حين شن التحالف العربي الذى تقوده السعودية “عاصفة الحزم” في اليمن أشار الاتحاد الأوروبي إلى أنه تفأجأ بالأمر. وبناء عليه؛ تباينت ردود فعله على المستوى العام عبر المفوضية الأوروبية التى رأت أن الحل العسكري لن ينهى الأزمة وأن الخيار السياسي هو الأفضل. وعلى المستوى الجزئي؛ إذ اختلفت دول الاتحاد ما بين مؤيد وداعم لموقف السعودية وفي مقدمة تلك الدول فرنسا وبريطانيا، أهم حلفاء السعودية ودول الخليج وألمانيا، التي رأت أن الهجمات تتوافق مع القانون الدولي، وبين دول مالت إلى الحل السياسي وأبرزها إسبانيا وإيطاليا. ومن هنا، يتضح عدم وجود موقف موحد للاتحاد الأوروبي، وهو ما أكدته الخبيرة الألمانية السيدة أنا أوجستين المتخصصة في شئون اليمن بأن “في الحقيقة ليست هناك رؤية لموقف أوروبي واضح إزاء اليمن”.

ومع استمرار الأزمة اليمنية تبدو الأطراف الدولية فاعلة بشكل رئيسي في بقاء الحرب، إما بالدعم أو التجاهل على الأقل، فيما يصبح الدعم والتسليح العسكري أمراً حيوياً. وفيما يحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية في صادرات الأسلحة في العالم بنسبة 26% زادات صادرات أسلحته إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بين عامي 2012 وحتى 2016، وهي نفس الفترة التى زادت نسبة استيراد السعودية من الأسلحة لتصل إلى 144%.

سىاهمت الدول الثلاث الكبرى في أوروبا في تسليح دول التحالف الذى تقوده السعودية في اليمن. والسؤال، هل أثرت مبيعات تلك الأسلحة على بقاء الحرب مشتعلة في اليمن حتى اليوم؟ وهل للاتحاد الأوروبي (ككيان مؤسسي) دور محدد في هذه الحرب أو في تسليح دول التحالف دون حساب أو مراقبة؟

تبدأ الاجابة من قرءاة موقف كل دولة أوروبية على حدى، خاصة حين نستبعد سيطرة الاتحاد الأوروبي على سياسة بريطانيا الخارجية وعلاقتها بدول الخليج عقب “البريكست”.

البداية تأتي من باريس ومن خلال عدة مواقف وتحركات برهنت على قناعة الفرنسيين بأهمية دعم السعودية في حرب اليمن. شملت أولاً إعلان فرنسا دعمها للرئيس عبدربه منصور، وثانياً التحركات الدبلوماسية لوزير الخارجية السابق لوران فابيوس الذي زار الرياض مؤكداً وقوف فرنسا بجوار حليفتها السعودية، وكذلك دعوة الرئيس الفرنسي السابق أولاند لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي. وهو الأمر الذي فسر حينها باستخدام دول الخليج لباريس لتأمين الغطاء السياسي الغربي المطلوب لمواقفها الإقليمية، يأتي ذلك بالتوازي مع تحرك ولى العهد السعودي محمد بن سلمان إلى فرنسا والتوقيع على صفقات اقتصادية وعسكرية بقيمة 12 مليار دولار كمكأفاة تجارية للدعم الفرنسي للسعودية.

رقمياً، ارتفعت مبيعات فرنسا من الأسلحة في الشرق الأوسط في عهد أولاند لتصل إلى 38% بزيادة قدرها 8% عن فترة ساركوزي، فضلاً عن تقديم فرنسا دعماً لوجستياً حيث أشارت تقارير إلى تحليق طائرات فرنسية للاستطلاع في اليمن. كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن فرنسا منحت السعودية في عام 2015 رخص تسليح بما يفوق 16 مليار يورو، وحوالي 900 مليون يورو تجهيزات عسكرية.

وتعد أبرز المؤشرات على كون فرنسا شريكاً أساسياً ما حدث عقب بداية الحرب بثلاثة أشهر تم تسليم السعودية طائرة من طراز إيرباص إم آر تي تي (طائرة تزود بالوقود في الجو) وهي من أصل أسطول مكون من ست طائرة تم استعمال اثنتين منهما في أبريل 2016 في حرب اليمن. كما وتتعدد دلائل الشراكة الفرنسية السعودية لتسليح الأخيرة طوال العامين الماضيين، أبرزها في الأشهر الماضية إقالة إدوارد غيلود رئيس “أوداس” المسئولة عن التفاوض مع السعودية على صفقات الأسلحة على خلفية رغبة ولي العهد السعودي بعدم التعامل مع الشركة، الأمر الذي دفع فرنسا لإعادة هيكلة الشركة تمهيداً لإزالة أي عقبات تحول دون التعاون العسكري مع الرياض في مواجهة التنافس الأمريكي على تصدير الأسلحة للسعودية المستورد الأهم في الشرق الأوسط، إن لم يكن في العالم.

في بريطانيا يبدو الموقف أكثر وضوحاً، إذ تتصدر السعودية قائمة المستوردين. وتعد بريطانيا ثاني الدول بعد الولايات المتحدة تصديراً للأسلحة إلى السعودية. ومنذ مارس 2015 تخطت قيمة عقود التسليح والمعدات العسكرية 3,3 مليار جنيه إسترليني. وأشارت تقارير إلى أن السلاح البريطاني استخدم في الحرب اليمنية في عمليات عسكرية تنتهك القانون الدولي، وذلك بحسب تقارير لمنظمة العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش، ومنظمة أوكسفام، والاتحاد الأوروبي وغيرها من الجهات الدولية والمعارضة البريطانية التي هاجمت الحكومة البريطانية على ازدواجيتها تجاه اليمن. فمن جانب، قدمت بريطانيا 100 مليون جنيه إسترلينى للمساعدة في الأوضاع المأساوية اليمنية، ومن جانب آخر ساهمت الأسلحة البريطانية في غارات التحالف في قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية. محاولات وجهود النشطاء في بريطانيا لحظر بيع وترخيص الأسلحة للسعودية قوضتها المحكمة العليا في بريطانيا التي أكدت قانونية مبيعات الأسلحة البريطانية إلى السعودية لتمثل تلك الخطوة استجابة من المحكمة العليا لبقاء بريطانيا شريكاً قوياً للسعودية في حربها.

ألمانيا هى الأخرى اعتمدت ازدواجية المواقف، تبيع الأسلحة للسعودية كما تمنح المساعدات الإنسانية إلى اليمنيين. وفيما تنتقد ميركل الأوضاع الإنسانية في اليمن وتطالب بحلول سياسية وتقدم مبادرات للسلام وهدنة من الحرب، تتجاهل المستشارة أصوات أحزاب المعارضة التى دعت لوقف تسليح السعودية. وبلغت صادرات ألمانيا من الأسلحة إلى السعودية في النصف الأول من 2016 حوالى 480 مليون يورو، فيما وافق البرلمان الألمانى في يوليو الماضي على صفقة أسلحة جديدة لكل من مصر والسعودية تتضمن زوراق لخفر السواحل و 110 شاحنات وتجهيزات عسكرية وسط معارضة من أحزاب اليسار والخضر.

والخلاصة، لم تلتزم الدول الأوروبية في مبيعاتها للأسلحة بالمعايير الدولية في تصدير السلاح الذي ينتهك حقوق الإنسان ويزيد من الأوضاع مأساوية في اليمن لتبقى الحرب مشتعلة بأسلحة أوروبا وسط تنديدات وخطابات توصيات غير ملزمة يصدرها البرلمان الأوروبي من حين إلى أخر .