لا جدال في أن الخلاف بين مصر والمملكة السعودية الذي وقع منقطعا عن أي مقدمات تمهيدية له وتصاعدت وتيرته بتعاقب سريع للمواقف والإجراءات الكيدية المتبادلة بين الطرفين، قد باغت المراقبين وأضاف إرباكا جديدا للوحة إقليمية مرتبكة أصلا. فحتى الآن لم تتضح بعد ما إذا كان هناك أسباب خفية وراء التوتر في العلاقة بين البلدين الحليفين،  تتعدى السبب المعلن الذي بدا غير مقنع أو مبرر له. فالخلاف الذي نشب على خلفية تصويت ممثل الجمهورية العربية المصرية في الأمم المتحدة لصالح القرار الروسي حول الوضع في سوريا، دفع كل طرف من الطرفين وفي سياق ردود الفعل عليه، بالتسرع في اتخاذ قرارات بحق الطرف الآخر،  أقل ما يقال عنها أنها غير محسوبة،  وصبيانية وبخاصة عند الحديث عن الحملات الإعلامية المتبادلة. ولكنه وبغض النظر عن ما إذا كان هذا هو الفتيل الذي أشعل الأزمة أو أن هناك أسبابا أخرى مستترة،  فبالنظر إلى تاريخ مسار العلاقة بين النظامين،  وتحديدا عقب الأوضاع التي نشأت في مصر خلال العام 2013،  واستجلاء حقيقة أن لا تنازع مصالح رئيسي بينهما،  فإن أي دوافع لهذا التوتر لن تتعدى موقفا هامشيا هنا ونميمة جرى نقلها من هناك.

ما حدث بين البلدين مؤشر إضافي على مقدار التخبط الذي يهيمن على مراكز القرار في كل منهما، وما يستجلبه بالضرورة لحساسية وعصبية شديدة،  إزاء أي تحرك يستشعر أي منهما إشارات غير مطمئنة فيه،  كما أنه من غير الوارد عزل هذه الانتكاسة في العلاقة الحيوية والضرورية لكل من طرفيها، عن جملة التناقضات الأخرى بين كل من السعودية ومصر، ومكونات مجالها السياسي المحيط بها.

السعودية:

فالسعودية  وقبل أن تتعثر شراكتها مع مصر،  قادتها مغامراتها السياسية في الإقليم وعلى الساحة الدولية،  نحو عزلة غير مسبوقة في تاريخ حكم آل سعود للمملكة. عداء صريح مع سوريا وإيران وخاصرتها الضعيفة في اليمن،   وخيبات أمل في وكلاء تاريخيين لها في أقطار أخرى كلبنان وفلسطين،  وفتور في العلاقات معهم،  وتقلبات جيوبوليتيكية حادة استجدت في منطقة الشرق الأوسط،  أبرزها الانسحاب الأمريكي الظاهري من الاشتباك المادي والمباشر مع ملفات الإقليم الساخنة، وصعود في النفوذ الإيراني في مواقع عربية عديدة يحظى بقبول و”تفهم” دولي له. أيضا فإن الإمارات الخليجية الصغيرة التي أثبتت قدرتها على التحرك في مختلف الملفات بديناميكية وكفاءة أعلى من السعودية باتت هي وآخرين كباكستان وتركيا تنظر إلى السياسات السعودية بخفة وتقبل على الانخراط بها بحدود لا تتعدى ما تستلزمه قواعد المجاملة أحيانا. وأخيرا فإن البيت الحاكم في السعودية وإلى جانب كل الأزمات الداخلية المتفاقمة،  أصابه التصدع ولم يعد قادرا على أن ينأى بنفسه عن حالة الاضطراب العام، فالصحافة الدولية تزخر بالتقارير المدفوعة التي يسلطها أقطاب النظام الحاكم ضد بعضهم البعض والتي تنبش أسرار البيت الملكي وفضائحه على مرأى من العالم بأسره.

في مواجهة واقعها البائس، وبقطعها حبال الوصل بينها وبين حليفها العربي الوازن الأخير من خارج المنظومة الخليجية، يبدو موقع المملكة السعودية على خريطة المنطقة موحشا في وحدته،  وهو ما ينذر بأوقات عصيبة مقبلة على المملكة، سيما وأنها تتأهب لاستحقاقات محلية ودولية لم تنجلي بعد الكيفية التي ستواجهها الأخيرة بها وهي على هذا الحال.

مصر:

لدى وصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى سدة الرئاسة المصرية، شهدت العلاقات السعودية المصرية تقاربا حميميا تجاوز حتى ما كان سائدا في عصور السادات ومبارك، انطوى ضمنيا على تنازل طوعي من قبل مصر عن مكانتها المعنوية بوصفها “الشقيقة الكبرى” لصالح المملكة السعودية،  وما رافق ذلك من محطات مفصلية أبرزها التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة. السلوك الرسمي المصري والذي جرى تبريره بالفاقة المصرية وحاجة الدولة إلى المعونات السعودية والخليجية المالية، أثار سخطا شديدا لدى الشارع المصري وحتى العربي،  الذي لم يتقبل ما ظهر كتبعية مصرية للسعودية تتخطى اعتباطا الأرصدة التاريخية والعاطفية لمصر. هذا السلوك وإن كان قد لبى آنيا التطلعات المالية  للنظام أو جزءا منها،  فإنه قد أوقد حساسية شعبية قائمة أصلا لدى المصريين وان كانت مكبوتة تجاه منظومة العلاقة القائمة بين النظامين منذ خمسين عاما،  شحنة الغضب الناجمة عنها طالت النظام السعودي والمصري نفسه واعتبرت مصارف نزيف لشرعيته المعنوية.

نظريا، فإن تمايزا في مواقف البلدين تجاه ما يحدث في سوريا،  كان ليبدو  طبيعيا في سنوات ما قبل الربيع العربي،  بالنظر إلى أن لمصر محاذير أقرب لأن تكون عقائدية حين يتعلق الأمر بتفكيك كيان قطري عربي،  أو لدى المواجهة مع التيارات الإسلامية،  بخلاف السياسة السعودية التي قد تنجرف لما هو أبعد من ذلك بهدف حسم صراعاتها مع الخصوم. غير أنه وبعيد أحداث العام 2013 جر الاعتماد المصري المفرط والاضطراري على المعونات المالية من السعودي إلى إحداث اختلال في موازين العلاقة بين البلدين لصالح نفاذ التأثير السعودي إلى عمق المحركات العقائدية للسياسات المصرية داخليا وخارجيا،  وهو ما ترجمته المواقف المصرية في مختلف الملفات والمحطات،  وإذا ما سلمنا بأن التصويت المصري لصالح القرار الروسي هو ما أثار حفيظة السعودية،  وبغض النظر عن العصبية المفرطة التي استقبلته به الأخيرة،  فالأرجح أن الموقف المصري في هذه الواقعة قد جرى في غفلة من النظام المصري عن إدراك السياق السياسي الدولي الذي باتت مصر جزءا منه ومحكومة إليه،  وأن ما استتبعه من ردود أفعال مصرية رسمية في خضم التفاعلات التي أنتجتها الأزمة،  ما هي إلا استعارات من سياق سياسي آخر متخيل عن موقع مصر في معادلات الحساب الإقليمية،  تدحض ممكناته الحقائق الذاتية والموضوعية للواقع المصري الحالي.

خاتمة:

يمكن النظر إلى الأزمة المصرية السعودية على أنها تقرحات جانبية لمسار سياسي عربي متهتك ومثقل بالمشكلات كان من الممكن تلافيها،  كونها لا تعكس تناقضات جوهرية بين البلدين بقدر ما أنها عارض من أعراض حالة الإحباط العام المستوطن لدى الأنظمة العربية التقليدية في الإقليم. وبغض النظر عن الجدوى السياسية لأي وجه من أوجه التعاون المشترك بين الطرفين في أي من ملفات المنطقة،  فإن القطيعة الاعتباطية بينهما في منتصف الطريق وفي ظل الظروف الحرجة التي يمر بها كليهما،  من شأنها أن تسرع الانزلاق إلى مصائر يراها البعض حتمية في غاية السوداوية،  قد يساعد على التخفيف من حدتها وربما تجنب بعضها اتكاء كل طرف على الآخر بدل الخوض في غمارها بشكل منفرد وبمشية عرجاء.