نتيجة هبوط إيرادات النفط والغاز الطبيعي وارتفاع النفقات العسكرية وعدم ملائمة السياسة المالية المتبعة ازداد العجز المالي والتجاري في البحرين. ترتب على هذا الوضع تزايد اللجوء إلى القروض الداخلية والخارجية فتفاقمت ديون الدولة من حيث حجمها والفوائد الناجمة عنها.

في أبريل/نيسان 2017 بلغ حجم ديون البحرين 8956 مليون دينار بحريني (ما يعادل 23756 مليون دولار). تستحوذ الديون المحلية (مقومة بالدينار) على 54% والباقي ديون خارجية (مقومة بعملات أجنبية). في حين أن الفوائد السنوية المترتبة على الديون الخارجية أعلى بكثير من الفوائد السنوية المستحقة على الديون المحلية. ففي عام 2016 دفعت الدولة 567 مليون دولار (214 مليون دينار) لخدمة الديون الخارجية مقابل 147 مليون دينار لخدمة الديون المحلية. يستشف من هذا المؤشر وجود شروط اقتراض عسيرة نسبياً في التمويل الخارجي خاصة فيما يخص أسعار الفائدة. تشهد هذه الأسعار حالياً ارتفاعاً بسبب تدهور الوضع المالي وانخفاض التصنيف الائتماني للدولة من قبل الوكالات العالمية المتخصصة.

يبين الجدول التالي تطور الديون العامة والفوائد المترتبة عليها (بملايين الدنانير).

فوائد الديون حجم الديون السنة
66 1335 2007
54 1214 2008
50 1842 2009
91 2872 2010
115 3549 2011
150 4186 2012
192 5376 2013
227 5574 2014
269 7229 2015
361 8866 2106
477 8956 2017
553 2018

(المصدر: المرسوم رقم 36 لسنة 2017 الصادر عن رئاسة الوزراء بتاريخ 13 حزيران2017. الجدول رقم 1 والرسم البياني رقم 11.3. أرقام حجم وفوائد الديون فعلية من 2007 إلى 2016. أرقام حجم الديون لعام 2017 فعلية وتخص الربع الأول منه. وفوائد الديون للسنتين الأخيرتين تقديرية).

ديون ثقيلة العبء

خلال الفترة بين 2008 و 2016 تضاعف حجم الديون 7.3 مرات، ولم يحدث خلالها أي انخفاض أو حتى استقرار نسبي لهذا الحجم. وقد شهدت السنتان الأخيرتان زيادة هائلة في الديون، لكن التعرف على ثقل مديونية دولة ما لا يتوقف عند حجمها، بل لا بد من معايير محددة تحديداً دقيقاً.

المعيار الأول: علاقة الديون العامة بالناتج المحلي الإجمالي. وهو أهم المعايير على الإطلاق ويستخدم في جميع البلدان بغض النظر عن درجة تقدمها أو طبيعة اقتصادها أو مشاكلها المالية والتجارية.

ورغم عدم وجود نسبة متفق عليها في هذا المعيار إلا أن المشاكل المالية تصبح خطيرة إذا تجاوزت الديون 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تبنى الاتحاد النقدي والاقتصادي الأوروبي (منطقة اليورو) هذه النسبة في ميثاق الاستقرار والنمو واقتبستها حرفياً دول مجلس التعاون في نطاق مشروعها الخاص بالاتحاد النقدي الخليجي.

في عام 2007 شكلت ديون البحرين 16.3% من الناتج المحلي الإجمالي. ثم ارتفعت في عام 2013 إلى 43.4% وإلى 74.0% في عام 2016، وهي تتزايد باستمرار. علماً بأن تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى نسب أعلى من ذلك بكثير.

المعيار الثاني: علاقة الديون العامة بالدخل الفردي. انتقل عدد سكان البحرين من مليون نسمة في عام 2007 إلى 1.4 مليون نسمة في عام 2017. وبتقسيم حجم الديون العامة على عدد السكان نحصل على حصة الفرد الواحد منها، وبالتالي انتقلت مديونية الفرد من 1335 ديناراً في بداية الفترة إلى 6397 ديناراً في نهايتها. بمعنى أن الديون كانت تمثل 16.3% من الدخل الفردي فارتفعت تدريجياً لتصل حالياً إلى 74.0% منه. ثلاثة أرباع الدخل الفردي ديون. هنالك دائماً تطابق تام بين علاقة المديونية الكلية بالناتج المحلي الإجمالي (المعيار السابق) وعلاقة المديونية الفردية بالدخل الفردي.

المعيار الثالث: علاقة الديون العامة بالنمو. تستوجب المالية السليمة أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي بنسبة تفوق نسبة ارتفاع الديون العامة. يحدث العكس في البحرين. ففي عام 2015 قياساً بالعام السابق ارتفع حجم الديون بنسبة 29.7% في حين انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7%. وفي عام 2016 مقارنة بالعام السابق ارتفعت الديون العامة بنسبة 22.6% مقابل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2%.

المعيار الرابع: علاقة فوائد الديون العامة بالصادرات. تشكل الفوائد 4.3% من الصادرات السلعية لعام 2015 و 7.3% منها لعام 2016، وسترتفع النسبة بصورة أكبر اعتباراً من العام الجاري بسبب الاستحقاقات المالية القديمة واستمرار الاعتماد على القروض الداخلية والخارجية.

المعيار الخامس: علاقة فوائد الديون العامة بالمالية العامة. يبين هذا المعيار حجم مساهمة الديون في تردي الوضع المالي ويوضح دورها في عجز الميزانية العامة. ففي عام 2008 كانت فوائد الديون تمثل 0.9% فقط من النفقات العامة ناهيك عن فائض مالي يعادل عشرة أضعاف فوائد الديون العامة، كما كانت حصيلة النفط والغاز الطبيعي لمدة ثلاثة أيام كافية لتغطية هذه الفوائد السنوية. وعلى هذا الأساس لم تكن الديون تثير مشكلة جدية.

ونتيجة لارتفاع الإنفاق العام وتباطؤ إيرادات النفط والغاز الطبيعي ظهر عجز مالي وأصبح مزمناً ويشكل السمة الأساسية لمالية البحرين. كما ارتفعت بشدة فوائد الديون وأصبحت تمثل نسبة لا يستهان بها من الإنفاق العام. ففي عام 2015 مثلت الفوائد 7.5% من النفقات العامة وأسهمت بنسبة 17.7% من العجز المالي وباتت هذه الفوائد تعادل صادرات النفط والغاز الطبيعي لمدة 61 يوماً. وازداد الوضع تأزماً في عام 2016 فقد غدت الفوائد تمثل 10.2% من الإنفاق العام و 22.1% من العجز المالي و92 يوماً من صادرات النفط والغاز الطبيعي. أما تقديرات العام الجاري فتشير إلى استمرار تدهور هذه العلاقة حيث أصبحت مساهمة الفوائد في الإنفاق العام 13.4% وفي العجز المالي 35.7% وبات من اللازم تخصيص إيرادات النفط والغاز الطبيعي لمدة 95 يوماً لتغطيتها. وسيشهد عام 2018 تدهوراً إضافياً رغم توقعات الحكومة بتحسن إيرادات النفط والغاز الطبيعي.

تدل هذه المعايير دلالة واضحة وقاطعة على خطورة الوضع المالي البحريني. ترى ما هي الأسباب التي أفضت إلى تراكم هذه الديون؟

 عجز جارٍ وآخر مالي

يعود تزايد الديون العامة البحرينية إلى عاملين: عجز الميزان الجاري وعجز الميزانية العامة، وتتفرع عن كل منهما عدة أسباب.

اقترضت البحرين خاصة من الخارج نتيجة تردي مركز الميزان الجاري الذي يشمل الميزان التجاري وحساب الخدمات وحساب الدخول، إذ لابد من الاقتراض لإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات.

عند العودة إلى عام 2007 نلاحظ أن مالية الدولة الخارجية كانت سليمة، فقد كانت الصادرات النفطية وحدها كافية لتغطية جميع الواردات السلعية وسجل الميزان التجاري فائضاً قدره 1077 مليون دينار، وحقق حساب الخدمات فائضاً مهماً بفعل أهمية السياحة والتأمين، والبحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي تسجل نتائج إيجابية في هذا الحساب. ولكن وكما هو حال دول مجلس التعاون تعاني البحرين من عجز مزمن في حساب الدخول خاصة عندما يتعلق الأمر بترحيل أرباح الاستثمارات المباشرة إلى الخارج وكذلك أرباح الحافظة. كما تشكل تحويلات العمال الأجانب المقيمين أبرز العناصر السلبية لهذا الحساب، فقد بلغت 557 مليون دينار عام 2007. ورغم عجز حساب الدخول سجل الميزان الجاري فائضاً مهماً قدره 1092 مليون دينار، الأمر الذي سمح بزيادة الاحتياطي النقدي لدي المصرف المركزي وكذلك زيادة الاستثمارات الخارجية ضمن نطاق الصندوق السيادي (شركة ممتلكات القابضة). أسهمت هذه الأسباب في عدم معاناة البلد من الديون.

بدأت المشاكل الخطيرة عندما هبطت صادرات النفط والغاز الطبيعي من 5452 مليون دينار في عام 2014 إلى 2909 مليون دينار في عام 2015 أي بنسبة عالية جداً لم يتحملها الاقتصاد البحريني وقدرها 46.6%. ولمعالجة هذه المشكلة اتخذت السلطات العامة إجراءات لتقليص الواردات وقد نجحت في ذلك بغض النظر عن تداعياتها الاقتصادية السلبية.

لكن هبوط إيرادات النفط والغاز الطبيعي أكبر بكثير من تقليص الواردات. لم تعد إذاً هذه الإيرادات تغطي أكثر من نصف الواردات. وهكذا تبدل الحال بهبوط فائض الميزان التجاري من 1396 مليون دينار في عام 2014 إلى 312 مليون دينار في عام 2015.

كما حدث تطور جديد في عام 2016 يفسر تزايد الديون، فقد استمرت إيرادات النفط والغاز الطبيعي بالتراجع لتصل إلى 2286 مليون دينار وللمرة الأولى هبطت الصادرات غير النفطية ولم تستطع الدولة تقليص وارداتها إلا بمعدلات ضئيلة مقارنة بضخامة الحدث الجديد. عندئذ ظهرت في البحرين حالة نادرة في الخليج وهي عجز الميزان التجاري الذي بلغ 302 مليون دينار. ورغم تحسن حساب الخدمات خاصة في الميدان السياحي ارتفع عجز الميزان الجاري ليصل إلى 561 مليون دينار. لابد إذاً من السحب من الاحتياطي النقدي ومن الاقتراض مجدداً فارتفعت الديون العامة.

أما العامل الثاني لتفاقم مديونية البحرين فهو عجز الميزانية العامة. لم تسجل الميزانية العامة أي فائض أو حتى توازن منذ سبع سنوات. تتجه الإيرادات العامة نحو التراجع المستمر في حين لا توجد جهود تستحق الذكر لتقليص الإنفاق العام. قادت هذه السياسة المالية إلى عجز بلغ 1634 مليون دينار في عام 2016.

أدى هذا الوضع إلى الاعتماد على القروض الداخلية والخارجية فارتفعت الديون العامة. ودخلت الميزانية العامة في حلقة مفرغة لم تخرج منها لحد الآن. العجز يفضي إلى تصاعد الاقتراض. وتصاعد الاقتراض يقود إلى ارتفاع الفوائد. وارتفاع الفوائد يؤدي إلى زيادة النفقات العامة. وزيادة النفقات العامة تخلق عجزاً مالياً. وكلما تفاقم العجز المالي ارتفع الاقتراض مجدداً. هلم جرا.

ارتفعت المديونية العامة للبحرين بصورة كبيرة جداً وباتت تشكل خطراً جسيماً على الاقتصاد برمته وبالتالي على حاضر ومستقبل معيشة المواطنين. لم تعد الدولة تقترض لسد العجز المالي والجاري فحسب، بل أصبحت مضطرة للاقتراض بهدف سداد فوائد الديون القديمة. بات من اللازم تحليل تداعيات هذه الأزمة وفرص التصدي لها.