لم تعد الدول الخليجية ذات الفائض المالي بمنأى عن أزمة الديون الخارجية، فرغم الأرقام الكبيرة التي تحتويها صناديق الثروة السيادية لبعض دول الخليج، إلا أن الدين الخارجي يشهد قفزات كبيرة منذ العام 2013، في ظل استمرار أزمة انهيار أسعار النفط، وسوء الإدارة الاقتصادية لتلك الدول، ومؤخراً دخول دول الخليج في صراع بيني مفتوح، يؤهل لاستنزاف ثرواتها المالية، ويؤدي إلى المزيد من الديون الخارجية.

ولم يعد يخفى على أحد ما ينشر من لجوء الدول الخليجية لطرح السندات الدولية أو الصكوك الإسلامية في الخارج، لتدبير التمويل الخارجي عن طريق القروض، كما أن بعض الدول الخليجية ذات الملاءة المالية الكبيرة تم تخفيض تصنيفها الائتماني مؤخراً كما حدث في السعودية، حيث تم تخفيض تصنيفها من قبل وكالة  فيتش أواخر مارس 2017 إلى (+A ) بدلاً من (– AA)، وذكرت الوكالة أن من أسباب التخفيض استمرار انخفاض أسعار النفط التي تعتبر المورد الرئيس للمالية العامة السعودية، وكذلك تشكك الوكالة في تنفيذ الإصلاح الاقتصادي المعلن عنه.

ووفقاً لأرقام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، فإن الدين الخارجي لدول الخليج في نهاية عام 2013 بلغ 478 مليار دولار، بينما وصل في 2016 إلى 658 مليار دولار، بزيادة تقدر بـ 189 مليار دولار، ونسبة تصل إلى 40%. ويتوقع أن يشهد الدين الخارجي لدول الخليج المزيد من الارتفاع خلال الفترة القادمة، وسنشير إلى أسباب ذلك.

تطور الديون الخارجية لدول الخليج

 يظهر الرسم البياني مفارقات مالية واضحة، فالإمارات صاحبة أكبر رصيد من حيث صناديق الثروة السيادية، والتي تتجاوز أرصدتها بتلك الصناديق 1.2 تريليون دولار، تحتل المرتبة الأولى في الديون الخارجية من بين دول الخليج، وبلا شك أن الواقع يفرض أن تكون تلك الأرصدة المتراكمة بالصناديق السيادية، مصدراً لتدفق الأرباح، وبما يغني الإمارات عن الاقتراض من الخارج، ولكن لا بد أن نذكر هنا أنه على الرغم من أن الاتحاد الإماراتي يضم 6 إمارات، إلا أن الخصوصية المالية لكل إمارة تجعل من ذلك الكيان وكأنه جزر منعزلة وليست كياناً واحداً. ففي الوقت الذي تمتلك فيه أبوظبي ما يصل إلى 750 مليار دولار في صندوقها للثروة السيادية نجد أن دبي تعاني من تفاقم ديونها الخارجية وأنها من أحد أسباب ارتفاع المديونية الخارجية للإمارات، ويعكس ذلك نموذجاً مختلاً للتنمية في دولة الإمارات.

ينسحب هذا الوضع على قطر أيضاً، الدولة التي تملك واحداً من أهم مخرونات الاحتياطي من الغاز الطبيعي عالمياً، كما أنها من أهم الدول المصدرة للغاز الطبيعي. وإذا كان الدين الخارجي في قطر يصل إلى 204 مليار دولار في عام 2016، وهو يمثل قرابة ثلثي رصيد صندوق ثروتها السيادية، فعلى ماذا تراهن قطر؟

إن دخول قطر في ملف تنظيم كاس العالم عام 2022، في ظل تراجع أزمة انهيار أسعار النفط، وضع قطر في مأزق مالي، وإن كانت هناك وفرة أو فارق بين الأصول والالتزامات المالية لصالح قطر، إلا أنه لا يتناسب مع الثروات المتدفقة على تلك الدولة الصغيرة من حيث عدد السكان والمساحة الجغرافية.

ويعد الوضع السعودي الأسوأ من حيث التقويم المالي، حيث إن السعودية تجمع بين ارتفاع الدين الخارجي، وكذلك عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات النقدية، وانخفاض رصيد صندوق الثروة السيادية. ويعود ذلك إلى سوء الإدارة الاقتصادية، وارتباكها في إدارة المشهد الاقتصادي بشكل عام، وفي إدارة أوضاع الميزانية العامة بشكل خاص، ولعل ما تم بشأن المكافآت والبدلات للعاملين بالدولة خير دليل، حيث تم إلغاؤها، ثم عودتها بعد 6 أشهر، ثم إعادتها بأثر رجعي.

 فضلًا عن عدم الاكتراث بالوضع المالي في إدارة الوضع السياسي على المستوى الداخلي والخارجي، بدءًا من الدخول في دعم الثورات المضادة بدول الربيع العربي، ثم قيادة التحالف الخليجي بحرب اليمن، ثم المشاركة في نزاع ممتد مع قطر من خلال المشاركة عالية المستوى في دول الحصار لقطر.

وبالنظر إلى تطور الدين الخارجي للكويت نجد أنه قفز من 34 مليار دولار في 2013 إلى 45 مليار دولار في 2016، بزيادة قدرها 11 مليار دولار، وبنسبة زيادة بين عامي المقارنة تصل إلى 32%.

وقد يخطئ البعض في قراءة وضع الدين الخارجي لدولة مثل البحرين من حيث مقدار قيمة الدين الخارجي، ولكن مؤشر نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي يظهر خطورة الوضع في بعض دول الخليج وعلى رأسها البحرين، وفيما يلي جدول يوضح هذه النسبة لدول الخليج الست.

نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الاجمالي بدول الخليج

الدولة 2013 2016
البحرين 150% 183%
قطر 80% 130%
الإمارات 44% 60%
الكويت 19% 41%
سلطنة عمان 11% 29%
السعودية 11% 17%

وكما هو واضح من بيانات الجدول، فإن كلاً من البحرين وقطر تحققان معدلات عالية الخطورة من حيث نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي، فقد تطورت هذه النسبة في البحرين من 150% في عام 2013 إلى 183% في عام 2016، وكذلك هناك قفزة سلبية واضحة وفق هذا المؤشر لدى قطر، حيث وصلت في 2016 إلى 130% بعد أن كانت 80% في 2013.

وعلى الرغم من زيادة هذه النسبة في وضع الإمارات إلى أنها في حدود السقف الأعلى المسموح به وفق هذا المؤشر وهو 60% في 2016، بعد أن كانت هذه النسبة 44% في 2013. أما باقي الدول وإن كانت تشهد زيادة في نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي إلا أنها في الحدود المسموح بها، وهي دون نسبة 60%.

الأسباب والدلالات

لعل ما يتبادر للذهن في أسباب ارتفاع معدلات الدين الخارجي في وضع دول الخليج بصفة عامة، هو أزمة انهيار أسعار النفط، حيث تعتمد هذه الدول على النفط كمصدر رئيس في إيراداتها العامة، وهذا صحيح، ولكن من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن وضع المالية العامة في دول الخليج، خارج نطاق الرقابة الشعبية، وتتخذ القرارات الخاصة بالدين العام بعيداً عن اعتبارات المحاسبة، أو الرقابة السابقة أو اللاحقة، ومن خطورة هذا الأمر أن متخذ القرار لا يعبأ بتبعاته الاقتصادية والاجتماعية.

ويمكن قراءة التناول الخليجي لإدارة الملفات الإقليمية كأحد أسباب زيادة الدين الخارجي، فلم يكن دعم الثورات المضادة بدول الربيع العربي بلا تكلفة، كما أن الإنفاق على التسليح في ضوء مخاوف الخليج من الوضع الإيراني ومشروعه التوسعي، تساهم في إرباك الوضع المالي للخليج، ثم كانت أزمة حصار قطر لتكرس لتدهور الأوضاع المالية للدول أعضاء الأزمة، وبخاصة الخليجية منها، حيث أن الدول العربية المشاركة في حصار قطر (مصر، وليبيا، واليمن) هي عبء على دول الخليج وتحصل على دعم مادي وعيني بصورة معلنة.

ومع استمرار أزمة حصار قطر، تُجمِّع دول الخليج على نفسها ملفات استنزاف لثرواتها التي تعتمد على النفط بشكل كبير، وفي ظل استمرار أزمة انهيار أسعار النفط، لن يكون المخرج سوى المزيد من الديون الخارجية.