بين حين وآخر، تظهر صيغ مقترحات سياسية في المشهد اليمني، تسربها أطراف الصراع وحلفاؤها الإقليميون، تتمحور بعضها حول تسمية رئيس الجمهورية، منطلقة من كون الخلاف بين الفرقاء اليمنيين على منصب الرئاسة كان سبباً ضمن اختلالات سياسية كثيرة أفضت إلى الحرب الحالية. لا يبدو أن الغرض من هذه المقترحات حل الأزمة اليمنية وإنهاء الحرب، بل فرض هذه القوى لرؤاها السياسية فيما يخص مستقبل اليمن، مستغلة إحباط اليمنيين ومعاناتهم من استطالة الحرب في تخليق بديل سياسي قد يكون أسوأ من الحرب ذاتها.
يُتداول اليوم اسم نجل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، “أحمد علي”، كمقترح لبعض أطراف الصراع كرئيس في مرحلة ما بعد الحرب. وبغض النظر عن التحفظات على نجل صالح، باعتباره أولاً جزءاً من نظام ثار عليه اليمنيون، إلا أننا سنتطرق إلى فرص نجاحه في ضوء تجربته السياسية والعسكرية ومواقف أطراف الصراع اليمنية والإقليمية، وكذلك التحديات التي تعيق توليه للرئاسة.
شكلت بنية الاحتراب الأهلي بين اليمنيين والتدخل العسكري لدول التحالف العربي معادلاً موضوعياً لتعميق الخلاف بين الأطراف اليمنية حول الرئاسة، فمن جهة قوضت الحرب بالنسبة لصالح مكتسبات الثورة اليمنية، بما فيها رفض اليمنيين لتوريث ابنه، إذ خلقت فرصة فرض نجله أحمد كرئيس، وذلك من خلال طعنه بشرعية الرئيس “عبدربه منصور هادي”، الذي استعان بدول التحالف. ومن جهة أخرى، تقاطعت مصالح أجندات أطراف الحرب الإقليمية المتدخلة في اليمن، كالسعودية والإمارات، مع مصالح “صالح” في توريث ابنه.
منذ تدخلها العسكري في اليمن، أدارت السعودية ملف رئاسة الرئاسة اليمنية بازدواجية، فعلى الرغم من حرصها في بداية الحرب على انسجام أدائها مع الأهداف المعلنة لتدخلها كدولة مدافعة عن شرعية الرئيس “هادي” ضد تحالف الانقلابين، إلا أن استطالة أمد الحرب وفشلها في الحسم العسكري، فضلاً عن ضعف السلطة الشرعية في المناطق المحررة، جعل السعودية تخفف من تمترسها خلف مطلب إعادة الرئيس هادي إلى السلطة، وبالتالي انفتحت على المقترحات الأخرى للتسوية، بما فيها التوافق على رئيس غير هادي، فالأهم بالنسبة للسعودية خروجها من المستنقع اليمني بماء الوجه، واحتفاظها بالوصاية السياسية على أي سلطة يمنية قادمة، ومن جهة أخرى فإن الأجندات السعودية في اليمن لا تتعارض مع تنصيب نجل صالح رئيساً لليمن، إذ لا محاذير لدى ملكية كالسعودية في تعيين وريث صالح على السلطة في اليمن، كما أن السعودية بالمجمل وقفت ضد ثورات الربيع والثورة اليمنية بشكل خاص، وبالتالي فإنها ليست معنية بدلالات توريث “أحمد علي” باعتباره انقلاباً على الثورة اليمنية، إضافة لكون تنصيب “أحمد علي” يعني للسعودية استئناف علاقتها مع صالح، حليفها القديم الذي خدم مصالحها في اليمن لعقود.
على العكس من السعودية، بدت الإمارات أكثر وضوحاً في مقاربتها لملف الرئاسة، فمنذ تدخلها العسكري، حرصت الإمارات على تحقيق أجنداتها في جنوب اليمن بعيداً عن بقاء الرئيس هادي في السلطة من عدمه، إلا أنها عمدت في البداية إلى تطمين الرئيس هادي، عبر الترويج الإعلامي لفرضها الإقامة الجبرية على “أحمد علي”، نجل صالح الذي كان سفيراً لليمن لديها، لكن عداءها لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن (حزب التجمع اليمني للإصلاح)، واتهامها لهادي بتمكينهم سياسياً، أدى إلى دخولها بشكل مباشر في مواجهات عسكرية مع القوى التابعة للرئيس هادي، كما عمدت إلى تأهيل قوى جنوبية تنادي بالاستقلال لمنازعة مشروع هادي في دولة يمنية اتحادية.
من جهة أخرى حركت الإمارات ورقة نجل صالح كرئيس مستبقلي لليمن، الذي تحول من ورقة محلية في يد صالح إلى ورقة إقليمية إماراتية بالدرجة الأولى، ويمكن اعتبار أن الأجندة الإماراتية في اليمن المستفيد الإقليمي الأول من تنصيب أحمد رئيساً لشمال اليمن، لضمان تمكين سلطة جنوبية في جنوب اليمن موالية لها.
تتعدد التحديات التي تواجه مخططات تولي نجل صالح للرئاسة، من عناصر ذاتية في شخص “أحمد علي”، وكذلك مواقف وأجندات القوى المحلية اليمنية المؤثرة، فمن جهة لا يشكل “أحمد علي” ثقلاً سياسياً أو عسكرياً في المشهد اليمني يؤهله لتولي الحكم، فعلى الرغم من تكريس صالح لتحالفاته السياسية والقبلية طيلة حكمه، بما فيها تشيكل وحدات عسكرية كالقوات الخاصة والحرس الجمهوري، وتعين نجله على رأسها، وكذلك نقل ولاءات الجهاز الإداري للدولة، وداخل أوساط حزبه من شخصه إلى ابنه، إلا أن الولاء داخل الجهاز الاداري للدولة وكذلك داخل المؤتمر الشعبي ظل مقتصراً على صالح، كما أن انتماء أحمد لمؤسسة الجيش لم يغير من حقيقة كونه لا يحظى بتأييد القيادات العليا في الجيش التي تجد نفسها أكثر أهلية وخبرة من نجل صالح، وبالتالي فإن أحمد علي، بعيداً عن كونه نجل صالح، لا يمتلك مقومات تمكنه من الرئاسة، فحتى مع نفوذه في الحرس الجمهوري فإن هذا النفوذ قام على المخصصات المالية المرتفعة التي كان يمنحها صالح للحرس الجمهوري.
تشكل جماعة الحوثي تحدياً حقيقاً أمام نجل صالح، فعلى الرغم من انقلابها على السلطة الشرعية، الأمر الذي خلق تقارباً بينها وبين حليفها صالح خاصة في موقفهما من الرئاسة اليمنية وعدائهما التقليدي لشخص الرئيس هادي، إلا أن جماعة الحوثي، التي تتفق مع صالح في منازعة مشروعية هادي، لا ترى في نجل صالح بديلاً مؤهلاً لحكم اليمن، وأنه ليس سوى يد صالح. بامتلاك جماعة الحوثي لنفوذ في الجيش يضاهي نفوذ صالح، وعملها طيلة الحرب على دس عناصرها في قوام الجيش، تدرك الجماعة أن الحرب تماماً كالثورة اليمنية أسقطت شرعية التوريث، وخلقت شرعية القوة التي تدعمها تحالفاتها الإقليمية التي قد تضمن لها حصتها من الكعكة، بما في ذلك منصب الرئاسة.
تبرز قوى الثورة اليمنية، كالأحزاب اليمنية على اختلاف أيديولوجياتها السياسية، كقوة اجتماعية وسياسية في وجه مشاريع توريث نجل صالح، فمن جهة تمثل مضامين التوريث ردة على مبادئ الثورة اليمنية، ومن جهة أخرى، وعلى عكس محاولة تلميع نجل صالح، يُتهم “أحمد علي” بقتل شباب الثورة من خلال الحرس الجمهوري، كما تقف القوى المحلية المقاتلة كالمقاومة الشعبية المدافعة عن شرعية هادي كقوة حقيقية معرقلة لمشروع تولي نجل صالح للسلطة في اليمن.
بين فرص نجاح نجل صالح والتحديات التي تعيق وصوله إلى سدة الحكم، تقف خيارات الدول المتدخلة في اليمن كمحدد عام لمستقبل البلاد ورئيسها القادم، حتى لو كانت هذه الخيارات على الضد من آمال اليمنيين وإرادتهم، إلا أن ما لا تدركه أطراف الصراع اليمنية والقوى المتدخلة بأن الحرب وأقلمة الصراع خلقا مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية تتجاوز في تعقيداتها “عقدة” الرئاسة اليمنية، ومن ثم فإن تسوية لمنصب الرئاسة لا بد أن تأتي ضمن مصفوفة حلول سياسية وطنية يمنية، يتفق عليها اليمنيون أولاً لحل المشكلة ككل.
يدرك غالبية اليمنيين أن مشاريع توريث نجل صالح سقطت قبل سنوات كثيرة، وأنه ليس سوى طرف في الصراعات السياسية التي أفضت للحرب كمعظم القيادات العسكرية اليمنية، فيما يحلم اليمنيون برئيس يمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، رئيس لا تخلقه الفرص ولا التحالفات السياسية القديمة ولا المصالح الإقليمية في اليمن.