لفتت الأزمة الخليجية الانتباه إلى علاقات تركيا بدول الخليج، وقام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ببذل جهد دبلوماسي واسع لمحاولة حل الأزمة، وزار كلاً من السعودية والكويت وقطر في محاولة للتوصل إلى وساطة تنهي الأزمة. ورغم المساندة التركية الواضحة لقطر، والمتمثلة في إرسال قوات عسكرية إليها، وتوفير احتياجاتها الغذائية بشكل سريع، إلا أن تركيا حافظت على خطاب متزن يدعو أطراف الأزمة لحلها عبر الحوار، وبعيداً عن لغة التصعيد والمقاطعة والحصار.

سنحاول، هنا، بحث العلاقات التركية الخليجية، للتعرف على ما تريده تركيا من دول الخليج، حيث تربط بين الطرفين علاقات اقتصادية وسياسية واسعة، ومعقدة في بعض الأحيان.

كيف ترى تركيا الأزمة الخليجية؟

ترى تركيا في الموقف الخليجي من قطر هجوماً على حليف استراتيجي، تتوافق معه في العديد من القضايا في المنطقة، فلتركيا وقطر المواقف ذاتها من الثورات العربية، والثورات المضادة لها، كما كانت قطر من أوائل الدول التي سارعت لاستنكار الانقلاب العسكري في تركيا، بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية الواسعة بين البلدين، حيث بلغ حجم الاستثمارات المتبادلة بين تركيا وقطر 35 مليار دولار.

ويرى بعض المحللين أن موقف تركيا الناقد للمطالب الخليجية لقطر نابع من تخوف تركيا من فرض الشروط الخليجية عليها لاحقاً، فمن الممكن أن تجد تركيا نفسها مطالبة بطرد المعارضين العرب من أراضيها، وإغلاق القنوات الإعلامية المعارضة للأنظمة العربية، وعدم التعرّض لنظام السيسي، وسحب الجنسية التركية الممنوحة لمواطنين عرب أو خليجيين.

وربطت تركيا بين الانقلاب العسكري الذي عاشته في 2016م وبين الإجراءات ضد قطر، حيث قال أردوغان تعليقاً على حصار قطر: “نعلم جيداً للغاية من كان سعيداً في الخليج، عندما تعرضت تركيا لمحاولة الانقلاب، فإن كان لأي منها مخابرات، فنحن أيضاً لدينا مخابراتنا، ونعرف بشكل جيد كيف أمضى البعض تلك الليلة”.

العلاقات الاقتصادية

ورغم أن هذه التصريحات تشير بوضوح إلى اتهام بعض الدول الخليجية المعادية لقطر بأنها وراء الانقلاب، إلا أن تركيا حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع الدول الخليجية لوجود مصالح متبادلة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية خلال العام 2016 ستة مليارات دولار، ويتطلع البلدان إلى رفعه إلى 10 مليارات دولار، وبلغ عدد الشركات السعودية العاملة في تركيا 800 شركة، فيما بلغ عدد الشركات التركية العاملة في السعودية قرابة 200 شركة، بحجم أعمال إجمالي بلغ 17 مليار دولار.

كما تحظى تركيا باستثمارات خليجية كبيرة على أراضيها، حيث بلغ حجم الاستثمارات الإماراتية ما بين عامي 2010-2016م في تركيا 3% من مجمل الاستثمارات الأجنبية، بقيمة 4 مليارات و165 مليون دولار، بينما بلغت الاستثمارات السعودية في الفترة نفسها مليار و949 مليون دولار، أما الاستثمارات الكويتية فبلغت ملياراً و579 مليون دولار، وقطر مليار و476 مليون، ومازالت الاستثمارات الخليجية في تصاعد حيث بلغ حجمها خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من عام 2017م 552 مليون دولار.

كذلك تعد تركيا وجهة مهمة للسياحة العربية، حيث بلغ عدد السياح العرب في تركيا منذ عام 2016 ثلاثة ملايين سائح غالبيتهم من الخليج، وقد ذكر رئيس بلدية طرابزون أن مدينته حصلت من السياح العرب على أكثر من مليار دولار خلال العام الماضي، كما أن تركيا معنية بالاستثمار الأجنبي في قطاع العقارات التركية، حيث كان الأجانب الأكثر شراءً للمنازل في تركيا العراقيين ثم السعوديين ثم الكويتيين.

كما تربط بين تركيا والدول الخليجية مصالح اقتصادية أخرى، فقد أعرب السفير السعودي في تركيا وليد الخريجي عن أمله في إقامة مشاريع مشتركة بين البلدين لحل مشكلة المياه في السعودية.

العلاقات السياسية

لتركيا مصالح سياسية مهمة في سوريا والعراق، وتسعى لضمان تأييد الدول الخليجية لمصالحها هناك، نظراً لوجود نقاط التقاء بين الطرفين، وتتخوف تركيا من نقطتين أساسيتين في سوريا والعراق، وهما: توسع النفوذ الكردي، وتمدد إيران في المنطقة.

وتعمل تركيا لضمان حصولها على التأييد الخليجي في هاتين القضيتين وفق التالي:

أولاً: الأكراد: تضع تركيا العمل على منع قيام دولة كردية في سوريا أو العراق على رأس اهتماماتها، لخشيتها من تعزيز ذلك للنزعة الانفصالية لدى أكراد تركيا، ولذا عملت تركيا بكل قوة لمنع سيطرة الأكراد على الحدود السورية التركية، ومن هذا المنطلق رفضت تركيا قيام الأكراد بالاستفتاء على إعلان الدولة الكردية شمال العراق.

وتخشى تركيا من وجود أو نشوء تأييد خليجي للأكراد، وتأمل أن يساهم استمرار علاقاتها الحسنة بدول الخليج في منع ذلك، إلا أن صحيفة يني شفق المقربة من الحكومة التركية نشرت تقريراً؛ تحدثت فيه عن تنسيق سعودي أمريكي إماراتي لدعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا.

ثانياً: التمدد الإيراني: رغم العلاقات الاقتصادية الكبيرة بين تركيا وإيران، والتقارب الواسع بينهما خاصة بعد زيارة رئيس الأركان الإيراني لتركيا، إلا أن الأخيرة ليست سعيدة على الإطلاق بالسياسة التي تتبعها إيران في المنطقة العربية، كما ويبدو الخلاف بين الطرفين في سوريا واسعاً جداً، حيث تدعم إيران النظام، بينما تدعم تركيا بعض أطراف المعارضة المسلحة.

عراقياً؛ شاركت تركيا في معركة الموصل لضمان عدم تمدد النفوذ الإيراني المتمثل في الحشد الشعبي رغم الرفض العراقي الرسمي لمشاركتها، حيث تخشى تركيا انتقال الحشد الشعبي بعد معركة الموصل إلى سوريا، والانضمام إلى حزب الله الذي يحارب هناك.

وتسعى تركيا للاستفادة من المخاوف الخليجية من إيران، للمساهمة في تقليص تمددها في المنطقة العربية، وقد بدا هذا واضحا في التأييد التركي للحملة العسكرية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، حيث أبدى أردوغان استعداده لتقديم دعم لوجستي للحملة.

وبالنظر إلى ما سبق نجد أن أهم ما تريده وتسعى إليه تركيا من الخليج يتلخص في النقاط التالية:

  1. الحفاظ على قطر كشريك استراتيجي سياسياً واقتصادياً.
  2. الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع الدول الخليجية، ومنع تأثرها بالخلافات السياسية قدر الإمكان.
  3. ضمان تأييد الدول الخليجية للموقف التركي من قيام دولة كردية.
  4. التحالف مع الدول الخليجية لتقليص حجم التمدد الإيراني في المنطقة العربية.
  5. حماية النظام التركي من المؤامرات والضغوط الخارجية، وإقناع الدول الخليجية بعدم المشاركة فيها.

وقد يبدو في هذه الأهداف التركية شيء من التناقض الذي لا تعيشه تركيا فحسب، بل تعيشه كثير من دول المنطقة اليوم، حيث تتسارع الأحداث، بوتيرة غير مسبوقة.