قبل الخوض في الحديث عن مرحلة ما بعد تحرير الموصل، والآفاق العملية السياسية في العراق وأبرز التحديات والفرص، لا بد من الرجوع إلى التجارب العالمية في البلدان التي شهدت الانتقال من أنظمة شمولية دكتاتورية، أو حرب أهلية، إلى أنظمة سياسية أخرى أغلبها ديمقراطية.
تمر جميع التجارب الناجحة بمرحلة انتقالية تسمى بمرحلة العدالة الانتقالية، وهي مفهوم حديث تم تطبيقه في سبعينيات القرن الماضي ويتلخص في القيام بإجراءات وخطوات من شأنها محاسبة المقصرين عن جرائم الإبادة الجماعية والقتل والتشريد، وتعويض المتضررين وجبر خواطرهم مادياً ومعنوياً ثم تأتي عملية المصالحة الوطنية والعفو عن المسيئين بعد أن يندموا على فعلتهم، ويتعهدوا بالاندماج بالمجتمع دون أن يتسلطوا عليه ثانية، وهذا ما حدث في تجارب ناجحة في جنوب أفريقيا ورواندا والبوسنة والهرسك.
أهملت هذه الآلية في العراق بعد عام 2003 وسط حالات الغضب والانتقام من أعضاء حزب البعث المنحل الذي جاء حظره بمادة صريحة في الدستور العراقي (المادة 7) الذي شرع العام 2005، بل شمل الأمر إقصاء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بعد أن حل الحاكم المدني في العراق السيد بول بريمر الجيش العراقي. وبذلك، خلق النظام السياسي الجديد أعداء مُنظمين سياسياً وأمنياً وعسكرياً استطاعوا أن يربكوا المشهد السياسي العراقي حتى لو أدى الأمر أن يتحالف أعضاء العهد القديم بأجهزته الحزبية والمخابراتية والأمنية والعسكرية مع التنظيمات الراديكالية التكفيرية المتطرفة بدعم وإسناد إقليمي مادياً وسياسياً.
هذه المقدمات أدت إلى احتلال مدن وقصبات وسقوطها عسكرياً جراء النشاط الملحوظ من تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتنظيمات دينية وقومية مناهضة للعملية السياسية الناشئة في العراق بين عامي 2003 و2007، خاصة في مناطق بما يعرف إعلامياً وأمنياً بالمثلث السني الذي يشمل محافظات الموصل وصلاح الدين وديالى والأنبار وجزء كبير من محافظة كركوك. هذه المحافظات تم تحريرها بالكامل عام 2008 بعد تسليح الجيش الأمريكي لرجال العشائر والقبائل في ما يعرف بالصحوات الذين استمروا في استلام رواتبهم وتجهيزاتهم العسكرية من الأمريكيين حتى انسحابهم من العراق عام 2011 ضمن اتفاقية الإطار الإستراتيجي بين الحكومتين العراقية والأمريكية وضغط الأخيرة بضرورة تمويل الصحوات ودفع مرتباتهم ودمجهم سياسياً وإدارياً ضمن المؤسسات الحكومية.
وفي حين وافقت الحكومة العراقية على مضض وغضت الطرف عن العديد من المشمولين بقانون اجتثاث البعث الذي تحول اسمه إلى قانون المساءلة والعدالة الخاص باجتثاث رموز النظام السابق، وشهدت البلاد خلال هذه الفترة حالة من الهدوء والاستقرار الأمني والسياسي، لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً نتيجة للتنافس الحزبي والسياسي، والممارسات الطائفية والتهميش والإقصاء لشركاء العملية السياسية، وهو ما دفع البعض إلى التحرك بعمليات احتجاج ومظاهرات في مدن المثلث السني أدت إلى حدوث تشنج واحتقان طائفي ومذهبي، وصولاً إلى التعامل بقسوة من قبل الحكومة في فض الاعتصامات بالقوة العسكرية.
هذه الصراعات تمت تغذيتها إقليمياً وسياسياً وإعلامياً مما أدى إلى حصول نقمة من أهالي هذه المدن على الحكومة ومؤسساتها الأمنية، فضلاً عن عامل إقليمي مهم تمثل في انطلاق المظاهرات التي تحولت إلى العمل العسكري المسلح لإسقاط النظام في سوريا وانقسام المجاميع العراقية المسلحة بشقيها السني والشيعي إلى فئتين؛ احداهما مساندة ومؤيدة لإسقاط النظام، وأخرى داعمة مادياً وإعلامياً وعسكرياً له.
ازداد الشرخ والاحتقان المذهبي في العراق حتى وصل إلى احتلال مدينة الموصل (يونيو 2014) نزولاً إلى المثلث السني حيث وصلت سيطرة تنظيم “داعش” إلى أطراف بغداد لمنطقة التاجي وأبو غريب.
أدركت القوى السياسية العراقية خطورة الموقف، وقامت بتغيير الوجوه السياسية المسؤولة عن الانفلات الأمني وأُختير السيد حيدر العبادي رئيساً للوزراء. الرئيس بادر إلى ترميم العلاقة مع قادة الرأي في المدن المحتلة للحصول على دعمها وإسنادها خلال عمليات التحرير، والابتعاد عن اللغة الطائفية والمذهبية في التعامل مع الشركاء السياسيين، والانفتاح على دول الجوار الجغرافي، والتعامل ببراغماتية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وأسفرت هذه الجهود إلى تحرير مدن ديالى وصلاح الدين والأنبار والجانب الشرقي من الموصل وجزء كبير من الجانب الغربي والعمل جار لتحرير ما تبقى منه ومن المتوقع الانتهاء من تحرير جميع الأراضي العراقية خلال أسابيع قليلة.
ثمة العديد من التكهنات والتوقعات لما ستؤول إليه الأمور بعد تحرير الموصل، بعضها يتوقع أن يحصل نزاع قومي بين بغداد وأربيل على بعض المناطق المتنازع عليها في الموصل وبقية المحافظات وانضمام كركوك إلى إقليم كردستان، أولى هذه البوادر توجيه محافظ كركوك في مارس 2017 برفع علم إقليم كردستان على المؤسسات والدوائر الرسمية في المحافظة، توجيهات جاءت بالتزامن مع تصريحات رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان بقرب إعلان استقلال إقليم كردستان عن الحكومة العراقية، تقف أمام هذه التصريحات الإدارة الأمريكية التي تريد أن يكون العراق بلداً فيدرالياً موحداً، كما أن هناك أطراف وأحزاب كردية مؤثرة ومهمة تتمثل بالاتحاد الوطني الكردساتي وحركة التغيير، والتي يمتد نفوذها إلى محافظات السليمانية وكركوك (المحافظ من الاتحاد) وأجزاء من ديالى والموصل، وهذه القوى لا تميل إلى التسرع في إعلان الاستقلال دون ترميم البيت الداخلي الكردستاني والعراقي.
قراءة متأنية للوقائع التاريخية المعاصرة والواقع داخلياً وإقليمياً ودولياً تؤكد أن الفرصة مؤاتية لعودة الأمن والاستقرار إلى الموصل وعموم المدن العراقية عبر تحقيق مصالحة مجتمعية بين أبناء مدينة الموصل وبقية المناطق المحررة. وهو أمر أكدت عليه ودعمته الحكومة العراقية عبر تشكيل لجان شعبية من قادة الرأي وشيوخ العشائر ورجال الدين يأخذون على عاتقهم بث رسائل تطمين للأهالي عبر مختلف المؤتمرات والندوات والفعاليات التثقيفية والتوعوية، مؤكدة على اللحمة الوطنية ونبذ الخلافات والتأكيد على المشتركات الوطنية والعيش المشترك وضرورة إعمار المدن المحررة.
ومع زخم الانتصار الميداني في الموصل، لا بد من وضع الخطط الإستراتيجية الطموحة القابلة للتنفيذ لإعادة إعمار المحافظة وبقية المناطق المحررة، فوحده النهوض الاقتصادي هو الكفيل والضامن لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والتعايش السلمي المشترك، وصولاً إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي الذي يؤمن حياة حرة رغيدة ويشجع العوائل النازحة والمهاجرة إلى العودة لمدنهم والمساهمة الفاعلة في ازدهارها.
ثمة ضرورة ملحة لتطبيق اللامركزية في إدارة المدن والقصبات كما نصت عليه المادة (116) من الدستور التي تشير إلى: “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية”. وفي الموضوع نفسه نصت المادة (122/ أولاً) على :”تمنح المحافظات التي لم تنتظم في إقليم الصلاحيات الإدارية والمالية الواسعة بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية الإدارية وينظم ذلك بقانون”.
وهناك نخب مثقفة وواعية موصلية يمكن الاعتماد عليها والركون إليها في وضع هذه الإستراتيجية الطموحة لمدينتهم، بما يشمل تفعيل دور هيئة استثمار الموصل بإعطائها الصلاحيات القانونية والتشريعية ومنحها تسهيلات إدارية للقيام بدورها ووضع خارطة استثمارية وفق خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المدينة ومتطلباتها.
ومن المهم أيضاً، إعطاء العائلات التي ترغب بالعودة إلى مساكنها منحاً مالية مجزية وتعويض المتضررين وإعطاؤهم بداية لأصحاب المنازل والدور المتضررة ومن ثم لاصحاب المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية الصغيرة. وأخيراً إحالة المشاريع العملاقة للاستثمار خاصة معامل الحديد والصلب ومعامل إنتاج وتكرير النفط والغاز وإنشاء مدن سياحية ومجمعات سكنية لتصبح المحافظة مركز جذب سياحي واستثماري.