تطوي قطر مع كلمة أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في اجتماعات الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ثلاثة أشهر ونيف من معركة “بقاء ووجود” تخوضها الدوحة – بشراسة – قبالة حصار تفرضه ثلاث عواصم خليجية تحيط بها، مدعومة بمصر؛ الشريك “البارد” في تحالف دول الحصار.

الأمير الذي أكد في كلمته من نيويورك أن بلاده “تدير حياتها بنجاح بفضل وجود معابر ليس لدول الحصار سيطرة عليها”، مشيراً إلى “رفض الإملاءات بعزة وكبرياء”، ومجدداً الدعوة إلى “حوار غير مشروط”، جدد موقف بلاده من الأزمة. كان لافتاً أيضاً، تجديد الأمير المُحاصر الدعوة إلى حوار بناء مع إيران بعد ساعات من كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الناقدة لطهران.

وتأتي كلمة أمير قطر في نيويورك بعد رحلة مكوكية شملت تركيا وألمانيا وفرنسا؛ في فضاء الاحتفاء المتوقع بعد مجموعة الإجراءات التي سارعت الدوحة لاعتمادها منذ 5 يونيو 2017؛ تلك الإجراءات التي كان لها بالغ الأثر في امتصاص الصدمة والتعامل بعقلانية وموضوعية مع الأزمة؛ سواء في تحييد خيار الحسم العسكري المباشر من خلال اللجوء إلى الحليف التركي أولاً، أو في تأمين المسارات البحرية والجوية اللازمة لتأمين حركة الركاب من مطار الدوحة وتوفير السلع الغذائية واللوجستية من خلال إيران، ثانياً.

ورغم الاحتفاء الداخلي في قطر بالمنجز الوطني في تحمل تبعات الحصار حتى الآن؛ لكنه احتفاء يبقى مرهوناً بمجموعة من المتغيرات والسيناريوهات المفتوحة، خصوصاً وأن دول الحصار – بقيادة السعودية – لا يبدو أنها في صدد التراجع عن أهدافها المتمثلة في رضوخ الدوحة الكامل خصوصاً فيما يتعلق وسياساتها الخارجية في المنطقة؛ أو المضي قدماً في مشروع إحداث تغيير داخل مؤسسة الأسرة القطرية الحاكمة؛ تتأمل الرياض بأن هذا التغيير سيأتي بمن يستطيع الوفاء بشروطها ومطالباتها.

وتراهن دول الحصار في هذا السياق على اختراق الداخل القطري من خلال محورين اثنين؛ تمييع ولاء المكونات القبلية داخل المجتمع القطري من جهة، وتفكيك تماسك الأسرة الحاكمة ذاتها من جهة أخرى.

ولئن استطاعت الدبلوماسية القطرية اختراق جدار الدبلوماسية الإماراتية العالي في واشنطن نحو تخفيف عدائية البيت الأبيض تجاهها، تبقى مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مربكة لشتى الأطراف، وهو ما يجعل من رهان الدوحة على “عقلانية” و”حكمة” واشنطن في إدارة الأزمة وتخومها مغامرة غير محسوبة العواقب.

الصمود والتحدي الحذر

حتى اليوم، تعتمد قطر على مكنتها الدبلوماسية والإعلامية وعلاقاتها الاقتصادية المتينة في مواجهة الآلة الدبلوماسية والإعلامية لدول الحصار؛ وهي إستراتيجية حققت نجاحات ملموسة في كبرى دول الاتحاد الأوروبي الذي تتموضع دوله حتى الآن في منطقة محايدة؛ أو هي تميل نسبياً إلى الدوحة.

كما وعمدت الدوحة إلى إعادة الحياة لعلاقاتها الثنائية مع طهران مع حرصها على إبقاء الأزمة الخليجية داخل البيت (السني). يؤرقها في ذلك الخوف من استفزاز واشنطن التي باتت ترى في إيران الخطر الإقليمي الأول، بالإضافة لخشيتها تثبيت ما تدعيه دول الحصار من ادعاءات بوجود تحالف (قطري/ إيراني) يضر بدول الخليج وأمنها الداخلي.

إلى ذلك؛ تتحمل الخزينة القطرية خسائر هامة لضمان استقرار البلاد داخلياً وإبقاء أسعار السلع والخدمات في المستوى السابق؛ لكنه إجراء وإن كان ثقيل الأثر على الاحتياطات المالية للدوحة إلا أنه لا مفر من العمل على إبقاء الجبهة الداخلية متماسكة (يبلغ تعداد السكان 2.5 مليون)؛ خصوصاً وأن 90% من العاملين في قطر هم من الأجانب.

ومما يشير إلى ارتفاع كلفة الحصار والحفاظ على استقرار النظام المالي ما أشارت له البيانات الصادرة عن مصرف قطر المركزي التي تؤكد “أن الدوحة ضخت 29.1 مليار ريال (8 مليارات دولار) في نظامها المصرفي في أغسطس الماضي يأتي ذلك بعد ضخ ودائع بقيمة 6.9 مليارات دولار في يوليو و10.9 مليارات دولار في يونيو الماضي”، يضاف لذلك ارتفاع الدين العام القطري إلى النسبة العالمية المقلقة التي تزيد عن 60% من الناتج المحلي.

تلخيصاً؛ يمكن توصيف التموضع الحالي لقطر من الأزمة بتموضع (الصمود والتحدي الحذر). إذ تحاول الدوحة امتصاص ضربات دول الحصار المتتالية وتحسين تموضعها الدولي دبلوماسياً وإعلامياً. وهي أيضاً، لا تبالغ كثيراً في استفزاز دول الحصار. وتراهن الدوحة في هذا الاتجاه على عامل الوقت؛ وأن أحداً لن يجرؤ على اجتياز حدودها مع تواجد عسكري تركي وازن أولاً؛ ودون غطاء أميركي واضح ثانياً. وهو ما لم تتحصل عليه دول الحصار حتى الآن.

فضاءات الممكن: بين الحرب والتسوية المرة

إلى ذلك؛ لا يمكن الركون إلى أن الأزمة الخليجية قد وصلت إلى حدودها الأخيرة. أو أنها ستتوقف عند هذا الحد.

يمتلك اللاعبون في الأزمة عديد الأوراق التي لم يرمِ بها أحد حتى اليوم. تستطيع دول الحصار فرض المزيد من الإجراءات الفاعلة في حصار الدوحة، تستطيع أيضاً التسريع في وتيرة التدخل الهادف لتفتيت الداخل القطري، وصولاً إلى رعاية انقلاب أبيض داخل مؤسسة الحكم.

قبالة ذلك، تستطيع الدوحة إدخال اللاعب الإيراني في الأزمة لتعيد إحياء تحالفها الإقليمي الكبير العام 2007-2008. وهو ما سيغير من طبيعة الاشتباك وتوازنات القوى في الخليج بل وفي منطقة الشرق الأوسط ككل. تستطيع أيضاً، فرض حالة الطوارئ في البلاد وهو ما سيقيها أي مفاجآت غير محسوبة من الداخل. فضلاً عن لجوء الدوحة إلى إستراتيجية هجومية تمس الاستقرار السياسي في دول الحصار ذاتها، خاصة تراتبية الحكم في كل من أبوظبي والرياض. وبطبيعة الحال، لكل خيار من هذه الخيارات كلفة باهضة ستتجرعها الأطراف كلها.

بقى أن نشير إلى أن سيناريوهات أخرى محتملة الحدوث أيضاً؛ وهي الوصول لتسوية سياسية مُرّة يفرضها اللاعب الأقوى (واشنطن) وتتجرعها الدوحة على مضض. قد لا تصل هذه التسوية إلى تنفيذ كامل لشروط دول الحصار لكنها بالتأكيد تسوية مُرّة سيكون لها نتائج وارتدادات هامة على دول المنطقة؛ في سورية وليبيا وتونس ومصر والعراق؛ وفي دول أخرى أيضاً.

ما بين الحرب التي ينقصها دوي المدافع؛ والتسوية المُرّة، وتسجيل الانتصار الكبير تتأرجح الأزمة بين دول الخليج على غير هدى، فالرواية ثقيلة المحتوى، وتصاعد الحبكة الدرامية مفتوح، واللاعبون/ الممثلون يكثرون من المشاهد المرتجلة.