تزامناً مع الأزمة الخليجية حدثت تطورات مهمة في علاقات الداخل الفلسطيني، تحسنت علاقة حركة حماس بالقيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان، وتبعه توقيع اتفاق مصالحة بين حماس وفتح برعاية مصرية. فما هي حدود العلاقة بين الأزمة الخليجية وهذه التطورات الفلسطينية؟
تربط بين الأطراف الفلسطينية المتناقضة من جهة والأطراف الخليجية المتناقضة من جهة أخرى علاقات مهمة ومؤثرة ومعقدة أحياناً؛ ومنها، هجوم إماراتي سعودي على حماس واتهامها بالإرهاب، وتحسن طارئ في العلاقات بين حماس ودحلان الذي يعد حليفا قوياً لدولة الإمارات العربية المتحدة. كما نلاحظ أن ثمة تطور إيجابي في العلاقة بين حركة حماس ومصر التي تعتبر حليفاً وثيقاً للإمارات والسعودية. وأخيراً؛ لم تمنع العلاقة الوثيقة بين قطر وحماس الأخيرة من تعزيز علاقاتها بمصر التي تحاصر قطر، ولم تمنعها أيضاً من توثيق علاقتها بدحلان الحليف القوي للإمارات.
والسؤال: كيف يمكن أن نفهم هذه العلاقات المعقدة؟ وما هي تأثيراتها على العلاقات الفلسطينية الداخلية؟ وكيف ستؤثر على علاقة الأطراف الفلسطينية المختلفة بالدول الخليجية؟

دحلان والدور الإماراتي
ربطت بين حماس والقيادي الفتحاوي السابق محمد دحلان -الذي يقيم حالياً في الإمارات-علاقات عدائية شديدة منذ أحداث الانقسام الفلسطيني قبل حوالي 10 سنوات، فلماذا تحسنت العلاقة بين الطرفين الآن؟
والجواب على ذلك يكمن في كلمة واحدة هي (الاضطرار). فبينما تبحث حماس عن سبيل لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، يبحث محمد دحلان عن موطئ قدم في الأرض الفلسطينية، ورغم أن كلا الطرفين يرى في الأخر خطراً عليه، إلا أنهما توصلا إلى قناعة أنه لا بد من التقارب المرحلي الذي يحقق لكل منهما مصلحته الآنية.
وإذا بحثنا في أسباب موافقة الإمارات على تقارب حليفها محمد دحلان من حماس فسنجد مجموعة من الاحتمالات، ومنها؛ خلق بؤرة نفوذ إضافية لها في منطقة حساسة وهي قطاع غزة، والساحة الفلسطينية بشكل عام لاحقاً، خاصة إذا سيطر دحلان على غزة، أو على السلطة بشكل عام، سواء بطريق أمني عسكري، أو سياسي انتخابي. الاحتمال الثاني هو محاولة عزل حماس عن قطر، سواء بإغراء حماس بالتخلي عن قطر، أو إجبارها على ذلك عن طريق ربط المساعدات التي سيقدمها دحلان بقطع العلاقات مع قطر لاحقاً، أو بتوقعها أن يؤدي هذا التقارب لإغضاب قطر، وبالتالي تقليص مساعداتها لقطاع غزة. ثالثاً؛ محاولة العمل ضمن مشروع أمريكي-إسرائيلي-عربي، لخلق تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، عبر ما تم تسويقه بصفقة القرن، وذلك بالتقارب مع حماس، وتدجينها للقبول تدريجياً بالحل المفروض.

حماس والدور المصري
بعد هجوم إعلامي مصري واسع على حركة حماس، منذ إسقاط الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، تطورت العلاقات بين حماس ومصر بشكل مفاجئ، لدرجة السماح برفع صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قطاع غزة، وقيام رئيس المخابرات المصرية بزيارة قطاع غزة، والالتقاء برئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية.
بدأ التغير الملحوظ في العلاقة بعد انتخاب حماس قيادة جديدة، تركزت بدرجة أساسية في قطاع غزة، وكان من أبرز وجوهها يحيى السنوار، والذي يبدو أنه قرر انتهاج سياسة جديدة تقتضي البحث عن خيارات جديدة في مواجهة رئيس السلطة محمود عباس، فقرر التقارب مع خصمه محمد دحلان، ومن هنا جاءت زيارة مصر، التي أسفرت عن تقارب مع دحلان، وتشكيل لجنة للتصالح الاجتماعي، ووعدت مصر بفتح معبر رفح وسمحت بضخ كميات من الوقود لغزة. ولكن فجأة تغير الأمر، وبدأت مصر تضغط باتجاه التصالح بين حماس وفتح، وفي النهاية تم توقيع اتفاق المصالحة الأخير، فلماذا تغير الموقف المصري فجأة؟
أولاً: لا تريد مصر تعزيز نفوذ محمد دحلان في قطاع غزة، إذ ترى في ذلك تعزيزاً لنفوذ الإمارات في منطقة حساسة بالنسبة لها، حيث تتصاعد الهجمات العسكرية في سيناء، ولأن التواجد الدحلاني في غزة قد ينقل الملف الأهم للسياسة الخارجية المصرية ملف قطاع غزة، من النفوذ المصري إلى النفوذ الإماراتي دبلوماسيا، ثم أن مصر قد تكون قلقة من دحلان نفسه، لكونه شخصية أمنية تربطها علاقات واسعة بأطراف دولية وإقليمية مختلفة، وقد تكون لديه أطماع في سيناء.
ثانياً: أن مصر في إطار مشروع أمريكي لحل القضية الفلسطينية، تسعى لدفع السلطة لتولي مسؤولياتها عن قطاع غزة، تمهيدا لإقامة دولة غزة، وترك الضفة لسلطات الاحتلال لتستولي على أجزاء كبيرة منها، وتحويل الباقي لمربعات سكنية محاصرة بالمستوطنات، ولتحقيق ذلك لابد من مصالحة تمكن السلطة من السيطرة على غزة، وبهذا يمكن تفسير الصمت الأمريكي الإسرائيلي على المصالحة، ولذلك لم تستطع الإمارات ودحلان إلا الموافقة على هذا المشروع.
ثالثاً: أن مصر وبالاتفاق مع الإمارات ودحلان، تريد جلب السلطة إلى غزة عبر المصالحة، ليكون بإمكان مصر والإمارات السيطرة عليها، ليتسنى لها لاحقاً نقل صلاحياتها من عباس إلى دحلان، كما نقلت سابقاً صلاحيات عرفات إلى عباس.
رابعاً: أن مصر بالتوافق مع الدول الخليجية تريد سلك طريق جديد لتدجين حماس، عبر تقديم الإغراءات لها، ورفع الحصار عن غزة، ثم ابتزازها بإمكانية إعادته مرة أخرى، إذا لم توافق على التسوية السلمية مع الاحتلال، وتنزع سلاحها، ولكن هذا مستبعد، لأن مصر حتى اللحظة لم تقم بأي إجراء حقيقي لتخفيف الحصار عن غزة.

قطر وحماس
ربطت بين قطر وحماس علاقة قوية، حيث زار الأمير القطري السابق حمد بن خليفة آل ثاني قطاع غزة، ونفذت قطر عدة مشروعات كبرى، واستضافت قطر رئيس المكتب السياسي السابق لحماس في عاصمتها الدوحة، وكان من بين التهم الخليجية الموجهة لقطر أنها ساندت حماس المتهمة أمريكيا بالإرهاب، وكان من المتوقع –كما يحدث بين الحلفاء السياسيين- أن تساند حماس قطر في أزمتها الأخيرة، إلا أن ما حدث فعلياً أن حماس توجهت في أوج الأزمة للتصالح مع محاصري قطر وحلفائهم، مصر ودحلان، فما الذي دفع حماس لذلك، وما تأثيراته على العلاقة مع قطر؟
يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال فهم نظرة حماس للدعم العربي لها، فهي ترى أن الدعم العربي لغزة واجب على الدول العربية، وأنها لا تنوي الدخول في الصراعات البينية العربية، وأنها لا تريد الانضواء في إطار أي محور عربي، وبغض النظر هل يمثل ذلك وعياً صحيحاً بالعلاقات السياسية المعاصرة التي تقوم على المصالح بالدرجة الأساسية، وبغض النظر عن مستوى اضطرار حماس للقيام بذلك في ظل عجز قطر وتركيا -رغم ما قامتا بتقديمه- عن رفع الحصار بشكل حقيقي عن غزة، إلا أن كثيراً من المراقبين يرون أن حماس لن تنجح في الغالب في إقامة علاقة متوازنة مع مصر ودحلان ومن ورائهم الإمارات من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى، وقد ظهرت بوادر هذا في بيان أصدره مكتب رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار الذي نفى فيه حديثه عن تدهور العلاقات بين حماس وقطر، وأكد على متانة العلاقة بين الطرفين، في تأكيد يوحي بوجود مخاوف حقيقية من حصول ذلك، إن لم يكن قد حصل أصلاً.
ورغم أن كل ما سبق يبقى في إطار التحليل، إلا أن الواضح أن علاقة وثيقة تربط بين الأزمة الخليجية، والصراع بين طرفيها، وحلفاء كل منهما، وبين التطورات الجارية على الساحة الفلسطينية، والتي يستبشر بها بعض الفلسطينيين، ويتخوف منها آخرون، ويرون فيها فخاً جديداً لم تتضح أبعاده بعد.