تعتمد آثار القروض العامة على كيفية توظيف الأموال المقترضة، فإذا استخدمت في تحسين القدرات الإنتاجية أو التصديرية فإن النتائج الاقتصادية تكون إيجابية. لكن البحرين كغيرها من الدول العربية النفطية لم تقترض لأغراض تنموية بل لتغطية العجز المالي الناجم بالدرجة الأولى عن هبوط إيرادات النفط وارتفاع النفقات العامة خاصة العسكرية والأمنية.
يتوقع صندوق النقد الدولي هبوط النمو في البحرين بنسبة 2.3% في العام الجاري (2017) و1.6% في العام القادم (2018).
هنالك عدة أسباب وراء هذا التباطؤ في مقدمتها ارتفاع الديون العامة التي وصلت في الربع الأول من العام الجاري إلى 8,956 مليون دينار بحريني أي ما يعادل ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي. يقود ذلك إلى تصاعد أسعار الفائدة فتهبط الاستثمارات. ينعكس هذا الأمر سلبياً على الإنتاج ويتراجع النمو. كما قاد تفاقم الديون إلى ارتفاع الفوائد المترتبة عليها. فقد بلغت هذه الفوائد 361 مليون دينار في نهاية العام الماضي أي 10.2% من النفقات العامة، وستصل في نهاية العام الجاري إلى 477 مليون دينار أي 13.4% منها. وكلما ارتفعت هذه النسبة ازدادت النفقات العامة غير الإنتاجية. وهذا يعني هبوط اعتمادات الاستثمار العام الموجه للقطاعات الزراعية والصناعية والبنية التحتية. وكلما انخفضت هذه الاعتمادات هبط الإنتاج فتراجع النمو.
وفي كل مرة يتراجع فيها النمو يتم اللجوء مجدداً إلى القروض العامة الداخلية والخارجية. وهكذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية الحالية ناهيك عن تردي الأحوال المالية للأجيال القادمة.

تأجيل الأعباء المالية
تمثل القروض العامة أموالاً يستفيد منها الجيل الحالي بصورة أو بأخرى، لكنها تنقلب لاحقاً إلى التزامات مالية تتحملها الأجيال القادمة. من هذا الجانب تصبح الضرائب أكثر عدالة لأنها تفرض على نفس الجيل الذي يتقاسم حصيلتها.
إن أغلب قروض البحرين ليست قصيرة الأجل بل تستحق بعد 7 سنوات كسندات التنمية المحلية والصكوك الإسلامية، بل ن سندات التنمية الدولية التي طرحت في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2016 بمبلغ مليار دولار تستحق بعد 12 سنة. وهنالك قروض أخرى ستعقد لاحقا. إنها أعباء مالية ثقيلة ستقع على كاهل الأجيال القادمة دون أن تكون لها أية صلة بالمشاكل التي أفضت إلى الاستدانة. كما أن الوضع الاقتصادي لهذه الأجيال قد يكون أسوء من الوضع الاقتصادي للجيل الحالي.
يتعين أن يضع المسؤولون الحكوميون والبرلمانيون هذه المشكلة في مقدمة اهتماماتهم. لاشك أن الدولة أسست احتياطي الأجيال القادمة الذي يقتطع دولاراً واحداً لكل برميل من النفط يصدر إلى الخارج بسعر يفوق 40 دولاراً. ففي العام الماضي (2016) تم تخصيص 14.0 مليون دينار لهذا الاحتياطي وارتفع المبلغ إلى 20.6 مليون دينار في العام الجاري (2017)، ولكن ليس الهدف منه المساهمة في سداد الديون بل إنه يمثل حصة الأجيال القادمة من الثروة الحالية للبلد.
للحد من العجز المالي الذي يسهم مساهمة فاعلة في تفاقم الديون اتخذت السلطات العامة بعض الإجراءات من بينها استغلال أرباح صندوقها السيادي لدعم إيرادات الدولة.

إدراج ممتلكات في الميزانية العامة
شركة ممتلكات القابضة صندوق سيادي تأسس في عام 2006 وله حصص في حوالي أربعين مؤسسة تجارية فهو يملك شركة طيران الخليج وقسطاً كبيراً من أسهم شركة ألمنيوم البحرين وبنك البحرين الوطني. يبلغ رأسماله 10.6 مليارات دولار ويتمتع بشفافية عالية وفق التقديرات الدولية، وهو كغيره من الصناديق السيادية الخليجية يهتم باستثمار “الفوائض النفطية” في سبيل دعم الميزانية العامة وتنويع مصادر الإيراد العام.
لكن أرباح شركة ممتلكات منذ تأسيسها ولغاية العام المنصرم لم تدرج في الميزانية العامة، لأن هذه الأرباح رصدت لتمويل خسائر المؤسسات التجارية الحكومية وعلى رأسها شركة طيران الخليج، ومنذ بضع سنين حققت ممتلكات أرباحاً صافية.
يرى البعض ضرورة إبقاء هذا الصندوق السيادي خارج الميزانية العامة لأنه مدين بمبالغ طائلة قدرت في عام 2014 بنحو مليار دولار، وبالتالي فإن إدراجه في الميزانية العامة يقود إلى تضخيم ديون الدولة وهي أساساً مرتفعة، في حين يرى آخرون في إدماجه مصدراً جديداً لتمويل العجز المالي، وقد تقرر أن يدرج قسط من أرباحه في الإيرادات العامة اعتباراً من العام الحالي (2017).
يتعين عدم المبالغة في دور هذه الأرباح في تغطية العجز المالي وبالتالي في التخفيف من ثقل الديون العامة. وفق حسابات الصندوق بلغت الأرباح السنوية 90 مليون دينار خصص منها عشرة ملايين لإيرادات الميزانية العامة، وهذا المبلغ لا يغطي سوى 2.2% من فوائد الديون ولا يمثل سوى 0.6% من العجز المالي.
لما كان السبب الأساس وراء تأسيس الصناديق السيادية وجود فوائض مالية يجري استثمارها في أنشطة مجدية فإن العجز المالي عندما يصبح مزمناً وخطيراً يستوجب العكس. على السلطات المالية البحرينية دراسة الجوانب الإيجابية والسلبية للتخلي عن صندوقها السيادي، إذ يستحسن الاستفادة من رأسماله لترتيب الأوضاع المالية المتدهورة حالياً والتي تتجه نحو الأسوأ مستقبلاً. يتطلب الأمر إذاً خصخصة عدد من المؤسسات العامة. ولابد من الإشارة إلى أن ممتلكات أصغر صندوق سيادي خليجي لا يمثل رأسماله سوى 1.2% من رأسمال صندوق أبوظبي.
نتيجة تراكم الديون وارتفاع العجز المالي وغياب الإجراءات الحكومية المناسبة لمعالجة الأزمة المالية قامت الوكالات الكبرى بخفض التصنيف الائتماني للبحرين حسب معاييرها المعتمدة.

تخفيض التصنيف الائتماني
قررت موديز خفض تصنيفها من بي أي 2 إلى بي 1، كما خفضت ستاندرد أند بورز ترتيب البحرين من بي بي إلى سالب بي بي، وغيرت فيتش توقعاتها لأداء الاقتصاد البحريني من مستقر إلى سلبي.
تقود هذه التخفيضات إلى نتائج سلبية عديدة فهي تؤثر على الاستثمارات الأجنبية وتؤدي إلى تقليصها، الأمر الذي ينعكس على ميزان المدفوعات وعلى الأنشطة الاقتصادية برمتها كما تقود إلى ارتفاع كلفة الاقتراض وفي مقدمتها تصاعد أسعار الفائدة في القروض الجديدة التي تبرمها البحرين مع الجهات الأجنبية الحكومية والمصرفية، الأمر الذي يفضي إلى تفاقم أزمة المديونية.

هبوط الاحتياطي النقدي
بسبب عجز الميزانية وعجز الميزان الجاري اضطرت الحكومة إلى اللجوء إلى القروض والسحب من الاحتياطي النقدي فهبط هذا الاحتياطي من 5,428 مليون دولار في عام 2013 إلى 3,546 مليون دولار في عام 2015 ثم انتقل إلى 2,780 مليون دولار في يوليو/تموز 2016 وإلى 1,716 مليون دولار في يناير/كانون الثاني 2017. خلال هذه الفترة انخفض الاحتياطي النقدي بمعدل سنوي قدره 22.9% وهي نسبة عالية جداً.
يؤثر هذا الانخفاض تأثيراً سلبياً على الاستثمارات الأجنبية التي تفقد الثقة بالسياسة الاقتصادية البحرينية وبقدرتها على الوفاء بالالتزامات المالية، وقد تتعجل الرحيل. ولا يقتصر الهروب على الاستثمارات في البورصة بل كذلك الاستثمارات المباشرة حتى الوطنية منها. عندئذ يزداد اختلال المالية الخارجية ويتدهور الوضع الاقتصادي.
ومن المعلوم أن الاحتياطي النقدي الأداة المالية بيد المصرف المركزي للدفاع عن القيمة التعادلية للعملة الوطنية. يتطلب ربط الدينار بسعر ثابت بالدولار قدرة مالية كافية، لأن هذا النظام يستوجب تدخلاً يومياً من المصرف المركزي. وبسبب الهبوط الهائل الذي سجله الاحتياطي النقدي البحريني لم يعد المصرف المركزي قادراً على الدفاع عن الدينار إلا في حدود ضيقة. لذلك يتعين من الناحية المنطقية التخلي عن نظام التثبيت والاستعاضة عنه بشكل من أشكال التعويم، وهذا يمثل خطراً ليس فقط على البحرين بل كذلك على دول الخليج الأخرى التي تعتمد على التثبيت. لهذا السبب تقدم السعودية مساعدات مالية للبحرين لدعم التثبيت.
من هذا الباب يمكن تشبيه علاقة البحرين بدول مجلس التعاون بعلاقة اليونان بمنطقة اليورو. فقد تفاقمت ديون اليونان إلى درجة كبيرة جداً واحتدت أزمتها الاقتصادية. قدمت دول منطقة اليورو مساعدات لإنقاذ مالية اليونان بغية استمرارها في المنطقة لكن هذه المساعدات مشروطة بإجراءات محددة.
دول مجلس التعاون كدول منطقة اليورو تعاني من مشاكل مالية عديدة لكنها لن تتخلى إطلاقاً عن البحرين لأسباب اقتصادية وسياسية. نتيجة هذا الخليط بين تردي الأوضاع المالية الخليجية وضرورة دعم البحرين باتت المساعدات الخليجية للمنامة مشروطة بضرورة بذل الجهود من اجل الحد من الإنفاق العام وتنمية الموارد المحلية.
أمام انخفاض الاحتياطي النقدي وعدم وجود أية نية للاستغناء عن نظام التثبيت بات من اللازم زيادة أسعار الفائدة على القروض المحلية.

ارتفاع أسعار الفائدة
يقود هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب على القروض المحلية من قبل المستثمرين الأجانب من جهة ويحول دون ترحيل رؤوس الأموال إلى الخارج من جهة أخرى. وهكذا يتحقق الدفاع عن القيمة التعادلية للدينار دون حاجة للسحب من الاحتياطي النقدي. لكن هذه السياسة النقدية المدعومة من قبل صندوق النقد الدولي تقود أيضاً إلى ارتفاع كلفة الاقتراض العام والخاص فتزداد المديونية.
وقد شهد العام الجاري ارتفاعاً لأسعار الفائدة في جميع القروض سواء تعلق الأمر بأذونات الخزينة أم بصكوك السلم الإسلامية.
لاشك أن البحرين كباقي دول مجلس التعاون رفعت أسعار الفائدة في ديسمبر/كانون الأول 2016 تبعاً للإجراء الذي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. لكن أسعار الفائدة في البحرين تصاعدت أيضاً خارج نطاق هذه العلاقة مع الدولار. باتت أسعار القروض بالدينار أعلى من أسعار الفائدة على القروض بالدولار.
يتطلب الحد من النتائج السلبية للمديونية إصلاح السياسة الاقتصادية البحرينية التي لا تزال ترفض العمل على تقليص الإنفاق العام. وبسبب استقرار أسعار النفط لم يعد بالإمكان تحسين إيرادات الدولة إلا بمساهمة جميع فئات المجتمع في خفض العجز المالي عن طريق الضرائب المباشرة.