سياسية، لكنها تعبر كذلك عن مفهوم الأكراد لمنطقتهم (دولتهم) التي تشمل (حسب المادة الثانية من دستورهم) أربيل والسليمانية ودهوك إضافة إلى كركوك وديالى وخانقين وأجزاء من محافظة نينوى.
أما الدستور العراقي لعام 2005 فقد اعترف بإقليم كردستان الذي يشمل أربيل والسليمانية ودهوك، واعتبر المناطق الأخرى “متنازعاً عليها” وهي تسمية لم يعتد عليها العراقيون. خضعت هذه المناطق لسيطرة الحكومة المركزية لحين إجراء استفتاء بموجب المادة 140، وجاء هذا التنظيم مطابقاً لما ورد في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية. واعتمد الدستور على ثلاثة مبادئ: ملكية الشعب للنفط والغاز الطبيعي، وتوزيع إيرادات حقول النفط حسب عدد السكان، والإدارة النفطية المشتركة بين المركز والإقليم المنتج.

خسائر مركزية فادحة
طيلة الفترة بين 2005 و2013 احتسبت لإقليم كردستان (ثلاث محافظات) 17% من الإنفاق العام، علماً بأن عدد نفوسه باتفاق الجميع 4.8 مليون نسمة: 1.7 مليون في أربيل و1.9 مليون في السليمانية و1.2 مليون في دهوك. ولما كان سكان العراق 36.8 مليون نسمة يصبح نفوس الإقليم 13% من سكان العراق. ولم تتغير هذه النسبة منذ عدة عقود لأن الزيادة السكانية متساوية تقريباً في جميع أنحاء البلاد.
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة 13% كانت معتمدة من قبل مجلس الأمن بموجب قراره الخاص ببرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء. فقد كانت عوائد النفط تذهب إلى حساب خاص تشرف عليه الأمم المتحدة يخصص منها (بعد دفع تعويضات الحرب للكويت) 13% لكردستان والباقي للحكومة المركزية يصرف وفق معايير خاصة. وقد استند المجلس في تحديد هذه النسبة إلى المعيار السكاني.
وهكذا حصل الإقليم طيلة تلك الفترة على زيادة نسبية قدرها أربع نقاط، وهذا مخالف للمبدأ الدستوري من جهة، كما يعني حرمان المحافظات الأخرى من أموال مهمة.
وقد أجرينا حساب الخسائر المالية للحكومة المركزية فتبين ما يلي: أن مجموع نفقات الميزانية لهذه الفترة 704.1 ترليون دينار. 4% من هذا المبلغ تعادل 28.1 ترليون دينار أي 24.1 مليار دولار. إنها خسارة الميزانية العراقية لسبب واحد فقط وهو استمرار الخطأ الفادح في تحديد عدد النفوس.
وعلى إثر التطورات العسكرية استولت البيشمركة على محافظة كركوك في يونيو 2014 وما ترتب على ذلك من السيطرة على أهم الحقول النفطية الشمالية. استوجب هذا الوضع عقد اتفاق بين بغداد وأربيل حول توزيع الأموال والذي وقع في نهاية عام 2014. حسب هذا الاتفاق يستمر العمل بالنسبة السائدة وهي 17% مقابل تسليم الإقليم الكميات التالية إلى شركة سومو التابعة للحكومة العراقية: 300 ألف ب/ي (برميل يومياً) من حقول كركوك و250 ألف ب/ي من الحقول الأخرى لكردستان.
وبالتالي يتعين طرح السؤال التالي: كم يحصل الإقليم من إيرادات صافية جراء بيع 550 ألف ب/ي دون المرور بسومو مقارنة بالإيرادات التي يحصل عليها بتطبيق الاتفاق المذكور؟ عندئذ يمكن معرفة ما إذا كان الإقليم يمثل عبئاً مالياً على ميزانية الدولة أم مصدراً للإيراد العام.
وضعنا المعادلة التالية للوصول إلى الإيراد الصافي للإقليم: (سعر البرميل ناقصاً كلفة الإنتاج) مضروباً بالصادرات النفطية ناقصاً مستحقات الشركات الأجنبية.
قدرت الميزانية المركزية الحالية سعر بيع النفط العراقي بمبلغ 42 دولاراً للبرميل. وحسب مسؤولين أكراد يبيع الإقليم النفط بسعر يقل ستة دولارات عن السعر المشار إليه (عشرة دولارات وفق تقديرات البعض). أي أن سعر البرميل بعد طرح كلفة نقله إلى ميناء جيهان التركي 36 دولارا. ويعود رخص نفوط العراق قياساً بخليط برنت إلى انخفاض كثافتها وارتفاع محتواها الكبريتي. كما يعود هذا الرخص إلى سياسة كردية تهدف إلى تشجيع الشركات والوسطاء على الشراء وإلى جلب الاستثمارات النفطية، ناهيك عن أسباب أخرى.
أما معدل كلفة إنتاج البرميل في العراق فهو خمسة دولارات. وبموجب عقود المشاركة في الإنتاج السائدة في كردستان تحصل الشركات الأجنبية على أرباح لا تقل عن 20% بعد طرح كلفة الإنتاج. فعلى سبيل المثال حدد ت حصة شركة دي.أن.أو النرويجية بنسبة 22%.
انطلاقاً من هذه المعطيات يمكن تطبيق المعادلة المذكورة:
(36 – 5) X 200.7 مليون برميل في السنة – 20% = 4977 مليون دولار في السنة. الإيراد السنوي الصافي للبيع المباشر.
في حين لو سلم الإقليم نفطه إلى الحكومة المركزية لحصل على إيراد يعادل 17% من نفقات الميزانية العامة. ولما كانت هذه النفقات 100.7 ترليون دينار في عام 2017 فإن إيرادات الإقليم تصل إلى 14669 مليون دولار (الدولار يعادل 1167 ديناراً).
بمعنى آخر يمثل الإقليم خسارة فادحة لميزانية الدولة إن طبق الاتفاق بحذافيره. ولا يمكن معالجة هذه الخسارة إلا إذا صدر الإقليم 1.6 مليون ب/ي أي ثلاثة أضعاف صادراته المتفق عليها. وعلى هذا الأساس تحصل كردستان قبل استقلالها على إيراد يعادل ثلاثة أضعاف الإيراد الذي يمكن أن تحصل عليه في حالة استقلالها.
لننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى ترتبط بميزانية كردستان وتقود إلى نفس النتيجة تقريبا. فحسب مذكرة صادرة في نهاية عام 2016 عن مجلس الوزراء الكردي يتضح أن الإقليم يحتاج إلى إيرادات شهرية قدرها 1352 مليار دينار أي 13902 مليون دولار في السنة. وهذا المبلغ يعادل تقريباً 1.6 مليون ب/ي.
تدل المؤشرات على تعذر تحقيق ذلك على الأقل لسببين: النقل والإنتاج. إذ لا تتجاوز السعة التصميمية القصوى لأنبوب كركوك-جيهان 1.1 مليون ب/ي. وخلال السنوات الثلاث المنصرمة تخلت عدة شركات نفطية أجنبية عن حوالي عشرين منطقة في كردستان لأسباب عديدة في مقدمتها صراعات الأحزاب الكردية على السيطرة على الحقول وتعثر وفاء حكومة الإقليم بديونها المستحقة للشركات الأجنبية وكذلك عدم الجدوى قياساً بكلفة الإنتاج وحجم الاحتياطي المؤكد.

التبعات المالية لاستقلال كردستان
إن الاستفتاء الكردي لصالح الانفصال والمواقف الإقليمية والدولية المناهضة له وإعادة سيطرة بغداد على كركوك وحقولها النفطية أدت إلى إضعاف الجانب الكردي في مفاوضاته القادمة مع المركز. وهكذا سيعاد النظر في جميع المسائل المالية المطروحة آنفاً وفي مقدمتها المبالغ التي حصل عليها الإقليم بسبب المبالغة في عدد سكانه.
لنفترض جدلاً أن إقليم كردستان سيتحول إلى دولة. ترى ما هي التداعيات المالية لهذا الانفصال على الصعيدين العراقي والكردي؟
هنالك عدة محاور ترتبط بهذا الوضع، وسوف نقتصر هنا على اثنين منها: الديون الكردية المستحقة للعراق، والنفط المستهلك من قبل الإقليم لغاية انفصاله.
المحور الأول: الديون. يعاني إقليم كردستان من أزمة مالية خطيرة تتمثل بتفاقم ديونه البالغة 22 مليار دولار. إنها مستحقة بالدرجة الأولى لشركات نفطية أجنبية ولمؤسسات مالية واستثمارية تركية. لم يعد الإقليم قادراً على خدمتها عن طريق حصيلة صادراته فأصبح يلجأ إلى القروض الجديدة لتغطية ديونه القديمة كالقرض بمليار دولار المبرم قبيل الاستفتاء مع شركة روسنفت الروسية لسداد ديون مستحقة لشركة دانة غاز الإماراتية. سيؤثر هذا الوضع تأثيراً سلبياً على مالية الدولة وعلى مستوى معيشة سكانها.
وسوف لن يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد رأينا أن حصة الإقليم تحتسب من نفقات الميزانية العامة وليس من إيراداتها، وشتان بين الحالتين. ففي الميزانية الحالية لعام 2017 بلغت النفقات العامة 100.6 ترليون دينار والإيرادات العامة 79.0 ترليون دينار. وبالتالي تصبح حصة الإقليم 17.1 ترليون دينار أي وفق العلاقة بين النسبة المئوية والنفقات العامة.
يعاني العراق من عجز مالي منذ عدة سنوات بسبب هبوط أسعار النفط وارتفاع نفقاته العسكرية. يمول هذا العجز بالقروض الداخلية والخارجية. فقد اقترضت الحكومة العراقية خلال السنوات المنصرمة 122.9 مليار دولار (تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بالعراق والصادر في أغسطس 2017) تحولت إلى ديون يتعين سدادها في تواريخ محددة.
وبالنظر لكون حصة الإقليم محسوبة على الإنفاق العام فهو مستفيد من تلك المبالغ في حدود حصته. يتعين على الدولة الكردية إعادة تلك المبالغ إلى الحكومة المركزية. ستكون إذاً أربيل مدينة بمبلغ 20.8 مليار دولار لبغداد. وهكذا تصبح ديون الدولة الجديدة 42.8 مليار دولار أي 161% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة عالية جداً حسب المقاييس المتعارف عليها.
المحور الثاني: الاستهلاك النفطي. يستهلك إقليم كردستان حوالي 50 ألف ب/ي من النفط المستخرج من حقوله، ولا تدخل هذه الكمية في حساب حصته وهذا خطأ فادح، ناهيك عن تناقضه مع الدستور الذي ينص على ملكية جميع أفراد الشعب للنفط. فإذا كان سكان إقليم كردستان 17% فإن لهم نفس النسبة من النفط المستخرج من أراضيهم، أي أن 83% من هذا النفط مملوك لباقي المحافظات العراقية لكنه لا يصل إليها، وهذا يعادل خسارة للحكومة المركزية قدرها 636 مليون دولار في السنة. يتعين كذلك إثارة هذا المحور في المفاوضات القادمة بين بغداد وأربيل. لابد من إيجاد صيغة عادلة وقانونية لاحتساب الاستهلاك المحلي الكردي، ولا يتوقف الأمر عند النفط بل يشمل الغاز الطبيعي أيضاً.
أفضى الاستفتاء الانفصالي إلى تردي علاقات إقليم كردستان بتركيا وإيران. وقاد إلى سيطرة بغداد على كركوك وحقولها. وهكذا ورغم تجميد نتائج هذا الاستفتاء ضعف الطرف الكردي وما سيترتب عليه من إعادة النظر في آلية توزيع الأموال. ينبغي ألا تؤدي هذه التطورات إلى معاقبة الأكراد بل إلى معاملتهم من الناحية المالية معاملة غيرهم من أبناء العراق.