قبل التطرق إلى الموقف الأوروبي من الأزمة الخليجية، من الواجب معرفة الروابط وشبكات المصالح بين الطرفين، والتي بناء عليها يمكن توقع وقراءة المواقف ومعرفة الرؤى.
الخليج شريك أساسي واستراتيجي لدول الاتحاد الكبرى، فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وتتنوع أنماط العلاقات بينها تحت الأطر الاقتصادية، والتبادل، والتعاون الأمني والعسكري على اختلاف حجم شراكات الدول الثلاث الكبرى مع نظائرها في الخليج، وتحديداً في طرفي الأزمة الخليجية السعودية والإمارات من جانب، وقطر من جانب آخر.
وطبقاً لما يمكن رصده من مواقف وتصريحات وتحركات أوروبية، سواء على مستوى الهيكل التنظيمي للاتحاد أو على مستوى الدول منفردة، ينتج عنه بيان الخط العام للتوجه الأوروبي ومدى قدرته على التدخل الإيجابي أو السلبي، ومن ثم تأثر مصالحه والتي هي بالأساس هي المحرك الأول له.
ألمانيا الدولة المحورية الكبرى في أوروبا، بدت أولى الدول الأوروبية استجابة للأزمة الخليجية، وصدرت خطابها بالحياد وعدم تغليب كفة أحد الطرفين لاسيما أنها شريك تجاري لكلٍ من قطر والسعودية والإمارات. في بداية الأزمة استقبلت وزيري الخارجية القطري والسعودي، واستمعت للطرفين، داعية للحوار، وعرضت في أول الأمر الوساطة غير أن الأمر اتسم بوجود مواقف مختلفة بين المعارضة الألمانية والحكومة الاتحادية. كل منهم له رؤيته تجاه قطر والسعودية بالخصوص، إذ لم تقتنع المعارضة الألمانية باتهام دول المقاطعة لقطر بكونها فقط من تمول الإرهاب، معتبرة مزاعم السعودية حول تمويل قطر للإرهاب أمراً مشكوكاً فيه. بل طالب خبير الشئون الخارجية في حزب الخضر الألماني أوميد نوريبور بوقف توريد الأسلحة الألمانية إلى السعودية كون الرياض من يمول السلفيين المتواجدين في ألمانيا، وهو الاتهام الذي وجهته المعارضة الألمانية للسعودية، وبنت عليه عدم اقتناعها بمزاعم السعودية في تمويل قطر للإرهاب.
وعبر الشهرين الماضيين كثف وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل مباحثاته للوساطة وحل الأزمة، مستقبلاً في أول أيام المقاطعة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ومبدياً ضرورة الحوار مع قطر وإنهاء الحصار، ثم أعقب ذلك بجولة خليجية شملت أطراف الأزمة بالإضافة لدولة الكويت دعماً لوساطتها.
لم تتوقف ألمانيا عند الجهود الدبلوماسية فقط، بل تعدت كونها على الحياد إلى تبنيها موقفاً أقرب إلى دعم قطر، مترجمة ذلك الدعم اقتصادياً بصفقة الأبقار الألمانية في الأسبوع الثانى من يوليو 2017.
موقف ألمانيا له عدة أسباب يمكن من خلالها ترجمته، برزت تدريجياً من رفضها مزاعم السعودية مروراً بعرض الوساطة ودعم وساطة الكويت، إلى وصول أول دفعة من الأبقار الألمانية إلى قطر. أولى الأسباب هي المصالح الاقتصادية، فرغم قوة العلاقات الاقتصادية الألمانية الخليجية بصفة عامة إلا أن حصار قطر له تبعاته الأخطر على الاقتصاد الألماني، حيث يقدر حجم الاستثمارات القطرية في ألمانيا بحوالي 25 مليار يورو، وتمتلك قطر 17% من الأسهم الاساسية لشركة فولكسفاجن ما يسمح لها بتواجد مراقبين في مجلس الإدارة. حجم الصادرات الالمانية لقطر تشكل 2,5 مليار يورو مقابل 1,2 مليار يورو حجم الاستثمارات الالمانية في السعودية، فيما يصب التبادل التجارى بين الإمارات وألمانيا لصالح الميزان التجاري الألماني، ما يعني أن محاصرة قطر تضر بالاقتصاد الألماني جراء ارتفاع تكلفة النقل بعد إغلاق الإمارات موانئها كمحطة ترانزيت للتجارة القطرية.
السبب الثاني يتمثل في رغبة الألمان بإيجاد موقف أوروبي خارج سياق الموقف الأمريكي الذي يبدو منحازاً إلى الجانب السعودي، خاصة بعد صفقات الأسلحة الأخيرة. كما أن واشنطن على خلاف مع الاتحاد الأوروبي في مسائل عدة منها اتفاقيات التجارة الحرة واتفاق باريس للمناخ.
مع بدايات الأزمة الخليجية كانت بريطانيا معنية بالانتخابات الداخلية المبكرة في الثامن من يونيو 2017. ولم يكن مضى على بداية المقاطعة الخليجية لقطر سوى ثلاثة أيام اكتفت خلالهم بريطانيا باتصالات هاتفية تدعو فيها الأطراف إلى تهدئة الأجواء والجلوس على طاولة الحوار. وبعد فترة، بدأت لندن تستعيد مسارها الجديد خارج الاتحاد الأوروبي، وتحولت من مراقب محايد للمشهد في الخليج إلى وساطة بطيئة الحركة تدعم في ذات السياق جهود الكويت. تمثل ذلك في زيارة وزير الخارجية بوريس جونسون في الأسبوع الثاني من يوليو لدولتى قطر والكويت، سبقتها تصريحات على لسان الوزير اكتفى فيها بمطالبة قطر بالاستماع إلى مطالب جيرانها. الموقف البريطاني متوقع مع كونها ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية مؤثرة مع السعودية، فهي الحليف الأهم للأخيرة في عاصفة الحزم والمورد الرئيسي للأسلحة في حرب اليمن. قبالة ذلك تعتمد بريطانيا على الغاز القطرى بنسبة 30% من احتياجاتها من الغاز، الأمر الذي يجعل بريطانيا تنتظر دون أن تصطف بشكل مباشر مع أحد الأطراف دون الآخر، إذ تنتظر بريطانيا من مجلس التعاون الخليجي شراكة بديلة تعوضها عن خروجها من الاتحاد الأوروبي.
فرنسا الدولة الثالثة في أوروبا هي أيضاً معنية بأزمة دول الخليج وتعد الأكثر نشاطاً في الوساطة رغم كونها الأقرب للطرف السعودي – الإماراتي كونها ترتبط بعلاقات اقتصادية هامة مع السعودية وتعاون عسكري وأمني مع الإمارات توج عام 2008 بإنشاء القاعدة العسكرية الفرنسية في الإمارات، غير أن فرنسا لم تعلن وقوفها بجانب الدول المقاطعة لقطر، وتبنت دوراً فاعلاً في الوساطة، داعية إلى رفع الإجراءات التي تمس المدنيين في قطر جراء الحصار المفروض من قبل الدول العربية الأربع عليها، وهو ما تجلى في تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان إيفل ودريان حول عدم التصعيد في المنطقة، تجنباً للمزيد من التوتر في المنطقة.
اتسم الموقف الأوروبي ببراغماتية بحتة، ولم تخرج المواقف الثلاثة عن اعتبار قطر شريكاً أساسياً في محاربة الإرهاب وليس داعماً له حسب المزاعم التي اندلعت الأزمة بسببها.