ازداد التلوث في دول مجلس التعاون الخليجي بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة نسبياً، وأصبح محل أنظار المهتمين بالقضايا البيئية العالمية. وارتفع انبعاث ثاني أكسيد الكربون فيها من 712 مليون طن في عام 2005 إلى 1203 مليون طن في عام 2015 أي بنسبة 69%. في حين لا تتجاوز الزيادة العالمية خلال هذه الفترة 17%.

إن تفاقم الغازات الدفيئة في الخليج وانخفاضها في الدول الصناعية الكبرى يعكس إلى حد بعيد الفرق الشاسع في الكفاءة الطاقية. إذ تستطيع هذه الدول تقليص استهلاك الوقود الأحفوري دون التأثير سلبياً على الناتج المحلي الإجمالي. هذه هي الفاعلية الطاقية العالية المتبعة في اليابان وبلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة. ويعتمد ارتفاع درجات الكفاءة الطاقية اعتماداً أساسياً على التقدم التكنولوجي، كبذل الجهود المستمرة في اختراع أدوات ومعدات وأنظمة تستهلك كمية اقل من الطاقة. أما بلدان الخليج وبسبب تأخرها التكنولوجي فلا تستطيع تقليص استهلاكها للطاقة دون التأثير سلبياً على النمو الاقتصادي. بل أن هذا النمو يعتمد على الاستخدامات المتزايدة للوقود.

المساهمات المعتزمة

حسب ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﳌﺘﺤﺪﺓ ﺍﻹﻃﺎﺭﻳﺔ ﺑﺸﺄﻥ ﺗﻐﲑ ﺍﳌﻨﺎﺥ يتعين على كل طرف تقديم وثيقة “المساهمات الوطنية المعتزمة والمحددة” إلى سكرتارية الأمم المتحدة. تتناول الوثيقة خطة الدولة المستقبلية لتقليص الغازات الدفيئة، كمية أو نسبة التقليص والفترة الزمنية والإجراءات اللازمة لتنفيذها. وتشترط الاتفاقية أن تقوم كل دولة بتسليم وثيقة المساهمات الوطنية بشكل دوري، مرة كل خمس سنوات. واستجابة لهذه الآلية قدمت جميع أقطار مجلس التعاون وثائقها العام المنصرم وستتجدد حسب التطورات في عام 2020.

تتناول وثيقة البحرين إنشاء محطات للطاقة الشمسية لتحلية المياه. وتعمل الدولة على تقليص استهلاك الطاقة في الأبنية السكنية والتجارية. ولكن الوثيقة لا تحدد كمية أو نسبة التقليص.

أما وثيقة عمان فتتوقع أن يصل مجموع كمية الغازات الدفيئة (بدون المساهمات) إلى 90 مليون طن في عام 2030. وتتضمن تخفيضها بنسبة 2% عن طريق تطوير التشريعات المتعلقة بالطاقة وبواسطة استخدام الطاقة المتجددة. وهذه المساهمة ضعيفة خاصة وإن كمية الكربون ترتفع بمعدلات عالية حيث انتقلت من 25 مليون طن في عام 1995 إلى 73 مليون طن في عام 2015 وستصل إلى 88 مليون طن في عام 2030. وتجدر الإشارة إلى أن المساهمة في المغرب تبلغ 32% وتصل في تونس إلى 41%.

أما الوثيقة القطرية فتستعرض التداعيات السيئة لتغير المناخ على البلد. فإذا ارتفع مستوى البحر خمسة أمتار فقط فسوف تغمر 18.2% من مساحة البلد. وتكمن الخطورة في أن جميع السكان تقريباً يسكنون في المناطق الساحلية. بيد أن هذه الوثيقة المعدة من قبل وزارة متخصصة اكتفت بالعموميات كاستخدام الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي. وهي تخلو من أي التزام محدد لتقليص الغازات. علماً بأن قطر اكبر بلد في العالم من حيث حصة الفرد في انبعاث الغازات البالغة 38 طنا.

وتشير وثيقة الإمارات إلى رفع حصة الطاقة النظيفة (المتجددة والنووية) قياساً بالاستهلاك الكلي للطاقة من 0.2% في عام 2014 إلى 24% في عام 2020. كما تهتم بالاقتصاد من الطاقة في الأبنية وإنشاء مترو الأنفاق. أما المساهمات الكويتية في تقليل الانبعاث فتعتمد على عدة مشاريع مستقبلية منها إنشاء مصفاة لإنتاج مواد نفطية وفق المواصفات العالمية. واستغلال النفايات في إنتاج الطاقة. وإنشاء المترو. وتحسين استغلال الطاقة الشمسية. ومشروع سكك الحديد. علماً بأن الوثيقة لا تتضمن أي تحديد نسبي أو كمي لتقليص انبعاث الغازات.

تنفيذ الالتزامات

لا توجد أية عقوبة يمكن توقعها على الدولة المتنصلة من التزاماتها البيئية. في حين تعاني جميع الدول النامية من مشكلة التنفيذ. هناك أربعة عوامل على الأقل تشجع الخليجيين على احترام التزاماتهم:

العامل الأول. تنشر وثائق المساهمات في الموقع الإلكتروني لسكرتارية الأمم المتحدة. وبالتالي فإن هنالك نوعاً من الشفافية أمام الرأي العام الذي يقوم بدور الرقيب على السياسة البيئية للدولة.

العامل الثاني. يقود عدم الاكتراث بتغير المناخ إلى ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد درجات الحرارة والفيضانات والجفاف والتصحر. وهذه الكوارث مذكورة في وثائق دول المجلس. إنها تمس حياة وصحة الإنسان. وتهدد حق أساسي من حقوقه الذي لا يقل أهمية عن حقه في إبداء الرأي أو في العمل. وقد أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان على أهمية هذا الحق في مناسبات عديدة. من بينها التقارير الموجهة إلى مؤتمرات الأطراف بما فيها مؤتمر مراكش المنعقد بين 7 و 18 نوفمبر 2016. وتعتبر المفوضية أن حق العيش في بيئة سليمة مسؤولية تتحملها الحكومات.

العامل الثالث أن جميع المساهمات الخليجية مقيدة بالحصول على مساعدات مالية وتكنولوجية خارجية يقررها الصندوق الأخضر. لكن هذه المساعدات لا تمنح إلا لتنفيذ المشاريع المرتبطة بتحسين الشروط المناخية. وسيكون حجم الدعم في مقدمة جدول أعمال مؤتمر مراكش.

وعلى هذا الأساس يرتفع تنفيذ الالتزامات إذا كان الدعم الخارجي أكبر أهمية من النتائج الاقتصادية لتزايد استهلاك الطاقة. ولكن لا يوجد في الوثائق الخليجية أي تقدير لحجم هذا الدعم وذلك على عكس الوثائق المقدمة من قبل المغرب وتونس والأردن. وبالتالي سيكون من الصعب تقليص استهلاك الطاقة في الخليج لارتباطه مباشرة بالوضع الاقتصادي خاصة تحت ظل الظروف المالية الحالية.

العامل الرابع. من الزاوية القانونية باتت المحافظة على البيئة تستند إلى قواعد دولية بموجب الاتفاق العالمي بشأن تغير المناخ الذي دخل حيز التنفيذ في الرابع من نوفمبر 2016. وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون (باستثناء الإمارات) لم تصادق عليه لحد الآن. إلا إن جميعها وقعت عليه بتاريخ 22 أبريل/نيسان الماضي.

ولا يتوقف تنفيذ الالتزامات على القواعد الدولية. بل توجد أيضاً تشريعات وطنية منها قانون البيئة الإماراتي الاتحادي رقم 1 لسنة 2002 وقانون حماية البيئة الكويتي رقم 42 لسنة 2014 وقانون حماية البيئة القطري رقم 30 لسنة 200.  بل هنالك أيضاً مواد دستورية في هذا المجال. فقد نصت المادة 32 من الدستور السعودي على ما يلي “تعمل الدولة على المحافظة على البيئة وحمايتها وتطورها ومنع التلوث فيها”. وفي المادة 9 من الدستور البحريني والمادة 12 من الدستور العماني نصوص مماثلة.

إن تزايد التلوث في الخليج على النحو المذكور أعلاه يقود إلى استنتاجات خطيرة. فهو لا يعني فقط عدم احترام الالتزامات الدولية بل كذلك عدم الاكتراث بالقوانين الوطنية العادية والدستورية.

الحالة السعودية

تستهلك السعودية طاقة قادت في العام الماضي إلى انبعاث 624 مليون طن من الكربون أي أكثر من نصف كمية الكربون في العالم العربي. ويرتفع الانبعاث فيها بنسب عالية تفوق بكثير المعدل العالمي. كما أن حصة الفرد السعودي البالغة 19 طناً تعادل ضعف حصة الفرد في الصين. وهكذا صنفت السعودية وكذلك دول الخليج الأخرى ضمن الدول الأكثر تلوثاً في العالم. فوجهت لها دعوات لترشيد استهلاكها النفطي برفع الدعم الحكومي عنه.

لكن المشكلة لا تتعلق بالاستهلاك الفردي الخاص بقدر ما تتعلق بطبيعة الوضع الاقتصادي الذي يعتمد في صناعاته التحويلية على النفط اعتماداً كلياً (البتروكيماويات والكيماويات والألمنيوم). وبالتالي فإن ترشيد الاستهلاك وهو ضروري للحياة والصحة لا يخلو من الإضرار بالمصالح الاقتصادية لانه يقود حتماً إلى تراجع القدرة التنافسية للصادرات الصناعية. ناهيك عن أن استخدام المنتجات النفطية لتحلية المياه لا يقبل التقليص. ورغم ذلك ستتخذ السعودية إجراءات للحد من التلوث منها تنمية الطاقة المتجددة ومشاريع شبكات المترو وتطوير آليات تخزين الكربون.

تتضمن الوثيقة تخفيض 130 مليون طن من الكربون بحلول عام 2030 أي بنسبة 21% مقارنة بالكمية الحالية. وتشترط الوثيقة للوصول إلى هذا الهدف أن لا يؤثر ذلك على النمو الاقتصادي وأن لا يكون عبئاً ثقيلاً على المؤسسات. من الناحية العملية سيكون من الصعب تحقيق هذا الهدف تحت ظل هذين الشرطين لأن ثلاثة أرباع صادرات الصناعات التحويلية السعودية تتكون من منتجات تعتمد على النفط. لا يمكن إذاً تقليص الاستهلاك أي تقليل غازات الدفيئة دون التأثير سلبياً على هذه الصناعات.

التلوث في دول مجلس التعاون أزمة حقيقة لا يجوز بحال من الأحوال إهمالها بل لابد من التصدي لها بسرعة وفاعلية. يتعين إذاً احترام الالتزامات البيئية حتى وإن اصطدمت بالمصالح الاقتصادية.

صورة المقال: ندوة زايد السابعة للعلوم البيئية في جامعة الخليج العربي