مَازال هُناك الكَثير ليَتم إنجازهُ فيما يخصّ السيَدات القطريات. لكن وفي إطار المُتاح حُكوميا تُحاول المرأة في قطر إثبات حُضورها. وتقديم نفسها باعتبارها فاعلاً تنموياً واجتماعياً لا يقلّ قدرة أو كفاءة عن الرجال.

أثبتت السيدات في قطر قدرتهنّ على إدارة مؤسسات اقتصادية منتجه للثروة من الأحجام الصغيرة، المتوسطة والكبيرة. في مقابل ذلك، مازال المجتمع القطري المحافظ غير متقبل لحضور المرأة في العديد من الوظائف والمجالات. ومازال أبناء القطريات المتزوجات من أجانب غير قادرين على التمتّع بالمواطنة القطرية على عكس ما يحصل في بعض الدوّل العربية الأخرى.

مُقدمّة

كسرًا للصورة النمطية التي تُرسم حول وضع السيدات في الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، تسير الحكومة القطرية في نفس اتجاه سير تطلعات السيدات القطريات في عيش حياة اجتماعية، اقتصادية وسياسية لا تقلّ شأناً عن النساء في دول سابقة التجارب في مجال حقوق المرأة.  لَطالما صُورّت المرأة في الخليج على أنّها تعيش ضمن الهوامش التي تسمح بها الأنظمة السياسية وما يتنازل المجتمع الذكوري عنه لصالحها. لكن، وإن كان هذا الادّعاء يحمل شيئاً من الصحة، فإنّه لا ينطبق كلّه على وضع المرأة داخل دولة قطر.

يَسهُل كثيراً إطلاق أحكام مسبقة ونسج صور نمطية من الخارج. لكن إذا نظرنا إلى السيّدة القطرية من داخل قطر، نجد أنّها فاعل منتج ومساهم فعّال في العملية التنموية. إذْ يُلاحظ حضور السيدات القطريات في مختلف القطاعات من تربية وإعلام وحتى ريادة الأعمال والاستثمارات. وليس بالغريب أن نجد أسماء تحتل المراتب الأولى شرق أوسطياً من حيث النجاح الاقتصادي واقتحام عالم الاستثمارات على غرار السيدة عائشة المضاحكة وغيرها من النساء القطريات اللواتي أصبحن منافسات شرسات في عالم المال خليجياً.

لكن على الرغم من هذا، مازالت السيدة القطرية تبحث عن أدوار أوسع داخل مجتمعها. ففي مجتمع قبلي محافظ، من الصعب على سيدات قطر الحصول على حقوق كاملة مرة واحدة. وإنمّا يحتاج الأمر إلى تراكم تاريخي تخلق من خلاله عملية تفاوض بين مطلب حقوق المرأة وتمكينها، وبين الضوابط المجتمعية التي يرسمها الدين، القبيلة، المجتمع وكذا السلطة. هذه الأخيرة التي لا تتردد بإعلان المساواة بين المرأة والرجل من حيث الحقوق والواجبات.

الحكومة، المجتمع، والمرأة في قطر

كما تم الإشارة إليه في المقدمة، لطالما استفردت سردية الخارج بتحليل ودراسة واقع المرأة عربياً وخليجياً على الرغم من كون النظرة الخارجية لواقعها تحمل الكثير من المغالطات والصور الكولونيالية التي لم تعد تنطبق كثيراً على المجتمعات الخليجية. ففي قطر، لا تتردد الحكومة القطرية في إعلان خطاب المساواة بين الجنسين من حيث التمكين والفرص[1]، في الوقت الذي لا يتيح المجتمع المحافظ الكثير للمرأة.

حسب دراسة نُشرت سنة 2014، مازال المجتمع القطري يبدي رفضه حول دخول المرأة القطرية لقطاعات اقتصادية معينة. حيث أنّ العائلات القطرية ترفض أن يشتغلن بناتها في مجالات الفن، الفندقة والسياحة، الطيران وكذا المناصب الدبلوماسية التي تقتضي ترك البلاد[2]. وقد جعلت هذه المحافظية السيدات القطريات ينحصرن ضمن مجالات محددة أهمها الصحة والتعليم، وكذا تركهن للمكان شاغراً في قطاعات أخرى تصنفها المحافظية المجتمعية باعتبارها حصراً للذكور.

إذاً، وعلى الرغم من خطاب المساواة الذي تُعلنه الجهات الرسمية في قطر، يبدو أن المجتمع القطري مازال محافظاً ومترددًا في قضية التمكين الكامل للسيّدات القطريات. لكن تبدو المرأة القطرية في إطار المتاح لها فاعلاً تنموياً مهماً، عززت أدواره الرؤية الوطنية القطرية 2030.

في 2015، أشارت مجلة The Business year   إلى أنّ المرأة القطرية تلعب أدوار متعاظمة في الحياة الاقتصاديةن وأرجعت ذلك إلى الرؤية القطرية الوطنية، وكذا دور بعض النماذج الناجحة كالشيخة موزا بنت ناصر آل مسند (والدة أمير دولة قطر)، والشيخة هنادي ناصر بنت خالد آل ثاني، وعائشة الفردان، والوزيرة الدكتورة هسه آل جابر. أشارت المجلة كذلك إلى أن الحكومة القطرية تسعى ليبلغ حجم مشاركة المرأة في القوى العاملة 42%، كما نبهت إلى أّنّ معدل راتب المرأة هو 69% من راتب الرجل.

على الرغم من هذا، تبدي السيدات القطرية حماساً كبيراً بشأن ولوجها سوق العمل، والانخراط في العملية التنموية لبلادها، معتبرةً نفسها أحد أهم مصادر التطوّر الاقتصادي في دولة قطر، من منطلق أنّها متعلمة، ومهتمة بالحصول على مسيرة مهنية مرضية ومستعدة لتكون في خدمة أمتها، وعازمة على العمل بجدّ في سبيل النجاح[3].

الاقتصاد: صورة مشرقة وسط سرديات ظلامية

اقتحمت السيّدات القطريات عالم الاقتصاد بقوة، سواء عبر بوابة سوق العمل، التجارة أو الأعمال.  ففي مقال نُشر سنة 2015 في الشرق القطرية[4] تمت الإشارة إلى أن عدد سيدات الأعمال القطريات بلغ الألف. ونقلاً عن إحداهن تُدعى فوزية الكواري؛ تُوجد سيّدات أعمال قطريات اقتحمن مجال النقل والصناعات الثقيلة، ومجال العقارات، إضافة إلى الملبوسات والمطاعم ووكالات السيارات.

خلال المقال تمّ الاستشهاد بإحصائيات تُشير إلى أنّ المرأة القطرية أصبحت تمثل حوالي 14% من أصحاب العمل في قطر، وعدد الشركات المملوكة من طرف نساء يقدّر بحوالي 2000 شركة تتراوح بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، ولقطاع العقارات النصيب الأكبر فيها.

كما تشكلّ النساء القطريات حسب المقال 50% من مجمل عدد المستثمرين والمتعاملين بالأسهم في بورصة قطر والبالغ عددهم نحو مليون مستثمر ومتعامل. عدد الأسهم المملوكة من طرف سيدات قطريات تساوي 1 مليون سهم تتجاوز قيمتها 15 مليار ريال قطري.  يشير المقال كذلك إلى وجود حوالي 100 مصنع تديره سيدات أعمال قطريات. إضافة إلى ذلك، نقلاً عن أوساط مصرفية، تدير سيدات الأعمال القطريات استثمارات متنوعة تفوق قيمتها 30 مليار ريال قطري.

في نفس السنة، أشار مقال آخر أن ثروة المستثمرات القطريات اليوم أصبحت ما بين 20 إلى 25 مليار ريال قطر، حوالي 7 مليارات دولار، إضافةً إلى حصولهن على 2700 سجل تجاري[5]. إذاً، ممّا سبق تبدو السيدات القطريات في موقع قوة اقتصادية قادرة على تعظيم أدوارهن الاقتصادية والتأثير في الشأن العام القطري، وكذا في مسارات صناعة القرار في الدولة. لكن، طريق المرأة القطرية في رحلة تمكينها في مختلف المجالات تعترضه العديد من العقبات منها ما هو مجتمعي ثقافي، ومنها ما هو إداري بيروقراطي كمسائل القروض، والدعم وغير ذلك.

كَخاتمة، لا يمكن القول أنّ السيدات القطريات يتمتعن بمساواة كاملة مع الرجال، لكن وفي إطار المتاح مجتمعياً، يحاولن قدر المستطاع إثبات أنفسهن والتأثير في سوق العمل. تَجدرُ الإشارة إلى أنّ المرأة في قطر تعدّ فاعلاً تنموياً نشيطاً وواعداً شجعته السيّاسات الحكومية التي تعمل على إدماجه في سوق العمل وفي العملية التنموية. إذْ تعدّ القطرية مستثمرة ناجحة قادرة تماماً كالرجل على خلق الثروة وتسيير مؤسسات اقتصادية من الأحجام الصغيرة، المتوسطة والكَبيرة.

مازال هُناك الكثير ليتم إنجازه في قطر فيما يخصّ المرأة، خاصة فيما يتعلق بوضعها العائلي، والصورة التي يرسمها المجتمع القطري حولها. إضافة إلى الأمور المتعلقة بوضع أبناء القطريات المتزوجات من أجانب والذين لا تشملهم المُواطنة القطرية. من ناحية الخطاب السيَاسي لا تستعمل الحكومة القطرية خطاباً تمييزياً تجاه النساء، بل على العكس هُناك تشجيع منهجي يتم ترجمته في شكل ضمان وظائف للمتخرجات، وكذا قروض وتسهيلات بنكية للراغبات في إقامة مشاريع نسوية.

لا يمكن تخيّل استمرار المسيرة التنموية لدولة قطر دون أن يكون للسيدة القطرية دورٌ فيها، إذْ يبدو أنّه من مصلحة الاقتصاد القطري الاستفادة من المستوى التعليمي العالي للمتخرجات القطريات، وكذا من حماسهنّ وإصرارهنّ في المساهمة في خلق الثروة وريادة أعمال من شأنها الدفع بعجلة الاقتصاد وخلق وظائف لكل من المُواطنين والمُقيمين. صحيح أنّه ما زال الكثير ليتم إنجازه فيما يخص المرأة في قطر، لكن من باب الإنصاف، تعدّ سيدات قطر مثالاً يُحتذى به خاصة من ناحية التحصيل العلمي والأكاديمي، وكذا قدرتهنّ على المنافسة في سوق وطني ديناميكي وذكوري.

[1] Krystyna Urbisz Golkowska, “Arab Women in the Gulf and the Narrative of Change: the case of Qatar,” interdisciplinary political and cultural journal, Vol. 16, No. 1(2014), 51.

[2] نفس المرجع السابق، أنظر الصفحة 56.

[3] للتعمق انظر: “Women in Business,” The Business Year Qatar 2015, 43-45.

[4]  للتعمق يُرجى الاطلاّع على الدراسة الكاملة الصادرة عن مؤسسة راند: Dell Felder and Mirka Vuollo, Qatari Women in the Workforce, Qatar: Rand Qatar policy institute, 2008.

[5]  لمطالعة المقال كاملاً انظر: http://www.al-sharq.com/news/details/334597