ما بين يونيو 2014 وسبتمبر 2017، يقف العراق على أبواب مرحلة جديدة مع استكمال مساعيه للتخلص من حقبة “داعش” وتبعاتها.

في 15 يونيو 2014، بدأت الأخبار الأولى تتحدّث عن غزوة يقوم بها تنظيم “الدولة الإسلامية”، ولم تمض أيامٌ حتى أعلن سيطرته على المناطق الغربية من العراق، وقيام “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وبعد أسبوعين أعلن أبوبكر البغدادي عن تنصيب نفسه خليفة للمسلمين.

كان الحدث مفاجأة مرعبة، وحدثاً غير متوقع، حيث توالت بعده النكبات، حين شرع التنظيم في عمليات قتل جماعي وتصفيات وتطهير عرقي وديني. وقد تفنّن في تصوير عمليات القتل وقطع الرؤوس بأبشع الصور، وتصفية الأسرى والضحايا بطرق متناهية الوحشية، بحشرهم في أقفاص حديدية وقتلهم حرقاً أو إغراقاً. وتوّج كل تلك الجرائم بعمليات سبي واسترقاق للنساء، وكان كل ذلك يهدف إلى إلقاء الرعب قي القلوب وشلّ الطرف الآخر وإلغاء قدرته على التفكير.

في الأيام الأولى، حظي التنظيم الإرهابي بمباركة بعض وسائل الإعلام العربي التي قدّمت تغطية للإرهابيين بوصفهم “ثوار العشائر العربية”، على خلفية رأي عام شعبي عربي تتحكّم فيه النوازع الطائفية، في هذه المرحلة من الارتداد القومي. لكن التنظيم أفلت هذه الفرصة الذهبية، حيث سرعان ما ألّبت عليه الرأي العام الدولي، وبدأت التوجسات من تحركاته عربياً، خصوصاً بعدما هدّد باختراق الحدود السعودية واجتياح دول الخليج.

التنظيم استمر في الضغط العسكري والأمني والنفسي، وهدّد بالتوجه نحو غزو المدن الدينية الشيعية، مستعيداً خطة أبومصعب الزرقاوي لإشعال حرب أهلية بين العراقيين. وقد استشعر الجميع خطورة الوضع، خصوصاً بعد انهيار الجيش العراقي وانسحاب قياداته من المناطق الغربية.

كان الخطر يهدّد وجود العراق ووحدته كوطن، ومع تلكؤ الحكومة العراقية وتخبطها في الاستجابة لمواجهة التهديد، أصدرت المرجعية الدينية فتوى “إنقاذ وطني”، أدّت إلى إعادة التماسك للجبهة الداخلية، واستنهاض قوى الشعب وتنظيمه في حشد شعبي مفتوح على كل الطوائف، لمواجهة الكارثة.

احتلال ثلث مساحة العراق لم يستغرق سوى أيام قليلة، وكان ذلك ضربةً شديدةً للدولة وهيبتها، حيث اقتطع “داعش” جزءاً كبيراً منها، أرضاً وسكاناً، ووضع يديه على الثروات والنفط، وبدأ بفرض قوانينه. كانت انتكاسة كبيرة للدولة العراقية بمؤسساتها المدنية والعسكرية، وهو ما احتاج معالجته إلى ثلاث سنوات من العمل الجاد والجهود الكبيرة والتضحيات الجسام.

بدأت رحلة التحرير بالإطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي الذي وقعت الكارثة في عهده، وبضغط من الائتلاف الشيعي الحاكم نفسه. واستندت الحكومة الجديدة بقيادة حيدر العبادي على تحشيد القوى الشعبية وتنظيم المتطوعين، ورصد الإمكانيات المالية الضخمة وتوقيع الصفقات العسكرية، مع تحقيق التوافقات السياسية بين الأحزاب السياسية المتنافرة، حتى يصل العراق إلى التطهير التدريجي لأراضيه واستعادة مدنه وقراه التي خسرها في غمضة عين.

لم يكن مشروع “داعش” مشروعاً خاصاً بالعراق وسوريا كما بدا في الأيام الأولى، وإنما كان مشروعاً تخريبياً واسع النطاق على مستوى الشرق الأوسط، كما أثبتت الأحداث، حيث امتدت أذرع الأخطبوط إلى اليمن وليبيا وتونس وغرب أفريقيا وصولاً إلى الفلبين. فهناك عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم استقطابهم من أكثر من ثمانين دولة عبر العالم، وتم تسهيل عمليات نقلهم جواً وبراً وبحراً، مع تدريبهم وتزويدهم بالمؤن والأسلحة والذخائر، ومن ثم توزيعهم في ميادين القتال بالبلدين. وكان كل ذلك يجري تحت رعاية مخابراتية، إقليمية ودولية، استفادت دولها من تهريب النفط من العراق وسوريا بأرخص الأثمان في سوق يعاني أصلاً من انهيار الأسعار.

لم تكن عملية تحرير الأرض العراقية سهلةً وذات بعد داخلي فقط، بل احتاجت إلى حدوث توافقات دولية، رأت في استمرار العبث بالأمن في قلب المنطقة العربية مغامرة بالأمن في دول أوروبا، بعد شيوع عمليات انتحارية وتفجيرات في عدد من عواصم الغرب نفذتها الذئاب المنفردة التي سرعان ما كان يتبناها “داعش”.

فضلاً عن ذلك، احتاجت عملية التحرير الشاقة والمكلفة جداً، إلى تبدل في مواقف وسياسات بعض الدول الداعمة للإرهابيين، وفي مقدمتهم تركيا التي دخل عبر حدودها تسعون في المئة من المسلحين، إلى سوريا والعراق، حسب التقارير التي كانت تنشرها الصحافة الغربية. وكان الحدث الأبرز الذي دفع إلى تغيير الموقف التركي هو الانقلاب الذي وقع في صيف 2016، واتهمت فيه جماعة فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة.

في صيف 2014، نصّب البغدادي نفسه خليفة للمسلمين في دولته العابرة، من فوق منبر الجامع الكبير بالموصل، وأعلن تنظيم “داعش” يومها عن أمله بأن “يمكّن الله لدولة الخلافة في المعمورة وأن يفتح على أيدي قادتها وجنودها الأمصار”… أما اليوم، فتعود الموصل –عاصمة دولة الخلافة- محرّرةً إلى أحضان الوطن العراقي، على أمل أن ينهض الحصان العراقي من كبوته الطويلة، ولتنطوي صفحة سوداء من تاريخ العراق الذي مازالت تنتظره الكثير من التحديات والأخطار.