تقديم:

في الأيام الأخيرة جرى تداول مقطع صوتي عبارة عن تسجيل لمكالمة هاتفية جرت بين القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح ومسؤول كبير في جهاز المخابرات المصرية بثته قناة تلفزيونية محسوبة على حركة الإخوان المسلمين مقرها في تركيا.  في التسجيل المذكور يعرب المسؤول المصري عن تذمره من كل مكونات الساحة الفلسطينية السياسية بدءًا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وانتهاءً بأصغر فصيل سياسي فيها، حديث الأخير ومعزل عن مقدار الاتفاق والاختلاف مع ما ورد فيه، يحمل في طياته إشارات إلى أن دور وحضور الجمهورية العربية المصرية في الساحة الفلسطينية قد انكمش إلى حد الاكتفاء بمتابعة مجريات وقائعها الآنية والتعليق المقتضب عليها من دون امتلاك تصورات محددة عما تريده مصر في فلسطين وعن الكيفية التي تمكنها من إحراز ما تصبو إليه.

بدوره، فمن غير الممكن فصل المجال السياسي الفلسطيني عن فضاءه العربي الأعم ومقاربته كعنصر مستقل غير متصل به أو خاضع لتداخلاته، سيما وأن هذه الحالة الفلسطينية ومنذ نشأتها تأسست على مجموعة من النواظم السياسية التاريخية، من ضمنها أن حلقة الفعل السياسي المركزية الفلسطينية ينبغي أن تبقى مكونا عضويا من مكونات النظام الرسمي العربي، وهو ما يفسر على سبيل المثال بقاء حركة فتح الفصيل القائد في الساحة الفلسطينية، و عنوانا سياسيا أول للوجود الفلسطيني بالرغم من كل ما لحق بها من هزائم و أزمات على امتداد تاريخ مسيرتها السياسية والتنظيمية التي بدأت منذ عام 1965، كونها اعتبرت منذ التأسيس رديفا فلسطينيا للنظام الرسمي العربي وتوجهاته السياسية العامة. أيضا ولأن الساحة الفلسطينية ظلت مكشوفة أمام المؤثرات الخارجية سواء العربية منها أو الدولية، فإن عناصرها النشطة جماعات كانوا أو أفراد وفي سبيل تدعيم ركائز حضورهم فيها، استندوا على الدوام إلى ظهير إقليمي و عربي أفضى بالضرورة إلى جعلهم سفراء وامتدادا سياسي له في الداخل الفلسطيني. و إذا كانت انعكاسات و تأثيرات  الأحداث و التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة على الساحة الفلسطينية، قد غيبت دولا عربية راعية عنها كسوريا والعراق أو خلقت تراجعا في حضور دول أخرى كمصر و السعودية، فإن أطرافا جديدة قد انضمت إلى طاقم الرعاة الإقليميين للمجال السياسي الفلسطيني وباتت تبحث عن حصتها فيه.

قطر:

استطاعت قطر في العشرين سنة الأخيرة بذكاء و تروي أن تراكم نفوذا وحضورا سياسيا في المشهد الفلسطيني، تجاوز وزنه و فعاليته في محطات معينة و على بعض الأصعدة نفوذ بعض الدول العربية الكبيرة. فقطر التي احتضنت مبكرا قيادة حركة حماس على أراضيها، ووفرت لهم مختلف أشكال الدعم السياسي و المالي، و الإعلامي على وجه الخصوص، استوعبت أيضا أطرافا وشخصيات سياسية وثقافية فلسطينية أخرى، اشتملت عليها تشكيلتها من “الحلفاء” الفلسطينيين، بل إن أحاديثا يجري تداولها عن أن علاقة تاريخية خاصة تربط النظام القطري بالرئيس محمود عباس شخصيا، و الذي يفترض به أن يكون خصما سياسيا لها، أقله بسبب الحلف الذي تقيمه مع منافسه السياسي الأول المتمثل بحركة حماس.

 الحضور القطري في الساحة الفلسطينية و على الرغم من كل الحفيظة التي يثيرها أحيانا لدى قيادة السلطة والمنظمة في رام الله بفعل ما يرونه تدخلا سافرا أو تجاوزا لشرعية تمثيلها للفلسطينيين كما حدث عندما دعت الدوحة لمؤتمر قمة عربي خلال حرب عام 2009 على غزة وأوكلت مهمة تمثيل الوفد الفلسطيني لحركة حماس، متجاوزة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد لفلسطين. أو عندما أقدم أمير دولة قطر السابق الأمير حمد بن خليفة آل ثاني على زيارة قطاع غزة عام 2012 الخاضع لحكم حركة حماس من دون رضى الرئاسة الفلسطينية في رام الله عن الزيارة، يصر القطريون دائما على أن غرضهم الأساسي منه، مد يد العون للفلسطينيين، و تخفيف الأعباء والمشكلات الإنسانية المتفاقمة عن سكان قطاع غزة المحاصر!

غير انه ثمة إدراك عميق من قبل كل الأطراف الفلسطينية، أن الدور القطري في تشكيل خارطة توازنات القوى في الساحة الفلسطينية أصبح دورا مقررا و وازنا، سيما وأن الدوحة ترعى حاليا الترتيبات الدائرة داخل حركة حماس لاختيار قيادة جديدة لها، أيضا فإن تجهيزات مختلف الأطراف لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس أيا كان موعدها، تأخذ في حسبانها منذ الآن الدوحة باعتبارها واحدة من الجهات الرئيسية التي ستلعب دورا مقررا في هذا الاستحقاق.

الإمارات العربية المتحدة

إجمالا اتسمت مواقف دولة الإمارات فيما يخص موضوعات الشأن الفلسطيني بتوجهات الإجماع الرسمي العربي، و بُعيد رحيل الشيخ زايد بن نهيان، اقتصر الدور الإماراتي على الإسهام بنصيبها في تمويل خزينة السلطة الفلسطينية، ولكنها وفي السنوات الأخيرة ومنذ أن تكشّفت العلاقة الخاصة التي تربط بين حكام الإمارات وأبو ظبي على وجه الخصوص مع النائب والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، تعاملت الإمارات مع الأخير باعتباره صلة وصلها بالساحة الفلسطينية وممثلها السياسي فيها، إلى جانب ما توكله إليه من مهام في ملفات أخرى، و بناء عليه فقد قاربت علاقتها بباقي الأطراف الفلسطينية بحسب علاقة دحلان بهم، فكان بديهيا أن تعادي حماس صراحة، و أن تتسم علاقتها بالرئيس عباس بالجفاء، و هو ما أثر على مقدار الدعم المالي الإماراتي المرسل إلى السلطة الفلسطينية و الذي انخفض إلى مستويات متدنية للغاية.

عند الحديث عن الدور الإماراتي الحالي و المستقبلي في الساحة الفلسطينية، قد يرى البعض أن بحث هذه المسألة ينطوي على مبالغة في تصوير أي نفوذ حالي أو لاحق للإمارات. إلا أن تتبع الدور الحيوي و النفوذ الهائل لحكام أبو ظبي في عدد من مراكز القرار العربية كالقاهرة و الرياض من شانه أن يظهر حقيقة أن الإمارات قد باتت وإن بشكل غير مباشر في موقع يؤهلها لأن تفرض تصوراتها في أكثر من ملف وإن تم ذلك عبر ممرات وسيطة لها حيثية تاريخية و سياسية مقنعة كمصر والسعودية والأردن في الحالة الفلسطينية.

خاتمة:

يتستر المناخ السياسي الإقليمي على تناقض حاد بين كل من الإمارات و قطر، تتبدى تجلياته في كل ملفات المنطقة العربية المشتعلة من ليبيا وتونس ومصر وحتى سوريا وفلسطين. ويمكن عنونة الانقسام بينهما بالموقف من قوى الإسلام السياسي و على رأسها حركة الإخوان المسلمين، التي لا يفوّت حكام الإمارات فرصة من دون أن يشددوا على عدائهم المطلق معها وعن التحذير من أن الإسلاميين هم الخطر الرئيسي الذي يهدد الدول العربية ووحدة كياناتها السياسية، في الوقت الذي باتت قطر تعتبر الحركات الإسلامية وأتباعها حلفاء عضويين لها وامتدادات شعبية للحلف الذي تقوده بالشراكة مع تركيا في بلادهم.

غير أن الحالة الفلسطينية و موقعها في معادلة التناقض الإقليمي بين البلدين يكتسب خصوصية تضاف على الوصف التقليدي العام له وتزيد أهمية عنه. فالأعوام الأخيرة شهدت تناميا كبيرا في العلاقات و التعاون في مختلف المجالات بين كل من قطر و الإمارات من جهة و إسرائيل من جهة أخرى، حتى أن إسباغ صفة السرية على علاقاتهما معها قد بات يبعث على السخرية في ظل ما تتحدث به وسائل الإعلام الإسرائيلية عن تقدم باهر في التشبيك السياسي و الاقتصادي و حتى العسكري مع كلا البلدين. ولأن تغييرات نوعية تطرأ على الخريطة الجيوسياسية للإقليم، مظاهر التحول الأبرز فيها انسحاب أمريكي متدرج منه، و نامي للنفوذ الإيراني فيه، تبدو إسرائيل المرشح الأمثل للعب دور المعادل الموضوعي لإيران في المنطقة، وحليف يمتلك ما يلزم من مقدرات تؤهله لأن يلعب دور الحامي لمنظومة سياسية قد تتشكل في المستقبل تضم ممالك وإمارات الخليج وإسرائيل جنبا إلى جنب مع من قد يلتحق بهم من دول أخرى.

يجيز لنا هذا المدخل مقاربة التحالفات التي تعقدها كل من الإمارات وقطر مع أطراف فلسطينية باعتبارها ممرات تجيز بدورها لكل منهما النفاذ إلى إسرائيل، وذلك بقيام هذه الأطراف بتعبيد مسالك هذا المرور الذي قد تعرقله الموانع السياسية التقليدية لانفتاح من هذا النوع مع كيان لا يزال يحتل الأراضي العربية ويصادر حقوق سكانها الأصليين ويشن حروبا مجنونة يستخدم فيها أشد الأسلحة فتكا ووحشية، وذلك عبر تقديم هذا الانفتاح المفترض في وقت لاحق، كفعل سياسي عربي-فلسطيني-إسرائيلي مشترك.

 وبذلك تفضي مراجعة العرض السابق عكسيا انطلاقا من هذه النقطة لحقيقة أنهم شركاء اختلفوا في الطريق على الوسائل ولكنهم اتفقوا على الغاية، وأن ما أتباعهم الفلسطينيون إلا جسور تؤدي جميعها إلى روما!

محمد جميل