قررت الإمارات والبحرين والسعودية ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية والمالية وإغلاق جميع منافذها البرية والبحرية والجوية مع قطر. للتصدي لهذه المقاطعة الإقليمية الشاملة والخطيرة تمتلك الدوحة عدة وسائل أهمها الاحتياطي النقدي.
المقاطعة ضد قطر إقليمية وليست دولية لأنها لم تصدر عن مجلس الأمن. وبالتالي فهي تختلف عن الحصار ضد العراق (1990-2003) الذي فرضه مجلس الأمن تنفيذاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. الحصار ضد قطر يشبه العقوبات الأوروبية والأمريكية ضد إيران (قبل 2015).
مؤسسة “ستاندارد أند بورز” خفضت التصنيف الائتماني لقطر. وترى أن الحصار سوف يمارس ضغطاً على الريال القطري الأمر الذي يفضي إلى تدهور قيمته التعادلية. في حين لا يزال صندوق النقد الدولي يلتزم الصمت، فهو ينتظر رؤية الصورة بوضوح.
أما وسائل الإعلام، خاصة الخليجية، فقد سارعت في استشارة “المحللين” منذ اللحظات الأولى لقرار المقاطعة. اختلطت الأوراق السياسية بالقراءات الاقتصادية فبرزت مواقف تعتمد على الأهواء والولاء لا على الدراسات والمؤشرات. قالوا إن الحصار سيقود إلى تدمير الاقتصاد القطري. ويرى آخرون أنه لن يؤذي قطر بل من فَرَضه.
والواقع أن العقوبات ضد دولة ما بل وحتى التهديدات باتخاذها لابد وأن تؤثر على ماليتها واقتصادها. وهذه بديهية. لكن درجة التأثير تتوقف على ثلاثة عوامل رئيسة: طبيعة العقوبات وشمولها، وحجم المبادلات التجارية والاستثمارية بين الدول ذات العلاقة، وقدرة البلد الخاضع للعقوبات على تحمل الضغوط المالية.
تتسم المبادلات التجارية القطرية الخليجية بضعفها بسبب الطبيعة الريعية. ففي عام 2015 بلغت صادرات قطر إلى دول مجلس التعاون 5.8 مليارات دولار أي 7.6% من مجموع الصادرات القطرية. أما وارداتها منها فتبلغ 5 مليارات دولار أي 15.9% من مجموع الواردات القطرية. وبكيفية عامة تشكل دول المجلس 9.9% من التجارة الخارجية القطرية.
وتحتل الإمارات المرتبة العربية والخليجية الأولى في الصادرات القطرية التي تتمثل بنحو ملياري قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ويغطي الغاز القطري حوالي ثلث احتياجات الإمارات من الغاز الذي يستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية. ينقل الغاز القطري إلى الإمارات بواسطة أنبوب دولفين البحري. ولغاية كتابة هذه السطور لا تزال الإمدادات القطرية للإمارات مستمرة عبر هذا الأنبوب. وتجري الاستعدادات من الجانب الإماراتي للاستغناء عن الغاز القطري ومن الجانب القطري لتعويض الخسائر بإيجاد أسواق بديلة.

هبوط احتياطي البنك المركزي
تملك قطر احتياطياً نقدياً لدى مصرفها المركزي قدره 33.5 مليار دولار (بداية السنة الحالية 2017). ويتكون من سندات أجنبية بمبلغ 20.8 مليار دولار، وأرصدة مودعة في مصارف أجنبية قدرها 11.8 مليار دولار. والباقي ودائع لدى صندوق النقد الدولي وسبائك ذهبية.
يتجه هذا الاحتياطي نحو الهبوط المستمر بسبب عجز ميزان المدفوعات. ويلاحظ كذلك تراجع الاحتياطي النقدي لغالبية الدول النفطية خاصة الخليجية ولكن لأسباب مختلفة. وعلى إثر الحصار سيسجل الاحتياطي النقدي القطري هبوطاً أشد لعدة أسباب:
السبب الأول ارتفاع الواردات الغذائية نتيجة تهافت الأفراد على تخزين المواد الغذائية. والسبب الثاني ارتفاع كلفة النقل. إذ سيتم نقل المواد عن طريق الجو أو البحر عبر تركيا وإيران وعمان بعد أن كانت هذه المواد تنقل في الشاحنات ولمسافات قصيرة عبر الحدود مع السعودية. والسبب الثالث تبديل العملة. تشهد الفترة الحالية طلباً مرتفعاً للعملات الأجنبية خاصة الدولار واليورو خشية هبوط أسعار صرف الريال من جهة وتوقف المصارف عن الدفع من جهة أخرى. والسبب الرابع هروب رؤوس أموال خليجية وأجنبية وكذلك قطرية.
ستقود هذه الأسباب إلى الضغط الشديد على المدفوعات في حساب العمليات الرأسمالية الذي يعاني أساساً من عجز قدره 70 مليار دولار. عندئذ يهبط بالضرورة الاحتياطي النقدي. الأمر الذي يؤثر على القدرة المالية للبلد وعلى القيمة التعادلية للريال. ولكن هذا التأثير محدود لأن الحجم الفعلي للاحتياطي النقدي القطري لا يتوقف عند البنك المركزي.

الاستثمارات الخارجية جزء من الاحتياطي النقدي
يستثمر القسط الأكبر من الأموال القطرية من قبل صندوقها السيادي: جهاز قطر للاستثمار. ويحتل هذا الصندوق المرتبة العالمية الرابعة عشرة حيث بلغ رأسماله 335 مليار دولار في منتصف عام 2016. وهو على عكس احتياطي المصرف المركزي يتجه نحو الارتفاع حيث بلغ 256 مليار دولار في منتصف عام 2015. أي ارتفع خلال سنة واحدة بنسبة 30.8%. في حين هبط خلال هذه الفترة رأسمال كل من صندوق أبوظبي وصندوق “ساما” السعودي وصندوق “سيف” الصيني والصندوق الكوري. كما سجلت صناديق أخرى ركوداً واضحاً.
وعلى هذا الأساس فإن هبوط الاحتياطي الرسمي لمصرف قطر المركزي نجم بالدرجة الأولى عن عجز حساب العمليات الرأسمالية. ويتأتى هذا العجز من زيادة رأسمال جهاز قطر للاستثمار. في حين أن هبوط الاحتياطي النقدي في غالبية الدول النفطية كان بسبب السحب لتمويل عجز الميزانية العامة.
إن زيادة رأسمال هذا الجهاز يعني بطبيعة الحال تحسن واضح في الاستثمارات الخارجية القطرية. ففي عام 2016 بلغت الاستثمارات القطرية في روسيا 10.7 مليارات دولار. وبذلك يحتل هذا البلد المرتبة الأولى في الاستثمارات القطرية. ومن بين العمليات الكبرى شراء حصة في شركة النفط الروسية العملاقة “روسنفت” بموجب برنامج الخصخصة. وبذلك أسهمت قطر مساهمة فاعلة في دعم الاقتصاد الروسي الذي يعاني من عدة مشاكل مالية. وتسجل بريطانيا المرتبة الثانية بمبلغ 6.6 مليارات دولار. كما تسهم قطر في البنية التحتية الأمريكية حسب الخطة التي وضعها الرئيس الحالي. وستبلغ الاعتمادات القطرية في الولايات المتحدة 35 مليار دولار للفترة بين 2016 و 2021.
لا يجوز إذاً الاقتصار على حركات الاحتياطي النقدي لمصرف قطر المركزي لبيان الوضع المالي للبلد. بل يتعين التعرف على كيفية توظيف هذا الاحتياطي. كما يشمل هذا الاحتياطي ما لدى المصرف و ما لدى الجهاز. وتجدر الإشارة إلى أن رأسمال الصندوق السيادي السعودي “ساما” هو في الواقع الاحتياطي النقدي لمؤسسة النقد العربي السعودي وهو الاسم الذي تطلقه السعودية على مصرفها المركزي.
وعلى هذا الأساس فإن الاحتياطيات الرسمية الحقيقية لقطر تبلغ 368 مليار دولار (حاصل جمع احتياطي المصرف المركزي ورأسمال جهاز قطر للاستثمار). ولما كانت الواردات السلعية للبلد 28 مليار دولار في السنة فإن مبلغ الاحتياطي النقدي يغطي الواردات لمدة 158 شهراً وهي من أعلى المعدلات في العالم.
إن استنتاجنا هذا يختلف تماماً عن الإحصاءات الواردة في الجدول (5/9) من التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2016 الذي يذكر أن المدة في قطر 15 شهراً مقابل 47 شهراً في السعودية. والواقع أن طريقة هذا الحساب غير منطقية. فهي تدخل رأسمال “ساما” في الاحتياطي السعودي وهذا صحيح. وتخرج رأسمال جهاز قطر للاستثمار من الاحتياطي القطري وهذا خطأ. علماً بأن هذا التقرير الصادر عن المؤسسات الاقتصادية لجامعة الدول العربية يعتمد على البيانات التي ترده من الحكومات المعنية.
إن حجم الاحتياطي النقدي القطري بهذا المعنى بلغ درجة من الأهمية بحيث بات يعادل ضعف الاحتياطي النقدي للعراق والأردن ولبنان ومصر والمغرب مجتمعين. علماً بأن عدد سكان هذه الأقطار الخمسة يتجاوز 170 مليون نسمة في حين يقل عدد نفوس قطر عن ثلاثة ملايين نسمة. إن حصة الفرد في قطر من الاحتياطي النقدي تساوي 148 ألف دولار مقابل 1436 دولاراً في العراق و 180 دولاراً في مصر. وحصة الفرد في قطر تعادل 51 مرة حصة الفرد في الصين التي تملك أكبر احتياطي نقدي في العالم.
إن تركيب الاحتياطي النقدي لقطر وكذلك السعودية والإمارات والكويت يختلف تماماً عن تركيب مثيله في دول أخرى كالعراق ومصر وإيران. المجموعة الأولى تملك صناديق سيادية تحتل أعلى المراكز في العالم. في حين لا توجد لدى المجموعة الثانية مثل هذه الصناديق. وبالتالي فإن هبوط الاحتياطي لدى مصرف قطر المركزي ليس له نفس مدلول هبوط الاحتياطي النقدي في دول أخرى لا تملك صناديق سيادية.
سوف لن يؤثر الحصار الخليجي ضد قطر تأثيراً يستحق الذكر على عمليات جهاز قطر للاستثمار. لأن العمليات الخارجية لهذا الصندوق تعتمد على دول غير خليجية كما ذكرنا. ولكن قد تتخذ السلطات القطرية إجراءات تفضي إلى تأجيل بعض استثماراتها الخارجية ريثما تصبح الرؤية واضحة حول التداعيات الفعلية للحصار على الحالة الاقتصادية والمالية والنقدية للبلد. وقد تؤثر سلبياً هذه الإجراءات على رأسمال صندوقها السيادي. ولكنها إجراءات مؤقتة.
يتعين عدم الاستهانة بخطورة الحصار الإقليمي ضد قطر. ومن المقاطعة الغذائية التي تدخل في الاعتبارات الإنسانية. ومن تدهور العلاقات المتينة التي تربط دول مجلس التعاون الجارة. ومن مستقبل غير زاهر للعلاقات التجارية والمالية والنقدية الخليجية.

* مصدر الصورة http://www.asergeev.com