في لحظة مُختارة بعناية، مباشرة بعد إفطار ليلة عيد الفطر، أعلن التلفزيون الحكومي المصري عن تصديق الرئيس السيسي على اتفاقية تيران وصنافير، لتُعلن بداية صفحة جديدة بتاريخ مصر والمنطقة.
لا يمكن قراءة واقع ومستقبل ما حدث دون العودة إلى مشهد أكثر درامية: ستة أيدٍ على كرة أرضية مضيئة، كأنه عهد يقطعه مقاتلون أسطوريون على بلورة سحرية. بعد هذا الاجتماع في السعودية بأيام اندلع كل شيء. بسرعة وهزلية مرر البرلمان المصري اتفاق الجزيرتين رغم تعثره منذ أبريل الماضي، كما أعلن رباعي (مصر-الإمارات-السعودية-البحرين) إجراءات حصار قطر. كل ما يحدث في المنطقة تجمعه نفس الخيوط، قطع “بازل” تكمل بعضها بعضاً.

خطوات مصرية إلى الخلف..
التساؤل البسيط الذي يطرحه معارضو الاتفاقية: إذا كانت الجزر سعودية، فلماذا لم يسلمها أي رئيس مصري منذ عهد عبدالناصر؟ وإذا كانت السعودية كما تقول تطالب بها منذ عشرات السنين فلماذا الآن تحديداً استجابت مصر؟
بشكل عام هناك جانب من حسم المنازعات الحدودية بين الدول يتعلق بالأوزان النسبية لها، ومدى قوة أوراق كل منها، وللسعودية سوابق شبيهة مع جيرانها، من أشهرها قصة ضم المملكة لمناطق جيزان ونجران من اليمن، فالمنطقتان اللتان كانت السعودية تؤجرهما منذ عام 1934، وتُجدد الإيجار كل عشرين عاماً، تم ضمهما نهائياً بموجب “اتفاقية جدة” عام 2000 مع الرئيس علي عبدالله صالح، نظير اتفاق مالي وتجاري.
وبالمثل فإن مصر اليوم التي تعاني تراجعاً متراكماً لقوتها الإقليمية، وباستثناء التدخل في ليبيا مؤخراً فلا يوجد فاعل مصري على الأرض مؤثر في ساحات المعارك، في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين، بينما غيرها يشارك بقوات مباشرة أو يدعم قوات تابعة.
كما تعاني مصر بشكل خاص من أحد أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها، والتي أسفرت عن موجة ركود وغلاء غير مسبوقة، وتُنذر بالأسوأ، وهي سبب رئيسي في الرضوخ لمزيج الضغوط والإغراءات السعودية.
في “الكتالوج المصري” الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الوضع من الانهيار التام هي أموال الخليج، فالنظام يذكر جيداً أن الأزمة الأسوأ تاريخياً قبل هذه الأزمة كانت في آخر الثمانينات بعهد مبارك، وأتى الإنقاذ في صورة إرسال الجيش إلى حرب الخليج، بما تبعها من مكاسب هائلة شملت إسقاط نصف ديون مصر، وحصولها على منح شديدة السخاء، مما مكن نظام مبارك من الفوز بسنوات طويلة من الاستقرار الاقتصادي والهيمنة السياسية داخلياً وخارجياً. كانت هذه “صفقة القرن” الماضي بالنسبة لمصر، واليوم يطمع السيسي في “صفقة قرن” جديدة.

لماذا تريد السعودية الجزيرتين؟
يقول المثل العربي القديم “إذا اختلف اللصان ظهر المسروق”، ويقول الواقع السياسي إنه إذا اختلف الحليفان ظهر ما يدبراه.
لا نحتاج مصادر سرية أو العودة لتسريبات الصحف الغربية التي ذكرت الموضوع مراراً، يكفينا العودة إلى نوفمبر 2016، حين اندلعت أزمة مفاجئة بين مصر والسعودية، بعد تصويت مصر بمجلس الأمن لصالح كلٍ من القرارين الفرنسي والروسي بشأن سوريا، وهو ما أغضب المملكة، إلى حد إطلاق هجمة إعلامية شرسة، وتعليق تسليم شحنات البترول من شركة أرامكو، وهو ما أصاب النظام المصري بغضب عارم، بسبب حيوية هذا الملف شعبياً، وكذلك بسبب شعوره بالإهانة، فالاتفاق كان تجارياً بحتاً حظيت فيه مصر بتسهيلات، لكنه لم يكن منحة، وكان الرد الفوري بالتوجه للاستيراد من الجزائر والعراق، وكذلك تسريب أخبار عن زيارة لوزير البترول إلى إيران.
حينها انزلقت ألسنة العديد من ممثلي النظام المصري، كان أبرزهم مكرم محمد أحمد، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حالياً، حيث قال في برنامج مذاع على قناة “صدى البلد” المؤيدة للسيسي إن الجانب السعودي رفض طلب مصر تأجيل الاتفاقية، وصمم على توقيعها قبل أن تهبط طائرة الملك سلمان في مطار القاهرة، رغم عدم انتهاء عمل اللجان الفنية!
قال أيضاً إن الاتفاقية بها طرف ثالث هو إسرائيل، حيث ستتسلم مهاماً أمنية كانت موكلة إلى مصر بشأن الجزيرتين، وهذا التسليم والتسلم يجب أن يتم بموافقة الدول الثلاث.
وتابع مكرم، في رسالة من الواضح أنه كان يخاطب به السعوديين لا المصريين: “هناك تيار غير ضعيف في مصر يرى أننا حاربنا عن هاتين الجزيرتين لمدة خمسين عاماً، فمن الصعب جداً التنازل عنهما، ومع ذلك مصر كانت في منتهى الشجاعة الأدبية وعارضت التيار العام الداخلي… إنت أخويا الكبير خليك حنين عليا، مش هتبقى ضغوطك وضغوط الداخل وضغوط الأمريكان”.
إذن ببساطة ووضوح تدخل اتفاقية الجزيرتين في إطار توجه سعودي استراتيجي للتنسيق مع إسرائيل بدعم أمريكي، وذلك عبر إيجاد حدود مشتركة بين الدولتين، تُلزم بدخول السعودية ضمن الترتيبات الأمنية باتفاقية “كامب ديفيد”، وهو ما كان قد سبق للرئيس السيسي الإلماح له أيضاً حين دعا في حوار مع “أسوشيتيد برس” في سبتمبر 2015 إلى “توسيع اتفافية كامب ديفيد” لتشمل دولاً أخرى بالمنطقة، وقال إن منطقة الشرق الأوسط تحتاج لتعاون لهزيمة التهديد الإرهابي، وإن حل القضية الفلسطينية يمكن أن يغير وجه المنطقة.
لاحقاً حين قابل السيسي ترامب أطلق تعبيره الأشهر عن تطلعه إلى “صفقة القرن” بالمنطقة بالتعاون مع الرئيس الأمريكي.
وبشكل متسارع هناك تحركات تشي بتعجل أطراف الخطة، مثل اجتماع العقبة السري الذي كُشف عقده بين الرئيس المصري وملك الأردن ونتنياهو، وكذلك مثل زيارة جنرال المخابرات السعودية المتقاعد أنور عشقي إلى إسرائيل في يوليو 2016، وهو من كان قبلها بعام واحد ضيفاً على مجلس الشؤون الخارجية الأمريكية حيث تحدث مع دور غولد، مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية، عن العدو المشترك بين السعودية وإسرائيل: إيران.

التخلص من العقبات: قطر وحماس
تُلزم السعودية ودول الخليج نفسها، حتى الآن على الأقل، بعدم التطبيع العلني الكامل مع إسرائيل إلا بعد الحل الشامل للقضية الفلسطينية، لكن إذا كانت الرؤية الخليجية القديمة تستند إلى مبادرة الملك عبدالله، التي أطلقها عام 2002 في القمة العربية، وتنص على التطبيع الكامل فور انسحاب إسرائيل من أراضي 67 وعودة اللاجئين، فإن إسرائيل قد رفضتها مراراً منذ ذلك الوقت، لذلك أتى الآن وقت تجاوزها لصالح رؤية أخرى، وإذا تم دفع الفلسطينيين لتوقيع الاتفاق النهائي مع إسرائيل، فقد انتهى كل شيء.
إسرائيل من جانبها تمد يدها بالسلام على مقاسها بالضبط، وبمجموعة من “اللاءات”. لا حدود 67 بل تبادل للأراضي، فتأخذ الدولة الفلسطينية مناطق يسكنها عرب 48 كالناصرة وما حولها، بينما تحتفظ إسرائيل بمستوطنات الضفة، وبهذا تحافظ على يهودية الدولة وتتخلص من خطر ديموغرافي. لا دولة كاملة السيادة إلى حد أن تُنشيء جيشاً مستقلاً، بل محاذير وترتيبات أمنية. لا حق عودة كامل للاجئين بل يجب إدخال منظومة تعويضات. لا تقسيم للقدس بل السقف إدارة دولية للمنطقة المقدسة.
في المقابل ستصبح إسرائيل شريكاً للعرب استراتيجياً ضد إيران والإرهاب، وأيضاً اقتصادياً بجمع المال الخليجي مع التكنولوجيا الإسرائيلية وربما مع العمالة المصرية.
ولأن هذه الصيغة مرفوضة من فتح أبومازن ومن حماس، وكذلك من قطر خلفهم، بما يعرقل هذا التصور الكامل عن مستقبل المنطقة، وجب تجاوز هذه العراقيل. ورغم أن قطر وحماس تنبهتا مبكراً، وحاولتا قطع الطريق عبر إعلان “وثيقة حماس” في الدوحة لتوافق لأول مرة على دولة بحدود 67 كي لا يُقال إن تعنت حماس هو ما يمنع، فإن هذا لم يعد كافياً أبداً.
تواصل الإمارات دعم دحلان الذي يسعى ليكون بديلاً عن أبومازن، وبالتوازي بدأت الحملة ضد حماس، منذ ذكر ترامب لها بالاسم أمام المجتمعين في السعودية كتنظيم إرهابي – رغم أن السعودية كانت قد استقبلت خالد مشعل قبل عام واحد – ثم تالياً حين قال وزير الخارجية السعودي بوضوح إن على قطر أن تمتنع عن دعم الإخوان وحماس، ومؤخراً اشتملت قائمة المطالب الخليجية على ضرورة ضرد قطر للمصنفين على قائمة الإرهاب الأمريكية، وهم هنا قادة حماس. وربما كانت الحملة ضد الجزيرة في جانب منها تمهيداً لجولة عسكرية محتملة في غزة من غير المطلوب أن تحظى بتغطية مغايرة.

تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي: من سيحارب؟
لعل أهم البنود التي لم تلق حقها من الاهتمام في “بيان الرياض” الصادر عن “القمة العربية الإسلامية الأمريكية” هو النص على ترحيب القادة المشاركين بتوفير ” قوة احتياط قوامها 34 ألف جندي لدعم العمليات ضد المنظمات الإرهابية في العراق وسوريا عند الحاجة”. حاولت السعودية سابقاً التلويح بتشكيل قوة إسلامية مشتركة لمحاربة ما تعتبره الإرهاب لكن ظل هذا مجرد حديث نظري دون تطبيق، لكن الآن لأول مرة أصبح هناك إطار ما، هناك عدد محدد للجنود، وجغرافيا محددة للعمليات المحتملة، وكذلك مدى زمني محدد، فالوثيقة تنص ببند آخر على استكمال التأسيس وإعلان الدول المشاركة في 2018.
ببعض الخيال نعرف أنه من المستحيل أن تُنشأ هذه القوة العسكرية بفاعلية إلا بمشاركة الجيش المصري، كما أن اختيار 2018 ربما يرجع لانتظار إعلان فوز الرئيس السيسي بفترته الانتخابية الجديدة، علماً بأنه صرح مؤخراً أنه نُصح بتأجيل تسليم الجزيرتين إلى ما بعد بداية الفترة الثانية لكنه رفض ذلك. ربما لأن ما سيأتي بعدها أكبر.

مستقبل الرهانات الخطيرة
مشكلة هذا التصور السالف أنه لم يحسب حساب ردود الأفعال. رياح السياسة لا تجري بما تشتهي هذه السفن وإلا لكان من هو أقوى وأرسخ منهم قد فعلها سابقاً.
أولاً: من الواضح أنه لم يُحسب حساب دور المؤسسات الأمريكية المتجاوز للرئيس ترامب، والذي أتى بالتوازي مع عدم حساب إمكانية صمود قطر اقتصادياً وسياسياً كما حدث بالفعل. في النهاية لم يُفلح ترامب إلا في إطلاق التغريدات، بينما بنفس الوقت كان البنتاغون يعلن عن وصول سفن حربية إلى الدوحة، وكذلك تمت الموافقة على صفحة طائرات حربية. الفارق يظهر بالمقارنة بإجراءات أوباما ضد السيسي حين اعتبره وصل للسلطة بشكل غير شرعي، فاستخدم سلطته الرئاسية لمنع جزء من المعونة الأمريكية، كما احتجز لديه طائرات أباتشي مصرية كانت مصر بأمس الحاجة إليها للحرب في سيناء. هذا هو ما يسمى ضغوطاً أمريكية، وهي مالم يحدث أهونها حتى الآن بحالة قطر. بل بالعكس، ربما ترامب نفسه مهدد بفقد مقعده، ورغم أن بديله سيكون يميناً جمهورياً أيضاً لكن لا ضمان لالتزامه بنفس الاتفاقات الحرفية.
ثانياً: هناك إهمال كامل للفاعلية الفلسطينية، وحتى بفرض إمكانية تجاوز حماس، بل هزيمتها العسكرية الكاملة، وتنصيب دحلان، فإن رد الفعل الشعبي الفلسطيني غير متوقع إذا كانت الصفقة شديدة الهوان. هذا هو الشعب الذي استقبل عرفات استقبالاً هائلاً باعتباره بطلاً حين عاد من كامب ديفيد بعد أن رفض “التنازل عن الثوابت”، رغم أنه كان معروضاً عليه أكثر مما هو معروض الآن بمراحل، ورغم أن عرفات له مكانته التاريخية ورصيده الأعلى من أي طرف.
ثالثاً: هناك تجاهل للتناقضات بين أطراف التحالف أنفسهم، فالسعودية والإمارات ليستا على وفاق كامل نحو ما يحدث باليمن، فبينما دعمت الإمارات العناصر التي أعلنت مجلس الحكم الانتقالي جنوب اليمن، بما يهدد بفصله عن الشمال، فإن السعودية تريد يمناً موحداً، كما أن مصر مازالت تتحفظ على إسقاط بشار الأسد في سوريا، وهو ما فجر الأزمة سالفة الذكر بينها وبين السعودية.
رابعاً: هناك استخفاف كامل بالداخل المصري، رغم أن الإشارات المناوئة ظهرت من قلب مؤسسات الدولة نفسها لا المعارضة فقط، حين تُصدر إحدى أعلى المحاكم المصرية أحكاماً ضد الاتفاقية، وحين يُعلن 115 نائباً رفضهم لها ومنهم رجال جيش وشرطة فائزون على القائمة المدعومة من السيسي، وحين تعلن قيادات عسكرية سابقة كالفريق سامي عنان، والفريق أحمد شفيق، والفريق مجدي حتاتة رفضها، بل يصل إلى شخصيات شديدة الصلة بالأجهزة الأمنية كالإعلامي عبدالرحيم علي، فالحقيقة أن السيسي قد واجه أعتى موجة رفض منذ تولى السلطة، وستبقى ارتداداتها طويلاً، مالم يحصل على مساعدات اقتصادية عاجلة وضخمة تُحدث تغييراً درامياً بالمشهد.
وأيضاً سيواجه صعوبات أكبر إذا طرح فكرة إرسال الجيش إلى سوريا والعراق، خاصة أن الجيش المصري لديه توجه راسخ منذ حرب اليمن بعدم التورط بمستنقعات المنطقة، والاستثناء هو حرب تحرير الكويت لأنها تمت بغطاء دولي كامل وشراكة الجيش الأمريكي، لكنه بالمقابل لم يعد متاحاً له أي مساحة للمناورة بعلاقات مع إيران أو العراق كما فعل سابقاً، فهو في الطريق لتجاوز كل خطوط الرجعة تلك.
ومن اللافت هنا أن نشير لألاعيب المؤسسات المصرية التي تدعم تاريخياً توجه الرئيس لكنها تترك أبواباً خلفية للتراجع، كما شاهدنا ما حدث من التخلي عن مبارك، بل محاكمته على يد نفس النائب العام الذي عينه. مازالت المحكمة الدستورية العليا تتلقى البلاغات المتنوعة حول قضية الجزيرتين، ومن حقها إلغاء الاتفاقية حتى بعد سنوات طويلة من العمل بها، لن يحدث هذا أبداً في ظروف سياسية عادية، لكن لو حدث انهيار سيقفز الجميع من السفينة.
الآن أحرق الجميع مراكبهم، ولا بديل عن المزيد من الهروب للأمام، وما بدأ بالتنازل عن الجزيرتين يجب أن ينتهي بالنجاح في كامل خطة هندسة المنطقة، وإلا سينهار البناء على من يبنيه.