لم يمر أكثر من شهر على زلزال الخليج الأول بانفجار الأزمة القطرية، حتى شهدت المنطقة زلزالاً ثانياً لا يقل خطورةً ولا تأثيراً وتداعيات، على إثر انهيار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
وإذا كان الزلزال الأول مفاجئاً للكثيرين، إلا أن الزلزال الثاني لم يكن كذلك، بل متوقع الحدوث. الخلاف كان فقط في التوقيت، فالتنظيم هو نتاج “زواج” قام على تقاطع مصالح قوى محلية، من بقايا حزب البعث الحاكم سابقاً؛ وقوى إقليمية ودولية كانت تراهن في تحقيق مصالحها على استمرار العنف وشيوع الفوضى والانهيار الأمني العام.
تحرير الموصل من قبضة “داعش” حدثٌ بلاشك كبير، وستكون له تداعياته الواسعة محلياً وإقليمياً ودولياً. فـالتنظيم أعلنها عاصمةً لـ”دولة الخلافة”، وراهن على تحصينها لتبقى عصية على الاسترجاع إلى حضن الوطن العراقي. وقد بدأت مفاعيل الحدث تتبلور باتجاه خلق شعور عام بالوحدة الوطنية، والعودة تحت ظلال العلم العراقي، بعدما عصفت الانقسامات الطائفية السابقة بأرض الوطن. تجربة اجتماع غالبية العراقيين على هدف واحد (محاربة داعش) والنجاح في دحره، وفّر أرضيةً صالحةً للانتقال إلى مرحلةٍ من التوافق الوطني بعد حالة من الفرقة والضياع منذ العام 2003.
الحدث كانت له أيضاً تداعياته السلبية عراقياً، حيث لوّح رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني بإجراء الاستفتاء على استقلال كردستان، دون أن يخفي أنها محاولة لاستغلال الظرف الاستثنائي لفرض أمر واقع جديد على العراقيين، مع التهديد بأن البديل لرفض الاستقلال هو جولات جديدة من الدم.

تركيا وضريبة التدخلات

إقليمياً، سيكون لزالزل إسقاط “داعش” تداعيات خطرة ستزداد وضوحاً مع الأيام، وخصوصاً لدى الدول المجاورة التي تعاطت مع المسلحين ميدانياً، سواءً في العراق أو سوريا. فتركيا التي كانت تقارير الإعلام الغربي تؤكد أنها كانت ممراً لتسعين في المئة من المقاتلين، ازدادت سياستها تخبطاً، وموقفها تعقيداً، خصوصاً مع اضطرارها للاصطدام مع الأكراد، ليس حزب العمال الكردستاني في سوريا الذي تعتبره تنظيماً إرهابياً فحسب، بل حتى مع البرزاني الذي كان أحد أهم حلفاء إردوغان في المنطقة.
ولمعرفة مدى التقلب في الموقف التركي، يمكن أن نعود بالذاكرة إلى الوراء، حيث كانت السياسة التركية تشجّع البرزاني على الاستقلال عن بغداد كهدف استراتيجي، لنقارنه بآخر تصريح لإروغان، 17 يوليو 2017، عبّر فيه عن رفضه للاستفتاء، واعتبره عملاً “غير مسؤول” و”خطأً فادحاً” يهدد وحدة العراق والمنطقة لا تحتمله. وبذلك يجد نفسه لأول مرةٍ منذ سنوات، متفقاً مع الموقف الإيراني والسوري والعراقي، خوفاً من ارتداد الاستقلال على أكراد تركيا، بينما كان يمعن في التدخل في شؤون البلدين العربيين، ومحاولة فرض إرادته باستخدام القوة والتدخل العسكري.
تركيا من أكثر البلدان تعرضاً للمخاطر جراء انهيار “داعش”، فإلى جانب حدودها الجنوبية التي كانت مفتوحة أمام المقاتلين الأجانب، ويمكن أن تصبح طريقاً للهرب، فإن هناك آلاف الأتراك الذين التحقوا بصفوف “داعش” وأخواتها، والبيئة الاجتماعية الحاضنة للإرهابيين في المدن الحدودية التي توفّرت نتيجة سياسة التدخل التركية. عودة هؤلاء إلى مناطقهم يحمل معه الكثير من الأخطار التي باتت تتحسب لها الدولة التركية.

من الأردن إلى الخليج

الأمر نفسه يُقال عن المتطوعين الذين خرجوا من الأردن أو لبنان، أو غيرها من الدول العربية المجاورة أو البعيدة عن مناطق التماس، للالتحاق بصفوف التنظيمات القتالية منذ بداية الأزمة السورية، ولاحقاً بصفوف “داعش”. فهؤلاء الذين خرجوا بالآلاف، سيعود منهم المئات إلى بلدانهم، وسيشكلون تحديات أمنية كبرى لأنظمة الحكم، لما يحملونه من أفكار تكفيرية ومواقف متشددة. وإذا كان بعضهم قد مزّق وثائق السفر قبل سنوات، بعد التحاقه بتنظيم الدولة، إلا أنهم لن يُعدَموا وثائق سفر أو تأمينَ طرقِ عودة، مع ما يحملونه من تجارب قتالية وأفكار عنفية تقوم على القتل والإقصاء.
ليست هناك أرقام رسمية عن المواطنين الخليجيين الذين التحقوا بهذه التنظيمات، وإن كانت بعض التقديرات تقدّرهم بالمئات، والتفكير في عودتهم أمر مقلق، خصوصاً في هذا الظرف الذي يشهد الخليج أزمةً غير مسبوقة بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون.

جماعات وظيفية متنقلة

زلزال انهيار “داعش” ستكون له ارتداداته أيضاً على الشطر الغربي من العالم العربي، بدءاً من مصر، حيث تتحدث آخر الأخبار عن قيام الطيران المصري بقصف للجماعات الإرهابية الموجودة في مدينتين بجزيرة سيناء. وهو ما يطرح تساؤلات جادة، عن هذا الوجود، وكيف أخذ يترسّخ أكثر بدل أن يزول.
انهيار “داعش” في العراق وإضعاف وجوده في سوريا، سيعني تسريع دفع عناصر التنظيم للخارج، بحثاً عن أماكن آمنة أو حواضن جديدة أو أراضٍ قابلة للغزو أو التمدد، مثل ليبيا التي تعاني من انهيار الدولة، أو تونس التي خرج منها آلاف المقاتلين ويشهد المجتمع انقساماً حول طريقة التعامل معهم.
هذه الجماعة الوظيفية العنفية المدربّة والجاهزة للاستخدام، لا يمكن للجهات الدولية خصوصاً التفريط بها بسهولة، وسنشهد محاولات إعادة اللعب بها كأوراق “جوكر”، حيث قد يُسمح لها بالتمدّد شرقاً حيث ستكون منطقة جنوب شرق آسيا موقع المنازلات القادمة مع الصين. وقد بدت دلائل ذلك في جنوب الفلبين، من قيام دويلة “داعشية” صغيرة في مدينة مراوي، وما يشكّله ذلك من خطر استقطاب للمتشددين وخلق قوى جديدة تهدّد دولاً أخرى كماليزيا وإندونيسيا، على قاعدة “باقية وتتمدد”.