الأزمة التي اندلعت بين الدول الثلاث، السعودية والبحرين والإمارات، وشقيقتهم الخليجية قطر، ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة في منطقة حافلة بأسباب الصراعات والنزاعات والخلافات، ولكنها ستكون من أكثر الأزمات التي ستترك جراحاً عميقة في العلاقات على مستوى شعوب الخليج.

في كل مناطق العالم تندلع أزمات سياسية بين الدول، بسبب اختلاف المواقف والرؤى، وتضارب المصالح وتناقض السياسات، وعادة ما تنتهي تلك الأزمات إلى حلول ومصالحات، إلا أن المنطقة العربية، والخليجية منها خصوصاً، أصبحت تتعامل مع مشكلاتها بشكل يزيدها تضخيماً. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي، وبفضل توفرها لدى كافة فئات المجتمع، دوراً أكبر في زيادة تعقيد الأمور، مقارنة بمناطق العالم الأخرى التي تُستخدم فيها هذه المنصات غالباً في مجال الترفيه أو التعليم وتبادل المعلومات والترويج والإعلام.

بدأت أزمة الخليج في 5 يونيو 2017، بإعلان مفاجئ عن موقف الدول الثلاث تجاه قطر، بعد أيام من اختتام قمة الرياض، التي جمعت أكثر من خمسين مسؤولاً من دول عربية وإسلامية بالرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب. وكان الإعلان مفاجئاً للكثير من المراقبين والأوساط السياسية والإعلامية. وسرعان ما تطور الوضع نحو مزيد من التصعيد والتعقيد، مع إعلان الإجراءات المتخذة ضد الدوحة، ومسارعة تركيا لإرسال جنودها إلى حليفتها قطر، تفعيلاً لاتفاقية دفاعية سابقة كما قيل. وتبعه موقف إيراني بإعلان فتح المجال الجوي أمام الطائرات القطرية لتسيير رحلاتها إلى أوروبا بعد إغلاق المجال الجوي للدول الخليجية الثلاث أمامها، فضلاً عن فتح خطوط تموين بحري سريعة للبضائع والمواد الغذائية لإمداد الدوحة باحتياجاتها اليومية.

ورغم أن مثل هذه الأزمة لم تكن الأولى في تاريخ دول الخليج، الذي شهد حروباً وحصارات عديدة حتى مطلع الستينات، إلا أن تداعيات هذه الأزمة ستكون عميقةً جداً وغير مسبوقة على المستوى الشعبي. ففي الأزمات السابقة كانت تنحصر غالباً بين الحكومات والدول، ولا تتعداها إلى القواعد الشعبية، أما هذه المرة فقد شهدنا شروخاً وتصدعات أصابت صلب العلاقة بين شعوب الخليج.

الإجراءات المتخذة في إدارة الصراع، وربما لأول مرة خليجياً، مست مباشرة شرائح اجتماعية كبيرة، فهناك العوائل التي وجدت نفسها فجأة مطالَبةً بالافتراق نتيجة طلب السلطات مغادرة مواطنيها أراضي الدولة “الخصم”، وكثير من هذه العوائل ناتجة عن زواجات مختلطة، حيث للكثير منها امتدادات قبلية وعائلية، وقرابات نسب، فضلاً عما يجمع هذه الشعوب من روابط دين ولغة وثقافة مشتركة.

على مستوى الأفراد هناك شريحة ثانية كبيرة تتمثل في المواطنين العاملين في الدول الأخرى، في مختلف التخصصات والمهن، حيث وجدوا أنفسهم مطالَبين بالعودة وترك أعمالهم ووظائفهم التي استقروا فيها ورتبوا حياتهم وحياة أسرهم على إثرها. وشكّل ذلك عامل ضغط دفع إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمراعاة الحالات الإنسانية كالعلاج والوفيات.

هناك طبقة المستثمرين وكبار رجال الأعمال أيضاً، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة إجراءات مفاجِئة تضر بمصالحهم واستثماراتهم المستقرة لسنوات طويلة، والتي تُعتبر من أبرز ثمار الاتفاقيات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي. وربما يخفف منها وجود نوع من الحماية المتبادلة لمثل هذه المصالح، حيث تتشابك العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول ومواطنيها.

كما أن هناك شريحة أخرى مهمة تتمثل في الطلاب الدارسين في مدارس وجامعات الدول الأخرى، والتي طُلب منهم مغادرة أراضيها، ما فتح الباب لمناقشة معاناة هؤلاء وما لحق بهم من أضرار، على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً الطلاب الذين قطعوا مشواراً طويلاً من دراستهم أو أوشكوا على إتمام السنة الأخيرة.

الضرر لم يقتصر على هذه الفئات -الطلاب والموظفين وأرباب الأسر والأعمال- بل تعداه إلى فئات أخرى أيضاً، كالرياضيين والمذيعين والفنانين، وحتى أصحاب الشركات والمؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة التي لها فروع في الدول الأخرى. وسواء كانت هناك قناعة بالقرارات السياسية أو الأوضاع المستجدة أم لا، فإن هناك واقعاً جديداً فرض نفسه، وإجراءات سريعة ومفاجِئة، فرضت على كثيرين التكيّف معها وتكييف حياتهم مع ما نتج عنها من مضاعفات، مادياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً ونفسياً.

لاشك أنها ليست أول أزمة عاصفة تمر بسماء دول المنطقة، ولكنها بلاشك من أكثر الأزمات التي ستترك جراحاً عميقة في ذاكرة الشعوب.