في الوقت الذي تبدو فيه السياسة الإيرانية تحقّق عدة نجاحات خارجية، فإنها تصطدم بالكثير من التحفظات والرفض من قبل الدول العربية المجاورة، لما تمثله من طموح كبير تعتبره تهديداً استراتيجياً. وهو طموحٌ تدفع طهران كلفته في الداخل، حيث يواجه معارضة وانتقادات أيضاً من الكثير من المواطنين، لدواعٍ اقتصادية بالدرجة الأولى.

ما حقّقته السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة من نجاحات واختراقات في عددٍ من الملفات والساحات المعقدة، كان أبرزها توقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، بعد فترة طويلة من المفاوضات، فضلاً عن نجاحها في تغيير كفة الصراع لصالح النظام السوري، بعدما استُبعدت من مفاوضات جنيف 1 السورية في 2012، خضوعاً لرغبة بعض دول الخليج العربية. بعدها بدأت بإرسال مستشاريها إلى سوريا لتغيير المعادلة القائمة فعلياً على الأرض. وفي السنوات التالية شاركت بوفودها الرسمية في مؤتمرات جنيف 2 و3 و4.

النجاحات التي يرصدها الإعلام للسياسة الإيرانية في الخارج لها تكلفتها وحساباتها في الداخل، حيث ظهرت الأصوات المعترضة عليها قبل سنوات طويلة، وكان أعلاها ما طرح من شعارات في الانتخابات قبل الأخيرة، وتقوم معارضة هذه السياسة على مبدأ أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين الوضع الاقتصادي، وزيادة الدخل للفرد الإيراني، وتحسين مستوى معيشته.

ولا يقتصر الانتقاد على سياسة دعم الحلفاء في الخارج، كسوريا والعراق، وزيادة الحضور العسكري في البلدين، بل يصل حتى لدعم حزب الله، الذي تعتبره إيران حلقةً مركزيةً من “حلف المقاومة”، وتعتبر انتصاراته انتصارات لها، سواءً السابقة في حروبه ضد إسرائيل في 2000 و2006، أو في حربه ضد الحركات الإرهابية سواءً في بعض الجيوب اللبنانية، أو داخل العمق السوري، أو على الحدود المشتركة بين البلدين. بل إن الانتقادات تطال حتى سياسة دعم الفلسطينيين، التي تمثل أحد ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية منذ انتصار الثورة في العام 1979.

هذه الانتقادات الموجّهة للسياسة الخارجية في الداخل، لم تأتِ من فراغ، وإنما لها أسبابها ودواعيها العامة، فهناك نسبة بطالة كبيرة يعاني منها الشباب، بما فيه الجامعي، وقلة فرص العمل التي يولّدها الاقتصاد. ولا تخطيء العين ما يُنشر في الإعلام أو الصحف أو إعلانات الشوارع، من دعواتٍ لكبار المسؤولين للاهتمام بـ”الاقتصاد المقاوم”، الذي يولّد المزيد من فرص العمل.

مشكلة البطالة حاضرةٌ ومؤثرةٌ بقوة، فهناك 3 ملايين عاطل عن العمل في ربيع 2016، بزيادة قدرها 1.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2015. وهذا الرقم يمثل 12 % من السكان القادرين على العمل، ما بين سن 15 و24 عاماً. ومقابل هذه الأرقام الصادرة عن المعهد الإيراني للإحصاء، هناك أرقام أعلى للعاطلين تصل بهم إلى ستة ملايين.

إلى جانب هذه المشكلة، هناك مشكلة ارتفاع الأسعار، وهي مشكلةٌ ملحة منذ سنوات طويلة، وتأخذ منحى تصاعدياً، حيث بلغ معدل التضخم 40 %، رغم ما يُقال عن نجاح إدارة الرئيس حسن روحاني في خفضه بنسبة 8 % خلال فترة رئاسته الأولى.

السلع والبضائع والخدمات متوفرة، ولكن القدرة الشرائية بالنسبة للأكثرية ضعيفة. وبالنسبة للزائر الخارجي قد يجد الكثير من هذه السلع في المتناول، خصوصاً عند مقارنتها بالأسعار في بلاده، إلا أنها ليست في متناول أكثرية الإيرانيين. وهناك من يرى أن الوضع العام يتجه نحو زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء، فهناك شريحةٌ من “الأغنياء جداً”، وهناك قاعدة واسعة من الفقراء، بينما تضعف الطبقة الوسطى وتتراجع نتيجة تعرّضها لهذه الضغوطات الاقتصادية.

بعد توقيع الاتفاق النووي، كانت الآمال كبيرةً بأن تخرج إيران من تحت الحصار الاقتصادي المفروض منذ ثلاثة عقود. لكن مع مجيء الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب وتهديداته المتكررة بإلغاء الاتفاق، وآخرها في خطابه بالأمم المتحدة، تعود الهواجس مجدداً بما سيتبع ذلك من إجراءات، ستلقي بظلالها السلبية على الوضع الاقتصادي مرةً أخرى. وهو ما قد يفسّر تصريحات كبار المسؤولين، الداعية للعودة إلى “الاقتصاد المقاوم”، والتأكيد على سياسة الاعتماد على الذات، في الإنتاج والتصنيع. ويرافق ذلك الاهتمام بدعم نزعة التوفير، بما تعرضه البنوك من حوافز وجوائز للمودِعين، لتوفير السيولة داخلياً، تحسباً لاحتمال تراجع الاستثمارات الأجنبية.

الوهج الذي يحيط بالسياسة الخارجية الإيرانية، لما تحققه من نجاحات واختراقات، يواجهه تحدٍ آخر من الداخل مع زيادة الانتقادات لسياسة دعم الحلفاء في الخارج، وهي سياسةٌ تقوم على فكرة المواجهة والتصدي للإرهاب وضربه في الخارج لحماية الداخل، وهي نظرةٌ تعزّزت بعد الهجوم المباغت على مقر البرلمان الإيراني في يونيو الماضي.