استبقت الأحزاب والتيارات السياسية في العراق الموعد (المحتمل) للانتخابات النيابية المقبلة في العام ٢٠١٨ بتحضيرات تجاوزت هذه المرة الوعود الانتخابية بالمعنى الشكلي إلى تغييرات بنيوية على مستوى إعادة الهيكلة أو انبثاق أحزاب جديدة أو حتى الانقلاب على الخطاب وتغيير الوجوه. ولأن غالبية هذه الأحزاب مرتبطة بالمشروع السياسي الذي جاء به الاحتلال الأمريكي للعراق في العام ٢٠٠٣، بكل ما حمله من خذلان وتردٍ وفشل وغياب مزمن للأمن والخدمات، فإنها لم تتوان عن استخدام الممكن وغير الممكن في سياسة تبديل الجلود، وهي تُمنّي النفس في تجاوز لحظة مفصلية وفارقة أوجدها التبدل الملحوظ في المزاج الشعبي العراقي تحت تأثير إحباط جمعي من تكرار الوجوه ذاتها بتراكماتها هائلة السلبية، بالإضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية التي ستجعل من انتخابات ٢٠١٨ (إن أُجريت) لا تشبه بالمطلق انتخابات العام ٢٠١٤ أو ما سبقها.

أحزاب أم ماذا؟!

ومع كل التناقضات الداخلية والبينية التي تزدحم بها اللغة الشعاراتية لخطابات هذه الأحزاب، فإنها تشاطر بعضها البعض في عديد المشتركات، مثل:

  • ضعف البنية التنظيمية الداخلية لهذه الأحزاب وهشاشتها، وضبابية آليات صنع القرار الداخلي التنظيمي منه والسياسي.
  • غياب الأيديولوجية الواضحة، والأدبيات السياسية، وتماهيها بشكل براغماتي مفضوح مع المستجدات، لدرجة يصعب معها فرز هذه الأحزاب تحت أي تصنيف أيديولوجي، فلا هي دينية ولا هي مدنية، مثلما أنها ليست بالمطلق وطنية لجهة النشأة والتأسيس، أو المرجعية الفكرية.
  • فوضوية الأدبيات والبرامج السياسية، واقتصارها على حزمة من الوعود الانتخابية الهلامية والمجانية غير القابلة للتنفيذ، التي تعود وتسوّقها لجماهيرها (الافتراضية) في كل مناسبة انتخابية، ولا تجد حرجاً في التملص منها فيما بعد.
  • هي في الواقع، أحزاب بلا قيادات كاريزمية قد تعوض غياب البرامج والأدبيات، ليس هذا وحسب، بل أن زعاماتها أصبحت بالجملة والمفرق مادة دسمة لكل ما هو ساخر وناقد.
  • تُلاحق (وعلى نطاق واسع) أغلب أحزاب العملية السياسية، فضائح الفساد الكبرى، والثراء على حساب المال العام، وتشكيل لجان اقتصادية حزبية تعمل خارج المنظومة المؤسساتية للدولة، تجبي لها الأموال بشكل غير قانوني، بصور عمولات ورشى وصفقات مشبوهة.
  • ولعل أبرز مشتركات هذه الأحزاب تورطها السافر في مستنقع العنف الدامي الذي يأن تحته الشارع العراقي منذ ١٤ عاماً، فالغالبية العظمى لهذه الأحزاب تمتلك أذرعاً مسلحة وقوى ميليشاوية علنية أو سرية، تُمارس وظيفة معادل الرعب ضد الخصوم السياسيين أو لمسك الأرض وبسط النفوذ، في حالة غير مسبوقة من الحرب الداخلية المفتوحة.
  • تتقاسم هذه الأحزاب (ومنذ مجلس الحكم الذي أسسه الحاكم الأمريكي للعراق برايمر ومروراً بكتابة الدستور، وتشريع مختلف القوانين والأنظمة) النفوذ والمناصب والتعيينات الحكومية والهيمنة المطلقة على مقدرات الدولة والمجتمع، وتمنع بشكل سافر، القوى أو الشخصيات من خارجها عن لعب أي دور مهما كان حجمه وتأثيره، وما إصرارها على إجراء الانتخابات وفق نظام (سانت ليغو)، إلا تكريس لهذا النوع غير المسبوق من احتكار السلطة.

بماذا تستقوي الأحزاب في العراق؟

ومع كل هذا، فإن حالة الاستقواء الحزبي هذه لم تأت من فراغ، بقدر ما فرضتها ظروف موضوعية ساعدتْ هذه الأحزاب على الصمود أمام المستجدات والتمدد والتغول على مؤسسات الدولة والمجتمع، بالشكل والمحتوى والآلية التي يندر وجودها في بلد آخر غير العراق، منها مثلاً:

  • طبيعة النظام السياسي المحاصصي في عراق ما بعد العام ٢٠٠٣.
  • ضبابية الدستور العراقي للعام ٢٠٠٥، الذي كتبته هذه الأحزاب مُفصلاً على مقاساتها.
  • لا شفافية للعملية الانتخابية التي تديرها مؤسسة مُحاصصية أخرى هي المفوضية العليا للانتخابات، يقودها أشخاص مُعيّنون من قبل هذه الأحزاب أيضاً.
  • الموقف الإقليمي والدولي المتوزع بين الصمت والتواطيء، على استمرار الفشل في إدارة دولة مهمة في محيطيها الإقليمي والدولي، وضياع مواردها في ظل منظومة فساد مُحكمة وقوية.
  • اتساع نطاق الفساد الذي وفر مناخاً ملائماً ومالاً سياسياً سهلّا الهيمنة الطاغية لهذه الأحزاب على مقاليد الأمور في البلاد.

نُذر الاختبارات الجدّية!

وبرغم كل هذه (الأريحية) التي تشعر بها أحزاب السلطة، فإن استحقاقات من نوع آخر، يبدو أن العملية السياسية برمتها وليس فقط أحزابها، تستشعر خطرها، وتعد العدة لتجاوزها، فانتخابات العام المقبل تحمل معها نُذر اختبارات جدّية تَسْوُقها المتغيرات الإقليمية والدولية إلى الداخل العراقي، وهي التي تمثل الحافز الأهم لدى هذه الأحزاب في محاولة إعادة تقديم نفسها، وأهم هذه المتغيرات:

  • غموض الموقف الأمريكي إزاء العراق، وميل إدارة الرئيس الأمريكي ترمب، وعلى الرغم من كل (الإزعاجات) الداخلية التي تواجهها، إلى إحداث خلخلة في موازين القوى في منطقة الشرق الاوسط، مستهدفة صراحة وضمناً النفوذ الإيراني، وإن كانت إلى الآن تضع في أولى أولوياتها طَي صفحة (داعش) فكراً وتنظيماً.
  • المقاربة السعودية الجديدة في التعاطي مع الملف العراقي، السعودية التي ظلت طيلة ١٤ عاماً حائرة في الكيفية التي تتعامل بها مع (عراق جديد)، يهيمن على حكمه حلفاء إيران مُنازعِتها اللدود على النفوذ في المنطقة، تتلمس (ومنذ بزوغ نجم ولي عهدها الشاب محمد بن سلمان) طريقاً جديداً يعتمد الاحتواء التدريجي لرموز التشيع السياسي في العراق، جنباً إلى جنب مع مَنْ ظلت تعتبرهم حلفاء تقليدين لها في الشق السني السياسي من المشهد العراقي. الرياض في النهاية تريد عراقاً تضمن (ولو جزئياً) حياده، إذا ما اندلعت أية مواجهة محتملة بينها (بالأصالة أو النيابة) وبين إيران.
  • تفجّر الأزمة الخليجية بين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومعهم مصر من جهة، وقطر من جهة ثانية، حمل معه بوادر استقطابات خليجية أكثر استعداداً لتقديم التنازلات مقابل الحصول على الحلفاء، وفِي مُقدمهم العراق بثقله الجيوسياسي، وإمكانية توظيف بعض أطرافه، في أي من مراحل توقع تصاعد الأزمة.
  • إيران المضغوطة في الإقليم والموزعة الانشغالات بين العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، والتي كانت تُمنّي النفس في أن يخفف اتفاقها النووي مع القوى الكبرى من الضغط الدولي عليها، تجد نفسها اليوم أمام تحول نوعي في التعامل الغربي معها تجاوز الاعتراض على السياسات، إلى مطالبات علنية بتغييرات في بنية النظام نفسه، ليس عابراً على الإطلاق ذلك الاحتفاء الذي حظي به المؤتمر السنوي لمنظمة مجاهدي خلق، الذي عقد في باريس في الأول من يوليو ٢٠١٧، أو حتى الحميمية الملحوظة في التعامل الدولي مع الملف الأحوازي.
  • إسرائيل هي الأخرى ليست بعيدة (وهي التي عملت في العراق طيلة السنوات الماضية بالخفاء أو عبر وكلاء) لديها أيضاً مقاربتها (في ظل سعيها المُعلن لأن تكون إحدى الفواعل الرئيسة في المنطقة، بالتعاون مع عدد من الدول العربية السنية “المعتدلة والعاقلة” بحسب وصف وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرّا)، التي تريد من خلالها الوصول إلى طبقة سياسية عراقية، لا تخضع للتأثير الإيراني.

أحزاب متشابهة وانشقاقات متعددة

ومهما يكن، فإن الانشقاقات وإعادة التموضع لا يحتكرها حزب دون آخر، بل ربما هي احدى سمات العملية السياسية في بلاد الرافدين:

  • حزب الدعوة: فضلاً عن الانشقاقات الداخلية التقليدية التي شهدها منذ تأسيسه في العام ١٩٥٧، سواء ما يتعلق منها بانشقاق جناح حزب الدعوة / تنظيم العراق، أو حتى انفراد أمينه العام السابق إبراهيم الجعفري وتأسيسه لتيار الإصلاح الوطني في العام ٢٠٠٨، فإنه مُقبل (كما يبدو) على انشقاق من العيار الثقيل، (بطله) رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي ضاق بمماحكات نوري المالكي من جهة، ولا يريد أن يمتطي سواه حصان النصر على “داعش” من جهة أخرى، ولن يكون مفاجئاً لأحد أن يخوض حزب الدعوة الانتخابات المقبلة بحزب الدعوة (أ) بزعامة المالكي وحزب الدعوة (ب) بقيادة العبادي.
  • المجلس الإسلامي الأعلى: أو ما كان يعرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأسس في إيران في العام ١٩٨٢، وانشق عنه لاحقاً جناحه العسكري فيلق بدر، الذي حصل في انتخابات العام ٢٠١٤ على ٢٢ مقعداً في مجلس النواب، وجاء الانشقاق الأخير في 24 يوليو 2018 ، عندما أعلن وريث زعامته عمار الحكيم عن تأسيس ما أسماه (تيار الحكمة) نافضاً يديه من الحرس القديم الذي ظل تحت مسمى (المجلس الإسلامي الأعلى)، لكن في كل الأحوال يظل هذا التشكيل (ومهما تشظى) قابلاً للضبط إيرانياً، مع أقرب استحقاق انتخابي.
  • الحزب الإسلامي العراقي (إخوان مسلمون): والذي تأسس في العام ١٩٦٠، وشهد هو الآخر انشقاقات متوالية قبل وبعد اشتراكه في العملية السياسية، وطغت البراغماتية على معظم الانشقاقات التي شهدها هذا الحزب، وليس آخرها إعلان رئيس مجلس النواب سليم الجبوري عن ابتعاده عن الحزب الذي ظل لسنوات قيادياً فيه بل ونائباً لرئيسه، وتأسيسه للتجمع المدني للإصلاح.
  • الاتحاد الوطني الكردستاني: أحد أهم الأحزاب الكردية في العراق، تأسس في العام ١٩٧٥، ويشهد مسلسلاً متواصلاً من الانشقاقات أصبحت سمة طاغية على مسيرته، أبرزها انبثاق حركة التغيير الكردية بزعامة نوشيروان مصطفى في العام ٢٠٠٧، ومن ثم تشظيه إلى أجنحة متعددة مثل (مركز القرار) بزعامة كورست رسول وبرهم صالح الذي أُعلن عنه في العام ٢٠١٦، وبقاء الجناح الآخر للحزب تديره هيرو الطالباني، زوجة الزعيم التاريخي للحزب جلال الطالباني، وهو الجناح الذي تنازعه أيضاً أجنحة فرعية أخرى.
  • ولم يسلم التيار الصدري هو الآخر من ظاهرة الانشقاقات، حيث ولدت عصائب أهل الحق (كفصيل مسلح أو حركة سياسية) من رحم هذا التيار، في واحدة من أكثر حركات الانشقاقات دراماتيكية في المشهد السياسي العراقي.
  • وشهدت أحزاب صغيرة أخرى انشقاقات مماثلة كالمؤتمر الوطني، الذي انشق عنه انتفاض قنبر في مواجهة آراس حبيب الذي تولى زعامة هذا التنظيم بعد وفاة مؤسسه أحمد الجلبي، وكذا الأمر بالنسبة لحزب الفضيلة الشيعي الذي تأسس بعد العام ٢٠٠٣، حيث انشق أمينه العام السابق نديم الجابري نائياً بنفسه عن الإسلام السياسي، مدافعاً عن قيم المدنية والليبرالية.

انشق المنشقون، وماذا بعد؟!

من منظور استشرافي، فإن انشقاقات الأحزاب في العراق، لن تؤول بالمنظور العام إلى تغيرات ملموسة في الواقع السياسي، هؤلاء الشركاء السياسيون يأكلون من حصة بعضهم البعض لا أكثر ولا أقل. يزاحم المنشقون مَنْ انشقوا عنهم في ذات المساحة المُستحوذ عليها أصلاً، وهو أمر تكرر مراراً في مناسبات مختلفة عندما عادت ذات الأحزاب الفرعية لتلتئم مع تشكيلاتها الأم وتكّون تكتلات برلمانية أوسع وهكذا.

أن تتحول هذه الانشقاقات إلى نوع من الفلتان غير المُسيطر عليه من قبل القوى الإقليمية والدولية الداعمة لهذه الأحزاب والمنشقين عنها، هو أكثر السيناريوهات مدعاة للقلق، لا سيما مع امتلاك كل حزب لجناح مسلح، ولاحظنا كيف كانت تبعية ميليشيا (كتائب عاشوراء) إحدى أبرز نقاط التوتر بين تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم المنشق عن المجلس الأعلى، وهو يصفي تركته مع من تبقى من المجلس الأعلى نفسه، والأمر أكثر حدة بين عصائب أهل الحق التي انشقت سابقاً عن التيار الصدري وسرايا السلام الجناح المسلح لهذا التيار.

لكن قوة المتغير الإقليمي والدولي ستكون هذه المرة أكثر حضوراً واتضاحاً، فمثلما تجهد السعودية نفسها لإعادة رسم الخريطة السياسية العراقية اعتماداً على استقطابات جديدة تتجاوز سُنة العملية السياسية إلى شيعتها، وعربها إلى كردها، فإن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تراقب في عين المكان التحركات السعودية لحظة بلحظة ومتغيراً بمتغير. الأمر بدا أكثر وضوحاً في لجم الإيرانيين لعمار الحكيم المنشق حديثاً عن المجلس الإسلامي الأعلى، عن نيته التقارب مع السعودية، حتى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لن يستطيع المضي بعيداً في التأسيس لعلاقة من نوع ما مع السعودية خارج المديات المتاحة إيرانياً.

الأمريكان، من جانبهم، سيتدخلون في الوقت المناسب لدعم مرشحهم المفضل (لغاية الآن) حيدر العبادي على رأس تكتل سياسي واسع يضمه بالإضافة إلى علاوي والصدر والبارزاني، في إطار سعيها لولادة تيار حكم معتدل في بغداد يكون متماهياً بهذا الشكل أو ذاك مع الحلف العربي الأمريكي في المنطقة، ويتطابق مع رغبة واشنطن في التخلص من، أو تحجيم، الحشد الشعبي. يقابل كل هذا سيناريو إيراني مضاد يتمحور على التخلص من العبادي لحساب رجلها المجرب نوري المالكي في تحالف يشترك به معه الحكيم وحزبيه الجديد (الحكمة) والقديم (المجلس الأعلى) بالإضافة إلى قوى في الحشد الشعبي وأجنحة من بقايا الاتحاد الوطني الكردستاني.

كما أن سيناريو (تقارب) سعودي إيراني في الملف العراقي تحديداً دون غيره، يظل وارداً، في حال لم يقم الأمريكان بما يجب تجاه إيران، ستجد السعودية نفسها أمام مخرج واحد، سبق وأن كُتب لها فيه سابقاً النجاح في لبنان، عندما اجتزأته من محاور الصراع الأخرى في المنطقة وعقدت بشأنه صفقة منفصلة مع إيران.

وهي الفرضية التي لم يستبعدها رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية وزير الخارجية الأسبق كمال خرازي، عندما قال لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “أرنا” (رغم تسعير الأزمة مع السعودية، فإن إيران مستعدة لإجراء الحوار معها).

وأخيراً، فإن الانشقاقات الحزبية من حيث كونها شأن نخبوي يمارسه أقطاب السلطة في العراق، لن يُسمع له صدى بين أوساط شعب أرهقته عاديات الزمن، وأتعبته الصراعات والحروب كما أنهكته عملية سياسية صاخبة مأزومة، أصبحت هي المشكلة، بدلاً من أن تكون الحل، وعجزت (بأحزابها ومتحزبيها) لا عن بناء دولة فحسب، بل وحتى عن توفير أبسط مقومات الحياة، فالعراقيون اليوم (وكما يحلو لهم التندر) بحاجة ماسة إلى التيار الكهربائي، أكثر من أي تيار آخر سياسياً كان أو غير سياسي!