موجة التطرف التي تجتاح المجتمع العالمي والإسلامي بشكل خاص تحتاج مواجهة ليست فقط عسكرية وإنما أيضاً معرفية.
وطبيعة المواجهات المعرفية أنها تتعاطى مع الأصول والمرتكزات وليس مع الظواهر، أي أن الظاهرة في النظام المعرفي تعتبر مؤشراً ودلالة وليس سبباً وعلة. ومواجهة ظاهرة التطرف مواجهة معرفية تتطلب النظر في مولدات التطرف وجذورها، من خلال تشخيصها ومن ثم محاولة معالجتها بشكل جذري ومنهجي.
وما نواجهه اليوم من تصدير للمتطرفين خاصة من منطقة الخليج العربي التي تعتبر الأولى في عدد المقاتلين المنضمين لداعش، يحتاج قراءة للأسباب والمولدات لهذه الظاهرة المتكررة من حرب أفغانستان إلى أحداث ١١ سبتمبر إلى ظاهرة “داعش” الأكثر تطرفاً وشراسة وعدوانية.

الخليج العربي وأنظمة الحكم:
يحكم الخليج العربي أنظمة وراثية قائمة على النظام القبلي في إدارة الحكم، وإن بدت هذه الأنظمة عصرية في الظاهر إلا أن الروح والعقيدة قبلية في الواقع.
يقوم النظام القبلي على ركائز أهمها :
• العادات والتقاليد التي تعتبر حقائق مطلقة ومغلقة ومتوارثة مما يكسبها قداسة خاصة كونها تشكل تراث الآباء، وهو تراث له قيمته الوجودية في النظام القبلي.
• عدم قابلية التغيير والتجديد والحفاظ على نمط القبيلة ومجتمعها المغلق، خاصة النظام الأبوي الصارم الذي يؤسس لمنهج الرعية والتبعية والطاعة المطلقة لشيخ العشيرة.
• التعصب للقبيلة في كل الأحوال والدفاع عنها حتى الموت. فهي تشكل هوية الفرد وانتمائه.
• الإغارة والغنيمة في الماضي ولها ما يشابهها في الحاضر بأدوات عصرية تحمل روح الإغارة ومنهجها.
• الشرهة وهي طريقة يستخدمها أبناء القبيلة بحق شيخها لتحقيق مطالبهم مادياً ومعنوياً.
• المصاهرة والتي تلعب دوراً هاماً في التحالفات بين أبناء القبيلة وأفخاذها أو بين القبائل فيما بينها إذ تعتبر المصاهرة أداة هامة سياسياً واقتصادياً في الثقافة القبلية.
وأغلب هذه الركائز تتعارض مع وجود دولة المؤسسات ومع مفهوم المواطنة الصالحة.
إلا أن الأنظمة الوراثية في الخليج العربي، وخاصة في المملكة العربية السعودية التي تعتبر الأولى عربياً في عدد مواطنيها المنتسيين لـ”داعش”، لم تعتمد فقط في نظام الحكم على النظام القبلي، بل دمجت معه عنصراً فعالاً ومؤثراً لتشرعن وجودها وحراكها.
فقد تحالف النظام القبلي مع المؤسسة الدينية، فالأول لديه السلطة السياسية والمالية والثاني لديه سلطة الفتوى التي لها مفعول السحر على عقول الناس أي الشعوب. هذا التحالف المزدوج نتج عنه تركيية معقدة من جهة ومنتجة للتطرف العميق والمتجذر من جهة أخرى.

فأحد سمات النظام القبلي هي العصبيات القبلية التي تؤسس للتطرف الاجتماعي السلوكي، والسلطة الدينية حينما تتحالف مع السلطة القبلية فهي ستوظف سلطتها لمصلحة هذه السلطة القبلية القائمة على العصبيات والمصاهرة النسبية، بالتالي ستوظف الفتوى في تعميق التطرف والانغلاق والأحادية في الرؤية، لكن خطورتها تكمن أنها تشرعن هذا التطرف لا فقط تؤسس له.
والشرعنة تعطيه قداسة لها شرعيتها السماوية التي تحرك الفرد والمجتمع وقت ما شاءت بالاتجاه الذي ترغبه السلطة، وبذلك تعطل وظيفة العقل بالتخدير الديني، وتحرك المجتمع بنظام المقدس، فنواجه هنا تطرف مزدوج عميق هو تطرف قبلي انتمائي وتطرف ديني قداسي.
هذا النموذج من الحكم هو ضد وجود الدولة الحديثة التي تلعب مؤسساتها وسلطاتها دوراً هاماً في النهضة والتنمية والتطوير، بينما في النظام الوراثي يحكم الشعب النظام الأبوي الأحادي الذي يمثل الشعب فيه دور الرعية التابعة لا الفاعلة والمشاركة في القرار.
ترعي الدولة نظام التربية والتعليم، وكون الدولة هنا هي القبيلة المتحالفة مع سلطة الدين، بالتالي نظام التعليم فيها لا يمكنه الخروج في منهجه عن هذه التركيبة. وظيفته تأسيس أجيال منمطة تحافظ على تراث الآباء في فهمهم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم التي ترتكز على النظام الأبوي والرعوي.
ومن هنا تأمن إنتاج أجيال مصنوعة الفكر، مسكونة بالماضي والأحادية الإقصائية التي تكون أبرز نتائجها التطرف.
واليوم تخرج هذه الأزمات مجتمعة من حيز ضيق محدود إلى فضاء رحب لتستخدم في معارك الأنظمة وكي الوعي، حيث لا يمكن للسياسات والسياسيين اليوم الذين تقوم سياساتهم وحكمهم على أسس عصبوية قبلية إلا استخدام الفهم المأزوم للدين المتوارث تاريخياً في معاركها الوجودية، إذ تعتبر عقل الشعوب ساحتها والإعلام أداتها الفاعلة في كي وعي هذه العقول وبرمجتها وفق ما يمكن سلطانهم ويحقق أهدافهم في معاركهم الوجودية مع الإنسان وحقه في الحرية والعدالة والكرامة.

التطرف وأثره على بنية المجتمع
وفي ظل هكذا أجواء حاكمة غاب التنظير الحقيقي للدولة في الإسلام ومهامها وعلاقاتها بالشعب، فحينما ألبست الحكومات المتوارثة تاريخياً من عهد معاوية وما بعده ثوب الخلافة الإسلامية امتلكت قدرة على شرعنة أدائها ليتحول لدين يدان به وحجة يستند عليها في تشكيل الرؤى السياسية ونظريات الدولة في الاسلام، دون محاولات جادة في إعادة مرجعية القرآن وفي غياب تام للمصداقية في نقل التراث ومراجعته بحجة القداسة.
وفي ظل هذا الانقسام الحاد تاريخياً توارثت الأجيال هذا الفهم والسلوك ليصبح التمييز والعصبيات جزء مشرعن من سلوكها اضمحلت بسببه كل أشعة النور المنبعثة من القرآن في فهم الحياة والكون والله.
وطبيعة العصبيات والتمييز تخلق أجواء فعل ورد فعل وتطيح بالأولويات الكبرى لحساب صغريات هامشية تعمق تفتيت المجتمعات على أساس عصبوي يتخذ من الدين شعاراً له.
فالتعصب صندوق يخنق صاحبه في أفق فكري محدود جداً ومغلق بل مظلم، ويحوله لشخصية نمطية مقيدة وموغلة في التوقف والثبات الزماني والمكاني.
وأي حضارة لا بد لها من رافد ثقافي يمدها بالنمو والتطور، وعادة المجتمعات البشرية لا يمكنها النمو ولا تطوير هويتها وثقافتها ورفد حضارتها إلا بالتنوع والتعدد، وإدارة هذا التنوع والتعدد بقيم ضرورية وليست خيارية هي قيم التسامح والتعايش. فالمجتمعات المتنوعة ثقافياً أكثر حيوية ونضوجاً وغالباً أقل عرضة للفتنة والفوضى عكس المجتمعات الأحادية الثقافة والنمطية تكون هشة وأكثر عرضة للتفتيت والتشرذم.
وللثقافة دور إيجابي في التبادل المعرفي والتنمية البشرية، وهذا ينهض بالتأسيس لسياسات إنتاج محلي تولد قدرة ومكنة متشابكة مع الجوار قائمة على احترام السيادات المتبادل والاعتداد بالذات والتكافؤ في موازين القوى البشرية والإنتاجية والأمنية، إلا أننا أمام واقع متشابك التعقيد ويحتاج جدية في التعاطي معه وتفكيك إشكالياته.

تتحول المجتمعات الموغلة في القبلية والتعصب إلى مصانع مصدرة للتطرف والمتطرفين، هذا فضلاً عن الجوار الجغرافي المتداخل بين هذه المجتمعات بالمصاهرة والنسب، مما يجعل سريان التطرف والأحادية الاجتماعية أكثر سهولة ومرونة وسيلاناً.
هذا السريان يضرب استقرار المجتمع، لأنه يفتقر لقيمتي التسامح والتعايش، ويحول المجتمع الواحد لمجتمعات عدة تفصلها جدر نفسية عنصرية، لا يجمعها سقف المواطنة وإن كانت تحت سقف وطن واحد. وهو ما يعرض المجتمعات للفتنة عند هبوب رياح الفتن الممتلئة في منطقتنا.
وإن بدت هذه المجتمعات ظاهرياً متمدنة من خلال العمران لكن الواقع مغاير للتمدين العمراني. فالملاحظ أن هذه الأنظمة تبذل جهداً عمرانياً تطويرياً كبيراً مما يوحي بتغيير شامل حتى على مستوى الإنسان، إلا أن الواقع خلاف ما يظهر من تمدين عمراني.
فالتمدين هو تبدل في الأفكار والمعتقدات السلبية والبدائية النمطية وبالتالي تبدل في السلوك الفردي والاجتماعي.

التفكيك والدمج
إن مواجهة مولدات التطرف في منطقة الخليج العربي تكون بالتالي:
• تفكيك النظام الوراثي القبلي، والتأسيس لفهوم الدولة الحديثة من خلال الانتقال من الأنظمة الوراثية إلى نظام ديموقراطي غير مستورد، يتناسب مع هوية المنطقة وثقافتها، وهو نتاجها الخاص بها الذي يجسر العلاقة بين كل الأطراف دون إقصاء لطرف أو تجاهل لآخر أو إلغاء لطرف ثالث.
• تفكيك التحالف بين سلطة القبيلة وسلطة المؤسسة الدينية بشكل تدريجي. وهذا لا يعني التخلي عن الدين، بل يعني الحد من سلطة المؤسسة الدينية بطريقة كنسية، وخلق مناخ ديني تعددي يحترم كل المذاهب من خلال تشكيل مجمع ديني يضم ممثلين عن كل المذاهب، هذا المجمع تكون وظيفته رسولية عالمية تعمق الفهم الإنساني للدين البعيد عن السلطة من جهة، والبعيد عن العصبية القبلية من جهة أخرى.
• دمج المجتمعات عن طريق ترسيخ مبدأ المواطنة الصالحة القائم على العدالة والمساواة، فلا خيار بديل للتطرف إلا النهوض بمبدأ العدالة الاجتماعية، وتكريس مبدأ الكفاءة. هذا فضلا عن دور الدولة في تكريس عملية الاندماج الاجتماعي من خلال تطوير مناهج التعليم وأدوات التربية ومناهجها.
• تطوير نظام المؤسسات الأهلية وتنظيم مهامها وفق رؤية وطنية لا تمس السيادة، لكنها لا تحول السيادة لأداة تسلطية أخرى. من خلال التنسيق بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الأهلية لتتكامل الأدوار لا لتتقاطع، هذا التكامل يصب في نهضة المجتمع وتفكيك بنى التطرف وإتمام مشروع الاندماج الاجتماعي بين مكونات المجتمع كافة.

لا يمكن معالجة التطرف دون معالجة مولداته وحواضنه وجذوره، فدعم أنظمة الحكم الوراثية القبلية المشرعنة بتحالفها مع مؤسسات دينية متطرفة من قبل دول غربية، لن يولد إلا مزيداً من التطرف تدفع ثمنه الشعوب كلها لا الحكومات والأنظمة الحاكمة.

الخطوة الأولى لمواجهة هذا التطرف هي بدعم عمليات التحول الديمقراطي لأنظمة الخليج العربي، دعماً لا يهدف لهيمنة جديدة وبسط نفوذ أكبر، بل دعماً يحترم خصوصياتنا الثقافية، ويعتمد في عملية التحول على نخب المنطقة الجادين الذين شكلوا رؤية حقيقية حول مفهوم الدولة المناسب كنظام حكم في المنطقة، وآليات الانتقال الديمقراطي المناسبة لبيئتنا الثقافية والمعرفية، ويستفيد من تجارب الدول سواء في الغرب أو في عالمنا الإسلامي.