يبدو أن رأي هيلين كلارك رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة التي كانت مرشحة لخلافة بان كي مون في الأمانة العامة للأمم المتحدة، كان صائباً! فلقد أشادت كلارك باختيار المملكة العربية السعودية عضواً في اللجنة الأممية لحقوق المرأة في الفترة (2018-2022)، معارضة بذلك كل من استنكر هذا الاختيار ومبررهم في ذلك، كيف لبلد لا يسمح للنساء فيه بقيادة السيارة أن يكون عضواً في لجنة أممية تعمل على تكريس المساواة بين الجنسين.

وكانت كلارك ترى أن اختيار السعودية في هذا المنصب سيمكن من دعم الناشطات المدافعات عن حقوق المرأة، مؤكدة في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أن الأوضاع ستتغير وإن كان ذلك ببطء.

وإلى حدود يوم الثلاثاء 27 سبتمبر 2017، كان الوقوف على هذا الخلل مبرراً ومشروعاً ولكن وعلى إثر إصدار الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً ينص فيه على منح النساء رخص قيادة للسيارات، بدءاً من العام القادم، تتقدم السعودية قبالة ذلك السيل الجارف من الانتقادات الدولية عن وضع المرأة في المملكة وحقوقها المغيبة ومنها حقها في قيادة السيارات الذي لا تكاد تمر مناسبة رسمية أو غير رسمية إلا وكان عنواناً رئيساً في الحوار.

لطالما كان هذا الملف مؤرقاً للمملكة داخلياً وخارجياً، إذ لم تنفك المطالبات بإقرار هذا الحق تتعالى منذ عام 1990 عندما تقدمت 45 امرأة سعودية بطلب السماح لهن بقيادة السيارة، وفي عام 2011 كان الصوت أعلى وخرجت 47 امرأة للقيادة في 17 يونيو، وفي الـ26 من شهر أكتوبر من العام ذاته قامت 50 سيدة سعودية بالقيادة في تحد صارخ للعادات والأعراف ولسلطة المتشددين من رجال الدين وللحظر الذي تفرضه وزارة الداخلية على هذ الحق استناداً إلى فتاوى وآراء الهيئات الدينية في البلاد. ويذكر أن عضوات مجلس الشورى السعودي، هيا المنيع ولطيفة الشعلان ومنى آل مشيط كن قد تقدمن بمقترح إلى المجلس العام (2013) طالبن فيه بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وفق الضوابط الشرعية والأنظمة المرورية لكنه قوبل بالرفض من قبل أعضاء المجلس.

“سأسوق سيارتي بنفسي”، كان دائماً عنوان كل الاحتجاجات المنادية بحق المرأة في القيادة أسوة بمثيلاتها في كل بلدان العالم. والشعار لم يكن يعني فعل السياقة وحسب للكثير من المطالبات بهذا الحق وإنما كان يحيل على مجموعة من الإشكاليات الأخرى لعلّ أهمها اضطرارهن إلى دفع مبالغ طائلة مقابل خدمات التوصيل ذلك أن أغلب النساء العاملات في المملكة يدفعن أكثر من نصف رواتبهن مقابل هذه الخدمات.

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قد أكد خلال إعلانه عن رؤية السعودية 2030 عن الدور الكبير الذي ستلعبه المرأة في تطوير اقتصاد المملكة وعلى الرغم من إشارته آنذاك إلى العوائق التي تقف دون تمكين المرأة من حقها في السياقة إلا أنه لم يخف تفاؤله بما سيحمله المستقبل من تغييرات جذرية في ما يتعلق بحقوق المرأة، وهي تغييرات استهدفت أكثر الملفات تعقيداً، ولاية الأمر أولاً وقيادة السيارات لاحقاً.

يبدو أن رياح التغيير قد هبت وبقوة على المملكة العربية السعودية، وسيذكر التاريخ أن الملك سلمان قد حسم أكثر الملفات حساسية في المملكة من خلال اتخاذه قرارات جذرية وجريئة تجاوز فيها كل المحظورات المجتمعية وتعنت المؤسسات الدينية ليتحوّل شعار”سأسوق سيارتي بنفسي” إلى واقع بعد أن كان مطلباً وحلماً بعيد المنال.

وعلى الرغم من أن هذا الأمر الملكي قد أرفق بمجموعة من الضوابط إلا أنها تبدو منطقية بالنظر إلى أنها مرحلة انتقالية داخل مجتمع لم يتعوّد مشاركة المرأة له في الشارع، كما أنه لا يمكننا غضّ الطرف عما سيصاحب تنفيذ هذا القرار من مشاكل لكنها تبقى دائماً ظواهر متوقعة، إذ لا يمكن إنكار أن كل تغيير اجتماعي يترتب عنه مجموعة من السلبيات ولكنها ضريبة على المرأة والمجتمع السعودي دفعها جرّاء هذا التأخر في إرساء ثقافة جديدة تواكب العصر. ولكنها تظل مجرّد تكهنات سوداوية نوعاً ما، ففي واقع الأمر يحمل عدد كبير من السعوديات رخص سياقة تمكّن من الحصول عليها سواء من إحدى دول مجلس التعاون الخليجي مستغلات بذلك اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي بسريان رخص القيادة في جميع دول المجلس أو أثناء فترات الابتعاث، وهن يفقهن جيداً قوانين الطرقات ويعين أساليب حماية أنفسهن من المضايقات، خصوصاً وأن أكثر ما كان يسوِّقه معارضو قيادة المرأة للسيارة في السعودية من مبررات، هو خوفهم من تعرّضها إلى التحرش في الشارع.