“ليس عمل المثقف أن يشكل الإرادة السياسية للآخرين، يكمن عمله في التحاليل التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات، وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة المقبولة، وإعادة النظر في القواعد والمؤسسات، مع المساهمة – انطلاقاً من عملية إعادة الأشكلة هذه – في تشكيل إرادة سياسية، عليه أن يلعب فيها دوره كمواطن” ميشيل فوكو

عديدة هي المتغيرات التي طرأت على الحياة السياسية والاجتماعية في البحرين بعد ست سنوات مضت على الأحداث التي عصفت بالبلاد منذ أوائل عام 2011.

تبدو البحرين اليوم أبعد عن مسار ديمقراطي كان في أوج حيويته وعنفوانه عام 2001 بعد توافق شعبي كبير على ميثاق العمل الوطني. طوى البحرينيون سنوات طوال بين شد وجذب، لتؤول تفاصيل الصراع إلى أفق مسدود، أفق ألفهُ البحرينيون عام 1999، بعد أفول “الحركة المطلبية” في تسعينيات القرن المنصرم مُخلفةً من ورائها مجتمعاً مقيد الطاقات، بطيء الحركة، محدود التطلعات.

رغم ذلك، يجد المجتمع البحريني –كما هو أي مجتمع آخر- طريقته الخاصة ليتعايش مع الواقع الجديد في البلاد، فالمجتمع في المحصلة هو “توليفة أو تركيبة طبيعية” كما يقول فيرغسون، وهو أيضاً؛ تكوين مرّن يتعايش والبيئة المحيطة به، أيام الرخاء أو الشدة.  والبحرينيون في هذا السياق ليسو استثناء بين مجتمعات أخرى، عاشت وتتعايش في بيئات صراع أكثر احتداماً وعنفاً، في سوريا والعراق وليبيا، وغيرها من الدول ومناطق الصراع.

النتيجة التي تبدو جديرة بالتدقيق، هي أن تعايش البحرينيين مع الواقع الجديد -وبما يشمل جمهور المعارضة نفسه- يأتي بالتوازي مع حالة “جمود” و”تصلب” تغلف خطاب وأدبيات وردات فعل القيادات السياسية في المعارضة، المعتدلة منها والمتشددة، على حد سواء.

ولئن كانت “سلبية” الوضع الراهن واضحة وظاهرة إلى العيان إلا أن لكل طرف من أطراف الصراع تفسيره الخاص في أسباب الوصول إليها. أبرز ما يترشح هنا، هو تطبيق مباشر لثنائية كلاسيكية ورثتها أدبيات السياسة والسياسيين وجل المختصين بعلم الاجتماع كمسلمة لا جدال فيها؛ “الدولة مصدر الشر والمجتمع المدني مصدر الخير” (حسين يوسف بوكبر 2017). وفي المشهد البحريني وكخلاصة لما تمخضت عنه أحداث 2011؛ تستطيع هذه الثنائية أن تقدم نتيجتها: الدولة التي تحتكر العنف، وتملك دعماً إقليمياً ودولياً؛ أغلقت الفضاء العام وأفرغت العملية السياسية من كل اللاعبين، والأفق مسدود أمام أي تحرك جديد.

يقدم هذا التفسير من خلال اختزال النتائج في هذه الثنائية صراع “الخير/ الشر” إجابات مقنعة ومريحة. لكنه تفسير مغلوط وتعبير أشبه ما يكون بالدعاية السياسية للمعارضة والتكريس المقصود لمفهوم شيطنة الدولة والدعوة لاعتزالها والعزوف عنها والتخويف منها (في جمهور المعارضة بوجه خاص)، ولأن الدعاية السياسية بتعبير الكاتب الاجتماعي إريك هوفر “لا تخدع الناس، لكنها تساعدهم على خداع أنفسهم”، تجد المعارضة في مثل هذا الخطاب ما يزيل عن كاهلها مسؤولية ما حدث أو سيحدث. وهو أيضاً، يعفيها عن أي مساءلة ناقدة، أو دعوة للمراجعة.

من جهة أخرى، وباعتبار المجتمع –أي مجتمع- ما هو إلا “أثر” لمجموعة من الممارسات السلطوية التي تتصارع في فضاء الدولة الكبير، يبدو أن التفسير الأقرب للواقعية والأكثر جدية ومسؤولية –إن صح التعبير- في فهم مآلات أزمة 2011 في البحرين أنها ليست سوى نتيجة لمجموع تلك المواقف والممارسات السلطوية بين مختلف الأطراف في البلاد. وعليه، نستطيع القول أن قوى المعارضة بمختلف تشعباتها وعناوينها، والمؤسسات الدينية، والإعلامية (بما فيها كاتب هذه المقالة)، والنخب الاقتصادية والاجتماعية، شريكة في هذه النتيجة، لا كمنفعل بها وحسب، بل وكفاعل أصيل فيها.

لا شك أن تحميل طرف ما المسؤولية الكاملة أو الجزئية عن الواقع الجديد في البحرين سيبقى مساحة جدل لن ينتهي، ولئن توافقت أغلب أدبيات المعارضة وشارعها على تحميل مؤسسة الحكم  كامل المسؤولية يدعم ذلك سجل كبير من الانتهاكات الحقوقية والتراجعات الإصلاحية والاستمرار في سياسات مجحفة تجاه المعارضة وما تبقى من مؤسساتها، يؤكد “المتزن” من أدبيات مؤسسة السلطة بأن الأخيرة قدمت منذ صدور تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في 23 نوفمبر 2011 عديد المبادرات ودعوات الحوار وسلال التسويات التي لم تتعامل معها المعارضة كما ينبغي.

ولئن اختلفت وتباينت التقديرات عن نسب وأحجام مسؤولية كل طرف من أطراف السلط المتفاعلة في هذه الأزمة إلا أن المسلمة التي لا جدال فيها أو عليها، هي أن هذه الأطراف (مجتمعة) هي من أدار مشهد الصراع منذ يومه الأول. وأنها من صنعه، وأنها بالنتيجة، الأطراف المعنية والمسؤولة (مجتمعة) عن تدارك هذه الموقف المأزوم، وتصحيحه.

بطبيعة الحال، تستطيع مؤسسة الحكم -وهو تقدير نسبي أيضاً تحكمه محددات وعوامل عدة- أن تقود مساراً تصحيحاً مماثلاً لمشروع ميثاق العمل الوطني الذي طوى عشرية التسعينات وأوجاعها. لكن ذلك لا يعني البتة، أن تنتظر باقي أطراف الصراع هذه المبادرة، فلا مفر اليوم للمعارضة من تجديد حصيلة أفهامها وأدواتها لتتعايش مع/في هذا الواقع الجديد، وأن تعود إلى الفاعلية فيه بإيجابية ومسؤولية، وبما يساعد على تصحيح مسار العملية السياسية في البلاد.

لا مفر أيضاً، من أن تعيد كل مؤسسات المجتمع المدني (المؤسسات الدينية/ الحقوقية/ الإعلامية/ النخب السياسية والاقتصادية) قراءاتها وحصيلة أفهمامها هي الأخرى لما جرى، وأن تقود عملية تصحيح تتبعها خطوات إجرائية جريئة وشجاعة من شأنها أن تعجل/ تحث/ تشجع السلطة الأكبر –الأسرة الحاكمة– على تصحيح المسار وإعادة العملية السياسية إلى جادة الصواب، وبما يضمن إعادة إدماج شارع المعارضة وضمان حقهم في المشاركة السياسية من خلال كافة المؤسسات الدستورية في البلاد. يرفد ذلك ويقويه تقديم خطاب وطني جديد يعالج وبجدية آثار الأزمة وتداعياتها.

إن بقاء سجل الأزمة مفتوحاً لاستقبال المزيد من الضحايا والخسارات، واستنزاف مستقبل الآلاف من الشباب البحرينيين والأسر البحرينية لا طائل منه. بل هو تعميق لأزمة فضاء حلولها متاح وممكن إن شرع البحرينيون جميعاً في صناعة هذا الفضاء، والاستثمار فيه. وإن الشجاعة في تصحيح المسار لا تقل شرفاً عن الشجاعة في الخصومة.