لعل في الجولة الخارجية الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، ولم يستطع فيها زيارة السعودية والكويت، إلا بعد أن ألحقها بزيارة لإيران، أبلغ دلالة على الكيفية التي يُدار بها ملف علاقاته الخارجية للعراق.

العبادي الذي ظل ومنذ تسميته رسمياً رئيساً للوزراء في 8 سبتمبر/ أيلول من العام 2014، وفياً لهوايته المفضلة في ترحيل الأزمات الداخلية والخارجية والقفز من فوقها، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق إقليمي بمعطى داخلي أو محلي ضاغط، وهو الأزمة المحتدمة بين كل من السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة ثانية.

حاول العبادي وكعادته صَمّ أُذنيه عن الأزمة الخليجية التي (أججتْ ومنذ اندلاعها في 5 يونيو/ حزيران 2017، حالة غير مسبوقة من الاحتدام الخليجي)، ومثّل العراق الحلقة الأولى في مسلسلها المتواصل، عندما عَدّت دول المقاطعة صفقة إطلاق الصيادين القطريين الذين كانوا مختطفين في البادية العراقية، في مقدمة لائحة طويلة من الاتهامات لقطر بتمويل الإرهاب.

لم يصدر عن الحكومة العراقية موقف واضح من أطراف الأزمة ومضامينها على الرغم من أن بعض الاتهامات التي يلوكها المتخاصمون، تخص العراق بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى الرغم من سنوات طويلة من الاتهامات العراقية لدول الخليج بالتدخل سلباً في شؤونه الداخلية، وعلى الرغم أيضاً من مطالبات نيابية وإعلامية للعبادي بالإعلان عن موقف حكومته تجاه ما يجري بين أقرب جيران الجغرافيا السياسة للعراق، بل وتشعر وكأن حالة من (الرعب) تتلبس رئيس الوزراء وهو يتحدث نافياً بشكل قطعي أي نية له للعب دور ما للتوسط في الأزمة، ما يخالف أبسط بديهيات العمل السياسي في لعب دور الوسيط لخلق النفوذ.

(اللاموقف) العراقي، لماذا؟
إن حالة (اللاموقف) العراقي هذه، والتي يحاول العبادي تسويقها على أنها نوع من أنواع الحياد، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وهي في كل الأحوال نتيجة مفهومة لمقدمات كثيرة من قبيل أن:

  • الطبيعة المحاصصية لنظام الحكم في العراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم، تجعل من المُستبعد رؤية موقف عراقي واضح تجاه أي من الملفات أو الأزمات، داخلية كانت أو خارجية ، صغيرة أو كبيرة. وبقدر تعلق الأمر بالأزمة الخليجية تحديداً، فقد توزع المشهد السياسي العراقي بين مُسارعٍ لإعلان تأييده للدوحة مثل رئيس مجلس النواب سليم الجبوري (زار قطر والتقى أميرها في 4 و5 يونيو/ حزيران 2017) تلاه رئيس التحالف الوطني عمار الحكيم بزيارة مماثلة، وكلتا الزيارتين عُدتا تمهيداً إيرانياً لجس النبض عن حيثيات الأزمة المفاجئة. بينما اختار نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي الاصطفاف العلني مع السعودية، فيما تراوحت المواقف الأخرى بين الصمت وانتظار ما ستؤول إليه الأمور، ومَنْ سترجح كفته من بين طرفي الأزمة، بيد أن الموقف الحكومي المتذبذب (بين محاولة تبرأة قطر من تقديم فدية كبيرة لمنظمات متطرفة لقاء إطلاق سراح الصيادين القطريين، وبين المضي في سياسة الدنو بحذر من السعودية عبر تبادل الزيارات، وتجاهل كل طرف ذكر اسم الطرف الاخر قدر المستطاع في القضايا الخلافية)، لم تكن كافية لكي ترفع عن حكومة العبادي حرجاً شديداً في كونها حكومة (اللامواقف).
  • ليس سراً أن ضبط إيقاع المواقف الرسمية العراقية ومنذ العام 2003، يتم بشكل رئيس من خلال التوجهات الأميركية والإيرانية، وهما القوتان المهيمنتان على المشهد السياسي العراقي توجهاً وشخوصاً وأفعالاً على الارض، بالإضافة طبعاً إلى نفوذ سياسي ومالي وعملياتي تركي وسعودي وقطري وإماراتي، يأتي بدرجات متفاوتة، لذا فإن ما صدر من (مواقف) عراقية حتى الآن هو (كالعادة) متماهٍ مع قوى النفوذ الدولي والإقليمي في البلاد.
  • مهما يكن، فإن بنية النظام السياسي العراقي اليوم هي أوهن من أن تكون مُعّبرة عن مواقف مستقلة أو نابعة من تطلعات الشعب أو مصلحته الوطنية، لا سيما وأن العبادي ربما لديه قائمة محظورات أطول بكثير مما كانت لدى سابقه نوري المالكي، فهو يخشى الأمريكان والإيرانيين، ويدفع بالتي هي أحسن في تعامله مع دول الخليج التي لا يقوى على كبحها إذا ما أرادت معاقبته على موقف ما، باستخدام أدواتها وأذرعها داخل العملية السياسة وخارجها. الأمر برمته يتعلق بضعف الداخل العراقي وتوزع ولاءاته إقليمياً ودولياً، يرافقه أنْ ليس في العراق عملية حقيقية لصنع القرار السياسي بالمعنى الروتيني المتعارف عليه دولياً، فيكفي مثلاً أن نعرف أن وزير الخارجية إبراهيم الجعفري لا يعتبر نفسه مسؤولاً أمام رئيس الوزراء حيدر العبادي، وأنه في حِلٍ من أن يقدم له تقارير دورية عن رؤية الوزارة للتطورات في المنطقة والعالم !!
  • شعبياً، لم يفوت العراقيون هذه الأزمة، وامتلأ (الفيس بوك العراقي) بكل ما يذّكر الجيران بمواقف الأمس القريب تجاه العراق، لكنه اهتمام لم يتجاوز في أقصى حالاته، تبادل رسائل (الواتس آب) والفرجة التلفزيونية على حملات التنابز الإعلامي غير المسبوقة بين فضائيتي الجزيرة والعربية. العراقي مهمومٌ ومشغولٌ بالتحديات اليومية التي يواجهها على المستويين الأمني والخدماتي، أكثر من أي شيء آخر.
  • أما وسائل الإعلام العراقية ومعظمها يتبع أحزاباً وتيارات وشخصيات سياسية فاعلة في المشهد السياسي، ولديها ارتباطاتها الإقليمية والدولية، فقد التزمت بالمواقف التي اتخذتها هذه الأحزاب والتيارات عن أطراف الأزمة الخليجية، وتناست اتهاماتها السابقة لدول الخليج بالمسؤولية عن حمامات الدم في شوارع العراق وأسواقه ومدنه.

هل سينحاز العراق لطرف خليجي؟
عموماً، سيظل الموقف العراقي الرسمي يراوح مكانه، وهو غير مرشح لأن يشهد تغيّراً دراماتيكياً من قبيل الاصطفاف مع طرف خليجي دون آخر، لا سيما إذا ما ظلت الأزمة بمستوياتها الحالية. ولن يبتعد (الموقف) العراقي كثيراً عن نموذج تعامل العراق مع الملفين السوري واليمني (أحزاب وتيارات سياسية تناصر هذا الطرف أو ذاك وحكومة مترددة، تصدر عنها ردود أفعال بلا ماهية)، وربما فإن أي تغيّر متوقع في تعاطي بغداد مع أطراف الأزمة الخليجية سيظل مرهوناً بتغيّر ما في الموقفين الأميركي والإيراني. وحتى لو تصاعدت هذه الأزمة، وأخذت أبعاداً أخرى، فلن يذهب الموقف العراقي أبعد من أن يكون رجع صدى لأصحاب الأصوات العالية في الإقليم أو في العالم.

السعودية أم قطر؟
وعلى كل حال، فإن أمام العراق (كما يبدو) فرصة من نوع ما لتجيير هذه الأزمة لصالحه، فالسعودية التي زارها العبادي في 19 يونيو/ حزيران 2017، هي ليست السعودية قبل عام أو عامين. المملكة تشهد تغيرات بنيوية عديدة ليس أقلها تعديل فقرات في النظام الأساسي للحكم لفسح المجال أمام تولي الأمير الشاب المتوثب محمد بن سلمان ولاية العهد، والرياض (قبل ذلك) أعادت بالفعل تدوير الزوايا في مقاربتها للملف العراقي، هي مستعدة اليوم لنوع آخر من العلاقة تقوم على:

  • مواصلة الاقتراب بحذر من بغداد عبر دبلوماسية هادئة ومتفهمة وواقعية، تتعاطى مع الشأن العراقي بفلسفة تقليل حجم استخدام إيران للعراق قدر المستطاع، وكان واضحاً تصميم السعودية على عدم الانجرار لمحاولة إيرانية لتخريب علاقتها مع العبادي، عندما أطلق أبو مهدي المهندس، أحد ابرز رجالات إيران في العراق، والقيادي في الحشد الشعبي، تصريحه الشهير من على الحدود العراقية السورية، عندما قال إن الحشد لن يتوقف إلا في الرياض!
  • تقديم الشركات السعودية لفرص استثمارية تُنّشط الاقتصاد العراقي أحادي المصدر (تعتمد الموازنات السنوية للعراق على إيرادات النفط بنسبة 95٪‏) وتخلق فرصاً لآلاف العراقيين (معدل البطالة في العراق أكثر من 50٪‏ بحسب البنك الدولي، ونسبة الفقر نحو 30٪‏ بحسب وزارة التخطيط العراقية) الذين سيجدون أنفسهم أمام معطى جديد وصورة عن سعودية أخرى، لا سيما إذا ما تم تنفيذ اتفاق تفعيل منفذ عرعر على الحدود السعودية العراقية ليكون منفذاً لتوريد البضائع والسلع وليس فقط لتفويج الحجاج، بالإضافة إلى منفذ سفوان على الحدود العراقية الكويتية والذي ظل المنفذ التجاري الوحيد بين العراق ودوّل الخليج طيلة السنوات الماضية، علماً بأن معدل التبادل التجاري بين العراق والسعودية خلال السنوات العشر الماضية لم يتجاوز ملياري دولار، وكان أعلى ما وصل إليه هو 3,18 مليار دولار في العام 2009، وهي مبالغ متواضعة إذا ما قورنت مثلاً بحجم التبادل التجاري بين العراق وإيران، والتي تتجاوز سنوياً حاجز الـ 13 مليار دولار.
  • المساهمة الجدية في إعمار المدن العراقية التي تحررت من الإرهاب، ويبدو أن العبادي تلقى تأكيدات سعودية خلال زيارته الأخيرة، بأن صناديق إعمار وتنمية سعودية سيكون لها دور في إعادة إعمار مدن الموصل والأنبار والفلوجة.
  • المرونة في التعامل مع الجانب العراقي، فمثلاً لم تعد الرياض تُصر على شخص بعينه ليكون سفيراً لها لدى بغداد، بل ستقدم أربعة أو خمسة مرشحين وتترك للحكومة العراقية حرية اختيار أحدهم، وهو أمر غير مسبوق يكشف طبيعة النظرة السعودية الجديدة في التعامل مع العراق.

في المقابل، فإن قطر ما بعد الأزمة الخليجية هي غير قطر ما قبل 5 يونيو/ حزيران 2017، على جميع المستويات والأوجه:

  • فوزير الخارجية القطري الذي زار بغداد في 22 مايو/ آيار 2017، سلم العبادي دعوة رسمية من أمير قطر لزيارة الدوحة، في محاولة لتدشين عهد جديد من العلاقات العراقية القطرية، الدوحة لا تخفي سعيها لإنشاء محور قطري تركي إيراني عراقي .
  • قطر اليوم لم تعد لوحدها، فهي بهذا الشكل أو ذاك جزء من محور إقليمي يضم تركيا وإيران، كما أن الإخوان المسلمين المتهمة هي بإيوائهم، يحكمون أو يشاركون في الحكم في دول عدة، مثل العراق الذي أصر فيه سليم الجبوري رئيس مجلس النواب، (المحسوب على الإخوان المسلمين في العراق) على أن يلتقي العبادي قبيل ساعات من توجه الأخير إلى السعودية.
  • قطر هي الأخرى (برغم أن حجم تبادلها التجاري مع العراق لم يتجاوز في أحسن مستوياته 760 مليون دولار، وذلك في العام 2013) لا تقل استعداداً عن السعودية لضخ الأموال في مشاريع استثمارية في هذا البلد، وتريد هذه المرة الوصول إلى المواطن العراقي البسيط، وعدم الاكتفاء بمواصلة دعمها لحلفائها المعروفين داخل العملية السياسية العراقية.
  • قطر أحوج ما تكون اليوم وبعد المقاطعة الخليجية، لاستخدام الأجواء العراقية في تسيير رحلات شركة قطر للطيران، بعد إغلاق الأجواء السعودية والإماراتية أمامها، ما يعني أن الرحلة الجوية من الدوحة إلى لندن مثلاً، والتي كانت تستغرق نحو 6 ساعات، ستصل ربما إلى عشرين ساعة سفر، إن لم تستخدم الطائرات القطرية سماء العراق، بديلاً عن الأجواء الإماراتية والسعودية.
  • لم يُخْفِ مقاطعو الدوحة نواياهم في إطالة أمد إجراءات المقاطعة، التي قال وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، إنها قد تطول لسنوات، ما يعني أن قطر بحاجة ماسة لأسواق جديدة، وموردين جدد، والعراق أحد أبرز هذه الخيارات.

الرابح الأوحد؟!
إذاً فالأزمة الخليجية غيّرت كثيراً، وأعادتْ معها دول المنطقة تموضعها كلٌ حسب إمكانياته وأدوات الضغط وأوراق اللعب التي يناور بها، وعراقياً فمن يدري، ربما تقدم هذه الأزمة فرصة تاريخية لأن يلعب العراق دور (الرابح الأوحد)، بالاستفادة من التنافس المحموم بين طرفي الأزمة على كسب الحلفاء، وهو ما قد ينعكس إيجاياً على الواقع العراقي، لكن فرصة كهذه تحتاج، بطبيعة الحال، قراراً وطنياً مستقلاً  للظفر بها، دون انتظار مباركة أو غض نظر من هذا الطرف الدولي أو الإقليمي أو ذاك، فالأدوار الكبيرة لا يضطلع بها إلا الكبار!