فاجأ أكبر هاشمي رفسنجاني الإيرانيين برحيل تبخرت معه آمال كثيرة كان يبيتها أنصار التيار الإصلاحي من خلال أداء أدوار مصيرية في إيران. وفاته أيضاً شكلت مناسبة لانتقاد أدائه وإستعراض الانتهاكات والاخفاقات التي شهدتها إيران طوال الأعوام الـ 37 الماضية.

مع وفاة رفسنجاني لم يبق من الحلقة الأولى التي أحاطت بروح الله الخميني إبان انتصار الثورة إلا مرشد الجمهورية علي خامنئي والإصلاحي المعارض مير حسين موسوي الذي يقبع قيد الإقامة الجبرية وزوجته زهراء رهنورد، ومهدي كروبي.

وكان رفسنجاني قد دفع بثقله خلف مير حسين موسوي في انتخابات عام 2009 ضد خامنئي الذي أعلن صراحة دعمه لأحمدي نجاد في اصطفاف شكل بداية للخلافات العلنية بين رجال الخميني.

منذ تلك الفترة تقاذف خامنئي ورفسنجاني الكثير من الانتقادات ضد بعضهما الآخر إذ كان رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الراحل الرجل الوحيد بين رجال الحكم الذين يجرؤون على انتقاد خامنئي علناً، لكن مع وفاته انتهت تلك الانتقادات التي كان يستند فيها رفسنجاني عادة إلى مقارنة أداء خامنئي بطريقة حكم مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية ليبرز عدوله عن ذلك النهج.

في مثل هذه الأحوال، يجد المرشد أمامه المجال مفتوحاً للرد على معارضيه، ولم يفوت هذه الفرصة حتى في رسالة التعزية التي وجهها في رحيل رفسنجاني حيث هاجم معارضيه بوصفهم “الخناسين” الذين سعوا للوقيعة بينه ورفسنجاني.

السنوات السابقة التي مهدت لظهور خلافات المرشد ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام إلى العلن مكنت الأخير من التركيز على أدوار مجلس خبراء القيادة المعني بالرقابة على أداء المرشد، بل وطرح مشروع يحدد فترة ولاية الفقيه إلى عشر سنوات.

كما شكلت انتخابات مجلس خبراء القيادة الأخيرة بارقة أمل بين الاصلاحيين بفوز غالبية المقربين من رفسنجاني في الانتخابات. وبدا الإصلاحيون يعولون على أدوار كان يقودها رفسنجاني في مجلس خبراء القيادة لانتخاب خليفة معتدل لخامنئي، خاصة وأن الأخير يعاني من مرض لم تخفه السلطات.

وكان رفسنجاني قد تحدث عن “اللحظة الموعودة” لانتخاب قائد لمستقبل الجمهورية. وذكر مرة أنه “ليس من المهم أن أكون رئيسا لمجلس خبراء القيادة في اللحظة الموعودة، إذ أستطيع التأثير على قرارات المجلس من خلال حضوري.” لكن الأجل لم يمهله.

نكسة أخرى تحوم بوادرها حول معسكر الإصلاحيين في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المقبل، حيث كان الرئيس الأسبق من أبرز الشخصيات التي أثارت مخاوف من تزوير الانتخابات. وكان وجوده في أعلى مراكز القرار رادعاً لتكرار هواجس التزوير مثل تلك التي شابت انتخابات عام 2009.

وفاة رفسنجاني مهدت أيضا لاستحواذ مرشد الجمهورية على “الجامعة الحرة” من خلال تعيين مستشاره علي أكبر ولايتي على رأس الجامعة. وهي من كبرى المؤسسات التعليمية والاقتصادية في البلد. وكان رفسنجاني يتولى رئاسة مجلس إدارتها.

سعى المرشد كثيرا بواسطة أحمدي نجاد والمنابر الإعلامية التابعة له إلى انتزاع إدارة هذه الجامعة من رفسنجاني. لكن الأخير قاوم الجميع وظل على رأس الجامعة التي تمتلك فروعاً في جميع المحافظات وغالبية المدن الإيرانية.

مع هذا لم يترك الفراغ الذي سببته وفاة رفسنجاني تأثيرا على فئات أخرى في إيران. ومنهم الأقليات غير الفارسية باختلاف انتماءاتهم العرقية؛ الترك والكرد والعرب والبلوش والتركمان حيث كان ضد منح هذه الشعوب حقوقها القومية؛ بل عرفت فترة حكمه مواجهات أمنية ضد نشطاء القوميات غير الفارسية. وكذلك تنفيذ سياسات لتفريس مناطقهم، وتهميشها اقتصاديا على حساب المحافظات الفارسية.

كما نفذت وزارة المخابرات في عهده سلسلة اغتيالات سياسية ضد معارضين في الداخل والخارج، منهم زعيما الحزب الديمقراطي الكردستاني صادق شرفكندي وعبدالرحمن قاسملو.

حلقات ضيقة في السلطة كانت معنية بمثل تلك الخطط وأكبر رفسنجاني إن لم يكن ضمنها كان على إطلاع بالكثير من الأسرار. ولذا، وصفه البعض بصندوق أسرار النظام. ومع وفاته ظلت الكثير من تلك الأسرار مكتومة.

 

مصدر الصورة: http://farsi.khamenei.ir/photo-album?id=35368