يكاد يكون الداعون لاستفتاء إقليم كردستان، والمناهضون له، قد أبرزوا كل حججهم السياسية والقانونية، واستخدموا جلّ أوراق الضغط لديهم، هدّد كل منهم الآخر، واستعرض أحدهم على الآخر، ولم يتبق إلا انتظار ما سيفضي إليه هذا الاحتدام، في 25 سبتمبر 2017، موعد الاستفتاء الكردي والأيام التي تليه.

بدا وكأن كلا المعسكرين قد رصّا صفوفهما، لكن واقع الحال يشير إلى قراءة أخرى. ففي معسكر أربيل أصبح من الواضح سماع أصوات كردية (بدأت تخفت تدريجياً) رافضة للاستفتاء أو متحفظة على إجرائه (في التوقيت أو التوظيف) كحركة (لا للاستفتاء حالياً) التي أسسها عدد من الصحافيين والناشطين الكرد، ويقف وراءها رجل الأعمال الكردي من أهالي السليمانية شاسوار عبد الواحد مالك راديو وتلفزيون NRT، وكذا الحال فيما يخص حركة التغيير (غوران)، أو الجماعة الإسلامية، وأجنحة وشخصيات في الاتحاد الوطني الكردستاني التي تلوذ بالصمت حيناً وتعبر عن مواقف متذبذبة حيناً آخر. وفِي العموم فإن السليمانية (التي يُعرف لإيران نفوذها على الأحزاب السياسة فيها، والتي تحتفظ بنوع من الدفء السياسي مع بغداد) لا تتعامل بذات الحماسة مع موضوع الاستفتاء، على الأقل على المستوى الحزبي لا الشعبي، بيد أن صحافياً كردياً هو محمد زنكنه وصف الأمر على النحو التالي: “لا توجد لدينا أحزاب معارضة للاستقلال، هنالك تحفظات بشأن التوقيت، ومخاوف من عدم حصول هذه الأحزاب على دور سياسي، فضلاً عن مصالحها الشخصية مع بغداد”.

في المقابل، فإن بغداد وإن تمكنت من إظهار نوع من التوحد العربي الشيعي السني ضد الاستفتاء، فإن أطرافاً داخل هذا المعسكر، لا سيما بعض زعماء العشائر العربية السنية في المناطق المتنازع عليها، جاهرت بدعمها الاستفتاء بل عدته خلاصاً لها من سلطة بغداد، وهو ما يتناغم مع ما قاله رئيس الإقليم مسعود البرزاني في مقابلة مع فضائية (العربية) السعودية في 7 سبتمبر 2017، عن استحالة “العيش في دولة دينية طائفية”، فضلاً عن سياسيين وإعلاميين، حمّلوا الأحزاب المتنفذة في بغداد مسؤولية ما آلت إليه الأمور، بذريعة أن الاستفتاء ليس سوى واحداً من مخرجات العملية السياسية، عندما فتحت اتفاقات مؤتمرات ما قبل الـ 2003، وقانون إدارة الدولة وبعده الدستور العراقي لعام 2005، الأبواب مشرعة للانفصال الجزئي أو الكلي، بالإضافة إلى عدد من المعارضين العراقيين العرب الذين وجدوا في كردستان ملاذاً آمناً لهم من ملاحقة سلطة بغداد، والذين وإن لم يجاهر معظمهم بتأييد الاستفتاء، فقد اختار (حياداً إيجابياً) لا يثير حفيظة مُستضيفيهم.

الحلفاء الإقليميون والدوليون: الدبلوماسية الخشنة لا أكثر!

 الاستفتاء الكردي مثله مثل كل الملفات العراقية الأخرى، يصول الخارج فيها ويجول، وليس سراً اعتماد الأحزاب السياسية في العراق على (حلفاء) إقليميين ودوليين في معظم أدائها السياسي، وهو ما يشرح انتفاضة بغداد المتأخرة على الإعلان الكردي، كانت بانتظار موقف إقليمي ودولي للتحرك ضد الاستفتاء، حتى أن الصوتين الإيراني والتركي الرافضين كانا أعلى بكثير من الأصوات العراقية الحكومية والبرلمانية والحزبية التي لم تُسمع بوضوح إلا قبل أسابيع قليلة فقط من موعد إجراء الاستفتاء. ومثلما تستقوي بغداد بالموقفين الإيراني والتركي، فإن أربيل لا تخفي تلقيها دعماً إسرائيلياً رسمياً وشعبياً، ومن خلفه لوبي إسرائيلي يعمل في أقبية بعض مؤسسات صنع القرار الأميركي، ويدفع بقوة للمضي قدماً باتجاه تأسيس الدولة الجديدة.

ولا يمكن لا لبغداد ولا لأربيل اعتبار المواقف الدولية الأخرى، قريبة أو داعمة لوجهة نظرهما. هذه المواقف الدولية يمكن تصنيفها على أنها (موقفان لا موقف واحد): الرفض العلني المنسجم مع القانون الدولي واحترام سيادة الدول، والموافقة الضمنية بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

لقد تركت الدول الكبرى كأميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومن خلفهم الأمم المتحدة، الباب موارباً، لأي من الاحتمالين، فإن نجح الكرد في تأسيس دولتهم، فسوف لن تكون هذه القوى الكبرى بعيدة عن الدولة الجديدة، وإن أُجهض الموضوع برمته فستسارع لإعلان براءتها منه، وهو ما يؤكده المشروع البديل الذي قدمه سفراء واشنطن ولندن وباريس والمنظمة الدولية للقيادة الكردية، والمتضمن مقترح تأجيل الاستفتاء مقابل رعاية الأمم المتحدة لمفاوضات مكثفة بين بغداد وأربيل، وقبل ذلك، ما عبر عنه بمنتهى الوضوح (تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق) برئاسة السفير الأمريكي ريان كروكر، الذي أُعد لحساب بيت الخبرة الأمريكي أتلانتيك كونسل (Atlantic Council) لتقديم رؤية للإدارة الأميركية، ونُشر في مايو 2017، حيث يوصي في صفحته رقم 27 بما نصه: “لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتخذ موقفاً لصالح الاستقلال الكردستاني أو ضده، ولكن ينبغي علينا القيام بمساعدة الأطراف قدر الإمكان في تحقيق الأهداف التي وضعوها لأنفسهم”.

أما إيران وتركيا، أكثر المعنيين إقليمياً بهذا الملف، بسبب وجود أقليات كردية لديهما، فلم تُقْدما، وعلى الرغم من كل هذا الاحتدام، إلا على تهديدات إعلامية لم ترافقها إجراءات على الأرض يمكن أن تقلق بشكل جدي الطرف الكردي، وأعلى سقفها قطع العلاقات التجارية والاقتصادية (وهو كما معلوم سيف بحدين، أي أنهما أيضاً سيتضرران اقتصادياً من مقاطعة الإقليم) أو غلق الحدود ( وإن كان يبدو أمراً غير واقعي) أو إجراء الأتراك (دائمي التحرك على الحدود الشمالية للعراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني منذ ثمانينات القرن الماضي) مناورة عسكرية محدودة اشتركت بها نحو 100 قطعة عسكرية قبل نحو أسبوع فقط من موعد الاستفتاء، بل وحتى رمزية توجيه الدبابات التركية لفوهاتها نحو معبر إبراهيم الخليل الحدودي مع الإقليم، لا تعدو سوى مجرد تلويح بالقوة (كنوع من الدبلوماسية الخشنة Hard Diplomacy ) لا استخدام لها.

ويستشكل كثيرون على إيران مثلاً، (تراخيها) في إجبار الاتحاد الوطني الكردستاني أحد الحزبين الكرديين الرئيسين، على عرقلة الاستفتاء وهي التي لديها علاقات تاريخية مع جميع قياداته وأجنحته، بل وتمتلك الكثير من أوراق الضغط عليهم.

ولا بأس من الإشارة هنا إلى ما أسماه صحافي التايمز البريطانية ريتشارد سبنسر (Richard Spencer)، التقاء “الخصمين المريرين” ويقصد واشنطن وطهران، في هدف محاولة إجهاض الاستفتاء، فيقول في تحليل نشرته الصحيفة في 19 سبتمبر 2017، إن “خطة كردستان العراق إجراء استفتاء على الاستقلال أدت إلى اتحاد خصمين مريرين، الولايات المتحدة وإيران”. وقبله ما نشرته الإيكونوميست البريطانية، في عددها الصادر في ١٦16 سبتمبر 2017 تحت عنوان: Almost everybody is against a Kurdish referendum، ” الجميع تقريباً ضد الاستفتاء الكردي”، وقالت فيه إن “أميركا وإيران ليسا دائماً في صراع” في إشارة إلى موقفهما من المشروع الكردي. ولكن في كل الأحوال، صَعدت هذه المواقف أو نزلت، فهي ليست أكثر من وجهات نظر تدلي بها الدول حول مختلف القضايا.

الدعم الإماراتي السعودي، لماذا؟

أما عربياً، فكان أقوى تحرك علني هو الذي قام به أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط الذي زار أربيل في 9 سبتمبر 2017، وقدم مبادرة بدت وكأنها لرفع العتب، تقوم على تأجيل الاستفتاء وإجراء حوار بين بغداد وأربيل برعاية أممية، والوصف ذاته ينطبق على قرار جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية في 13 سبتمبر 2017 برفض الاستفتاء، لكن تقارير متطابقة تتحدث عن دعم إماراتي سري للتوجهات الكردية، إذ وقّعت رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إبتسام الكتبي، مذكرة تفاهم مع الإقليم مطلع العام 2017 للمساعدة في تنظيم عملية الاستفتاء، وكذلك إلى حد ما سعودي، سبق بكثير زيارة وزير الدولة لشؤون الخليج العربي في الخارجية السعودية ثامر السبهان لأرييل وعرضه وساطة سعودية، إذ نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية مقالاً بعنوان “محاولة جديدة لاستقلال كردستان”، تحدثت فيه عن دعم سعودي للأكراد. الوزير السبهان نفسه، عاد وغرد لاحقاً على (تويتر): “أتطلع لحكمة وشجاعة الرئيس مسعود بارزاني بقبول الوساطات الدولية الحالية ضمن مقترحات الأمم المتحدة”.

 الأزمة الخليجية بين قطر وعدد من دول الخليج من جهة، والعداء السعودي الإيراني من جهة ثانية، ربما دفعا هذه البراغماتية الاماراتية السعودية إلى واجهة حدث بمستوى تهشّم دولة عربية، وهو بالضبط ما قالت عنه (التايمز البريطانية) إنه يأتي تماشياً مع مقولة “عدو عدوي هو صديقي”.

الاستعداد للاستفتاء أم الاستعداد للحرب؟!

اختلفت الاستعدادات لدى كلا المعسكرين، أربيل كانت تعد العدة ليوم 25 سبتمبر 2017، منذ سنوات، وهي لا تخفي ذلك، عندما اتخذت سلسلة خطوات، هيأت من خلالها أرضية لهيكلية كاملة لدولة جديدة، في الوقت الذي ظلت الحكومة في بغداد، تتفرج على الدولة الناشئة الجديدة وهي تَكْبر أمامها وتتعزز يوماً بعد آخر. لقد وظف الكرد كل شيء لتحقيق مسعاهم كاشتراكهم في العملية السياسية بعد العام 2003 على النحو الذي يُؤْمِن لهم تحقيق حلمهم التاريخي في دولة قومية كردية، وما تَركوا صغيرة أو كبيرة إلا وأعادوا مقاربتها في هذا الاتجاه، ما جعل الإعلان عن الاستفتاء تحصيلاً حاصلاً، رافقتها حزمة إجراءات داخلية وخارجية، وإعلانات متواترة من حكومة الإقليم وسياسييها، بينما اكتفت بغداد بالصمت، وعدم التصديق، والانشغال بصراعات بينية شيعية سنية.

ستمضي كردستان في مسعاها لتقرير المصير وتأسيس الدولة الكردية، سواء نُظم الاستفتاء أو تأجل. المسألة في داخل الإقليم مفروغ منها، يتوقع دانيال سيروَر (Daniel Serwer)، أستاذ إدارة النزاعات في جامعة جون هوبكنز (Johns Hopkins School)، أن يصوت الأكراد بنسبة ٩٥٪‏ على نعم للانفصال عن العراق) وسيكون بمثابة انتحار سياسي. التراجع عن هذا المسعى بعد كل هذا التحشيد السياسي والتعبئة الجماهيرية، التي وصلت مستوى من الجهوزية أن يقول رئيس الإقليم مسعود البارزاني “لو فرضتم علينا الحرب فسنخوضها”، حتى بدا وأن الكرد ذاهبون إلى (الحرب) لا إلى (الاستفتاء).

وبعيداً عن كل الضجيج الإعلامي، فلا شيء عملياً يمنع الأكراد من المضي في مشروعهم، بغداد الضامن التاريخي لوحدة العراق، أضعف من أن تتصدى للكرد المُنظّمين والموحدِّين في هذا الموضوع خصوصاً، بيد أن التعويل على الموقفين الإيراني والتركي، هو ما قد يرجح احتمالية التعثر، لكن الأمر مرهون بجدية هاتين القوتين الإقليميتين وجردة الحساب التي ستقومان بها على مستوى مصلحتيهما الوطنية.

دولة كردية بحدود العام 2003، قد يبدو أمراً مستساغاً اليوم لدى كثير من العراقيين، لكن ما يُعقّد الامر هو المناطق المتنازع عليها وفِي المقدمة منها كركوك الغنية بالنفط، والتي يصر الكرد على ضمها إلى دولتهم المنشودة، وهو ما ينذر باندلاع نزاع مسلح، بكّر كل طرف في استعراض قواه على ساحة المدينة المختلطة الأعراق، والتي طالما وصفت بأنها “عراق مصغر”، فبعد تعزيزات للبيشمركه الكردية في المدينة ونصب نقاط تفتيش مكثفة لجهاز الأمن الكردي الأسايش في شوارعها الرئيسة، ظهر أبو مهدي المهندس الرجل القوي في الحشد الشعبي، يقود رتلاً عسكرياً فيها.

ويبدو واضحاً أن كلاً من بغداد وأربيل، مستعدتان (بتفاوت نسبي) لمرحلة من الاستنزاف المفتوح، طالما تأجل، لبسط النفوذ على خامس أكبر مدينة عراقية يسكنها نحو مليون نسمة، وفيها خامس أكبر حقل نفطي في العالم وتقدر احتياطياتها بأكثر من ١٣ مليار برميل أي نحو ١٢٪‏ من اجمالي احتياطات النفط العراقية، وطبول الحرب التي تُقرع على أبواب كركوك، هي آخر ما يحتاجه عراق لم تغادر رائحة البارود أجواءه، لا رابح فيها، وأكثر الخاسرين عرب العراق وكرده وتركمانه.

ومثلما لا شيء يمنع الأكراد من إعلان دولتهم، فأنه لا شيء أيضاً يضطرهم للبقاء ضمن دولة عراقية، تتسابق التقارير الدولية في وصفها بالفشل، ويستشري الفساد وسوء الإدارة في جميع مفاصلها، وتتغول الطائفية بين شيعتها وسنتها يوماً بعد آخر.

“بديل جدي دولي” أو تساقط قطع الدومينو؟

في كل الأحوال، وإذا لم يحدث تحول دراماتيكي من قبيل موافقة الكرد على ما أسماه رئيس حكومة الإقليم نيجرفان البارازاني “تقديم المجتمع الدولي بديلاً جدياً”، فإن الأكراد يظنون أن بناء دولة جديدة أفضل ألف مرة من البقاء في دولة لا مستقبل لها، والعراقيون الذين سيخسرون جزءاً من دولتهم، سيجدون أنفسهم ليست فقط في أتون صراع استنزاف عسكري واقتصادي مفتوح، بل وأيضاً أمام مطالب انفصالية جديدة قد يكون الدور فيها على السُنة، ليكون الاستفتاء الكردي بداية تساقط قطع الدومينو العراقية واحدة بعد الأخرى.