العلاقات المصرية الإيرانية، موضوع يستعصي على الإجابة، ويزداد تعقيداً كل يوم مع تعقيدات المشهد العربي والإقليمي والعالمي. مصر وإيران دولتان كبيرتان، صاحبتا حضارتين عريقتين، لهما مكانة إستراتيجية ونفوذ مستحق. ليس بينهما عداء تاريخي ولا علاقات جوار تستدعي الحيطة والحذر، وبالرغم من ذلك، فالعلاقة بين البلدين في توتر منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وخلال ست عقود تبدلت أنظمة الحكم فى البلدين وقامت ثورات شعبية، ولكن بقى التوتر المزمن بين البلدين رغم ما بينهما من مشتركات وآفاق للتعاون فى مجالات كثيرة.
(2)
لو عدنا بالتاريخ إلى الوراء سنجد أن التوتر بين البلدين بدأ بين مصر الثورة في فترة حكم عبد الناصر، وإيران الشاه، الأخير كان من أوائل من اعترفوا بدولة إسرائيل التى كانت مصر تعتبرها عدوها الأول لاغتصابها أرض فلسطين العربية، كان الشاه حليفاً قوياً لأمريكا، وعضواً فى حلف بغداد الذي اعتبره عبد الناصر مقوضاً لسياسة عدم الانحياز، ومحاولة لاستقطاب دول منطقة الشرق الأوسط للدخول فى تحالفات لا تفيد دول الحلف لكن تسمح بالمزيد من الهيمنة الأمريكية فى المنطقة.
توفي عبد الناصر، وجاء السادات رئيساً لمصر، حدث تحول كبير فى السياسة المصرية، ورغم انتصار مصر فى حرب أكتوبر 1973 كان السادات يرى أن أمريكا صاحبة اليد الطولى والدور الأهم فى المنطقة والعالم، وبدأ في الهرولة تجاه الغرب مبتعداً عن الروس. حدث تقارب كبير بين مصر الساداتية وإيران البهلوية وأصبحت العلاقات بين البلدين على أحسن ما يمكن أن يكون، لكن مع نجاح الثورة الإسلامية فى طهران وخروج الشاه قطعت الثورة الإيرانية علاقة إيران مع أمريكا وإسرائيل ودافعت عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وطرحت نفسها عدواً للكيان الصهيوني وللشيطان الأكبر الأمريكي، على حد وصفها. في الوقت الذي تحولت فيه مصر إلى حليف لأمريكا وإسرائيل بعد توقيعها على معاهدة السلام، وبادرت إيران الإسلامية بقطع العلاقات مع مصر وزاد الشقاق بين البلدين بعد أن استقبل السادات شاه إيران بعد أن رفضت أمريكا استقباله على أرضها. كان هناك تحريض إيراني لقلب نظام الحكم فى مصر واتهامات مصرية لإيران الإسلامية بدعم الحركات الإسلامية فى مصر، ومن بينها جماعات عنف وإرهاب.
(3)
بعد مقتل السادات عام 1981 وإعدام قاتله خالد الإسلامبولي، قامت إيران بتخليد ذكرى الأخير وإطلاق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية فى طهران واعتبرته شهيداً. هذا الموقف زاد من حدة التوتر بين البلدين واستمر التوتر بسبب المواقف الخلافية بين البلدين، منها موقف مصر من الحرب العراقية الإيرانية الذي بدأ محايداً وانتهى إلى صف العراق، حرب تحرير الكويت التي جلبت القوات الأمريكية لمنطقة الخليج التي أقلقت إيران واعتبرتها تهديداً لأمنها القومي لكن مصر خالفتها الرأي ووجدت أنها قوات تأمين للخليج ورحبت بوجودها.
بعد غزو أمريكا للعراق وما تبع ذلك من تفكيك للجيش والشرطة العراقية، انهارت مؤسسات الدولة وأدى ذلك لفوضى عارمة وانفلات أمني. تحول العراق لمسرح للحروب الطائفية والعرقية وسمح ذلك بالتدخل الإيراني في الشأن الداخلي العراقى توخياً لأي تداعيات تهدد أمنها القومى، ومع تزايد النفوذ الإيراني فى العراق تصاعدت مخاوف دول الخليج.
(4)
وعلى الرغم من أن قضية أمن الخليج مثلت إحدى معوقات تطور العلاقات المصرية الإيرانية فإن الملاحظ أن البلدين راحا يعملان على تحسين العلاقات فيما بينهما، واستمرت زيارات الوفود وعادت العلاقات الدبلوماسية على مستوى مكاتب رعاية المصالح عام 1991، وأيدت مصر عام 1999 انضمام إيران إلى عضوية مجموعة الـ15، وتبادل الرئيسان حسني مبارك ومحمد خاتمي التهنئة تلفونياً بعد انضمام إيران عام 2000 إلى المؤتمر الذي استضافته القاهرة آنذاك.
لكن في عام 2004 عادت أجواء التوتر تخيم من جديد على علاقة البلدين ،(لم يغير فيها قرار إيران برفع اسم خالد الإسلامبولي عن أحد شوارع طهران وإعادة تسميته بشارع الانتفاضة)، إذ أعلن النائب العام المصري وقتئذ عن إحباط أجهزة الأمن المصرية محاولة إيرانية لزرع جاسوس مصري جنده دبلوماسي إيراني يعمل في القاهرة، وقال بيان النائب العام إن هذا الجاسوس كان يخطط للقيام بعمليات تفجير في مصر والسعودية، وهو ما نفته إيران.
(5)
مع تولي الرئيس أحمدي نجاد السلطة عام 2005 شهدت السياسة الخارجية الإيرانية تطورات مهمة على صعيد القضايا الخارجية، كان أبرزها تصدر الملف النووي الإيراني، فاجأت إيران الولايات المتحدة وأوروبا باستئناف عملية تخصيب اليورانيوم، فتوترت العلاقات الإيرانية الأمريكية إلى الحد الذى رفعت فيه الولايات المتحدة سقف تهديدها بضربة عسكرية لإيران، وردت إيران بالتهديد بتوجيه ضربات مباشرة إلى القوات الأمريكية في العراق والخليج.
كان لدى الدول العربية انطباع بأن فوز نجاد الراديكالي المحافظ برئاسة إيران سيوقف مسيرة التحسن فى العلاقات العربية الإيرانية التي بدأها الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلا أن العكس هو ما حدث، سعى الرئيس الإيراني إلى حشد موقف دولي مساند لإيران أمام الولايات المتحدة. وأجرت إيران اتصالات مكثفة مع عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر لإضعاف التأثير الأمريكي على إيران. وكان من الملاحظ أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أكد فى عدة مرات رغبة إيران فى عودة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وأن بلاده مستعدة لعودة العلاقات فى اليوم الثاني لموافقة مصر، لكن مصر لم تكن مستعدة.
(6)
فى مايو 2008 قامت الولايات المتحدة بعمل مناورات فى منطقة الخليج العربى، أطلقت عليها ”حسم العقبان” اشتركت فيها وحدات عسكرية من الإمارات وقطر والبحرين والكويت. كما شاركت كل من مصر والسعودية والأردن وسلطنة عمان بصفة مراقب. مشاركة مصر في هذه المناورات كانت إشارة إلى تقاربها مع الموقف الأمريكي على الرغم من معارضة مصر لتسوية الملف النووي الإيراني بالقوة العسكرية.
مع تولي باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة عام 2009 بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة في الإعلان عن تغيير سياستها تجاه إيران، لكن مع التشدد الإيراني في اتجاه تطوير برنامجها النووي اتجهت الولايات المتحدة نحو محاصرة إيران بفرض العقوبات عليها، وكان لهذا التصعيد أثره السلبي على العلاقات المصرية الإيرانية بالنظر إلى علاقات التعاون والتحالف الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، حيث التقت مصالحهما على ضرورة مواجهة الطموح الإيراني، والحد من نفوذها فى المنطقة. في هذا التوقيت، لم تكن مصر على استعداد للنيل من علاقاتها الإستراتيجة مع الولايات المتحدة لصالح إحداث أي تقارب ملموس في العلاقات مع إيران.
(7)
خلال كل هذه السنوات، لم تنقطع تصريحات مسؤولي البلدين بأن كلاً منهما لا يعد الآخر عدواً، لكن التحالف المصري الأمريكي وأمن الخليج كانا أهم الأسباب التي أدت لاستمرار التباعد بين البلدين بالإضافة إلى المخاوف الأمنية المصرية تجاه نشر التشيع.
بعد اندلاع ثورة 25 يناير، استقبلت إيران أخبار الثورة بالحفاوة البالغة، وأعلن نبيل العربي وزير الخارجية المصري بعد الثورة أن مصر بصدد فتح صفحة جديدة مع جميع الدول، بما فيها إيران، لكن الوزير محمد العرابي الذي خلفه في منصبه تراجع فى هذا الموقف وقال: “إن أمن الخليج خط أحمر بالنسبة لمصر، ومحل اهتمام مصري بنسبة مائة بالمائة وإن التقارب مع إيران لن يكون أبداً على حساب الخليج”.
في 30 مايو 2011 وقبل أن يغادر وفد شعبي مصري إيران (كانت مهمته تحسين العلاقات بين البلدين)، طردت مصر دبلوماسياً إيرانياً واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه بعد اتهامه بالتجسس. بعد وصول الرئيس مرسي للحكم فى يونيو 2012، لاقت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حالة من التقارب، حيث توجه مرسي إلى طهران في أغسطس 2012 في أول زيارة لرئيس مصري إلى إيران منذ الثورة الإسلامية؛ لحضور قمة دول عدم الانحياز. زيارة مرسي إلى طهران أعقبتها زيارة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى القاهرة في فبراير 2013، لحضور قمة دول المؤتمر الإسلامي، شهدت الزيارة استقبالاً مميزاً وزيارات ولقاءات متعددة على هامش القمة كانت بمثابة انطلاقة مهمة لرسم أفق لتطور العلاقة بين البلدين. كان هناك خلاف رئيسى حول الملف السورى، فمرسي كان يعارض وجود بشار فى الحكم ويؤيد المعارضة المسلحة، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، في حين كانت إيران تؤيد بشار وتسانده.
(8)
عقب ثورة 30 يونيو 2013، وعزل الرئيس مرسي صدرت تعليقات إيرانية سلبية حول هذا الأمر والتشكيك فيه، لكن التطور الإيجابي في العلاقات الخليجية-الإيرانية والتى ظهرت بوادرها مع زيارة أمير الكويت لإيران، كان لها تأثير مباشر على فرصة تحسن العلاقات المصرية الإيرانية التي تحدث عنها السيسي حين كان مرشحاً للرئاسة في مايو 2014 قائلاً :”إن العلاقة مع إيران تمر عبر الخليج العربي، وأمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج”. بعد فوز الرئيس السيسي في الانتخابات، قوبل الأمر بترحيب وتهنئة رسمية من الخارجية الإيرانية وتشديد على وجوب تطوير العلاقة بين البلدين، وتم تقديم دعوة للرئيس الإيراني لحضور حفل تنصيب الرئيس السيسي.
بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسى حكم مصر انتهت مرحلة الدعم المصري للمعارضة السورية، ودعا السيسي إلى حل سياسي في سوريا يبدأ بمكافحة الإرهاب وهي الرؤية التي يتبناها النظام في إيران. السيسي يرفض الحل العسكرى فى سوريا، ولا يدعم المعارضة المسلحة ويعتبر أن النظام الحالي لابد أن يكون جزءاً من المفاوضات حول مستقبل سوريا، وهو في ذلك يلتقي مع التصور الإيرانى الروسي، ويعارض الرؤية السعودية الرافضة تماماً لنظام الأسد ووجوده، وهو ما أدى لخلاف مصري سعودي فى عهد الملك سلمان.
ورغم التقارب المصري الإيراني بالنسبة للملف السوري فثمة ملفات أخرى يتعارضان فيها، ومنها: تسليح الحوثيين فى اليمن، وتمدد النفوذ الإيراني فى عدد من الدول العربية والتدخل في شؤونها الداخلية بما يهدد أمن دول الخليج وعلى رأسها السعودية التي تعتبر إيران أشد خطراً من داعش.
(9)
الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب وصف إيران بأنها الدولة الإرهابية رقم واحد فى العالم، وانتقد الاتفاق النووي الذي تم مع إيران في عهد أوباما ووصفه بأنه أسوأ اتفاق تفاوضي على الإطلاق. هذه العبارات الصاخبة قد تغري دول الخليج وعلى رأسها السعودية التى اعتبرت أن إدارة أوباما فى سنواتها الأخيرة تخاذلت في الدفاع عنها وعن مصالحها قبالة إيران. فى نفس الوقت، نجد أن إدارة ترامب غضت الطرف عن قانون التسوية الذي أقره الكنيست الإسرائيلى وتم بمقتضاه شرعنة استيلاء إسرئيل على أراضٍ فى الضفة الغربية المحتلة بأثر رجعي، كما تراجعت الإدارة الأمريكية عن حل الدولتين إرضاءً لإسرائيل، وفي المقابل ماذا يقدم ترامب للعرب؟ ترامب يقدم إيران طعماً ليعطي فلسطين هدية مجانية للكيان الصهيوني، وهنا يجب على مصر والدول العربية الحذر من الوقوع فى هذا الفخ الذي ينذر بأسوأ العواقب وضياع القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينين.
(10)
القضايا المحورية في السياسة الخارجية المصرية تكشف عن مفارقة تبدو في غاية الأهمية، وهي أن ثورة يناير لم تصل إلى السياسة الخارجية المصرية بالشكل الذي قد يطمح إليه كثيرون، فى حين قلبت ثورة يوليو موازين السياسة المصرية الخارجية. لم تؤثر ثورة يناير ولا يونيو في علاقة مصر الإستراتيجية بأمريكا التي تعدها الحليف الأهم رغم محاولة التوازن في العلاقات الدولية والتقارب مع روسيا، روابط كثيرة وشراكات تجمع مصر بأمريكا ومن بينها العلاقة الإستراتيجية بين أمريكا والسعودية ودول الخليج، فمصر حتى هذه اللحظة تدور في فلك هذه الروابط والعلاقات القديمة.
لكن أمريكا لن تستمر طويلاً كقطب أوحد للعالم، سنوات أقل من أصابع اليد الواحدة ستشهد صعود بلدان أخرى إلى القمة من بينها الصين، وهو ما سيغير كل التحالفات السياسية، والرهان العربي على أمريكا سيكون رهاناً خاسراً.
أعتقد أنه رغم كل المصاعب والعقبات التى تلوح فى الأفق، على مصر وإيران، أن ينظرا لما هو أبعد من غبار المعارك التي تدور رحاها على الأرض العربية وتشارك فيها إيران بشكل أو آخر، فهناك مستقبل واعد لآفاق تعاون بين البلدين، فى العديد من المجالات، الصناعة والسياحة والنفط وغيرها.
وأنا مؤمنة أن الشعبين المصري والإيرانى قادران على تجاوز الخلافات السياسية التى لم يكونا جزءاً منها، بل فرضتها الظروف التاريخية والتحالفات الإستراتيجية، فكل منهما يحمل الود والتقدير للآخر ويستحقان أن يتشاركا فى صناعة مستقبل أفضل لبلديهما.