تُظهر القواعد التي بنيت عليها موازنة دولة الكويت لعام 2016/2017 مدى الفجوة المالية لهذا العام، فقد أوضحت وزارة المالية الكويتية عبر موقعها الإلكتروني، أن الإيرادات العامة بالموازنة قدرت على أساس 25 دولار لبرميل النفط، وأن هذا السعر سوف يترتب عليه وجود عجز قدره نحو 12.2 مليار دينار كويتي (40.2 مليار دولار)، وحتى تحقق الموازنة حالة التوازن ينبغي ألا تقل أسعار النفط عن 65 دولار لبرميل النفط، حسب تقديرات المالية الكويتية.
والواقع المعيش في أروقة سوق النفط العالمية، لا يُنبئ بتجاوز الأسعار حاجة الـ40 دولار للبرميل خلال عام 2016، وهو ما يعني وجود فجوة موارد، لابد من تغطيتها عبر السحب من احتياطيات النقد الأجنبي، أو الاقتراض المحلي أو الخارجي.
ولكن سعر السوق خلال أبريل الحالي، والذي يتراوح في المتوسط بنحو 40 دولار للبرميل، لا يتضمن تكلفة الإنتاج وحصة الشركات المنتجة، ما يعني في حقيقة الأمر أن السعر الذي تحصل عليه الكويت قد يكون بحدود ما قدرته الحسابات الأولية لإعداد الموازنة بـ 25 دولار للبرميل، أو أقل.
في نهاية 2015 أشار تقرير وفد صندوق النقد الدولي إلى مجموعة من التوصيات لمعالجة التطور السلبي في الوضع المالي للكويت، من خلال اتجاه الحكومة الكويتية للبحث والعمل على زيادة الموارد غير النفطية، وكبح الإنفاق العام، وإصلاح الدعم وأجور القطاع العام، وكذلك تبني إصدار تشريعات منظمة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة وضريبة الأرباح، والجمع بين مصادر التمويل المحلية والأجنبية، من أجل المحافظة على أداء الإنفاق الرأسمالي وشبكة الضمان الاجتماعي.

هيكل غير مرن للإيرادات
توصية صندوق النقد الدولي بشأن زيادة الموارد غير النفطية، هي توصية ثابتة لكافة اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، وهي نتيجة أو مسلمة تذكر كلما مرت دول الخليج بأزمة انهيار أسعار النفط.
ولعل التفكير في إطار زيادة الموارد غير النفطية من خلال زيادة الضرائب، أو فرض ضرائب جديدة، قد يكون غير مجدي في اقتصاد غير متنوع مثل الاقتصاد الكويتي، الذي لاتزال العوائد النفطية هي عماده، فوفق بيانات وزارة المالية الكويتية عن الربع الثالث من العام المالي 2015/2016، تبين أن النفط لا يزال يشكل 90% من الإيرادات العامة، بينما عوائد الضرائب والجمارك لم تتعدى نسبة 3.6% من إجمالي الإيرادات العامة المتحققة خلال الفترة.
فماذا يمكن أن تحقق الزيادة في الضرائب الحالية، أو فرض ضرائب جديدة؟ فمن الصعوبة بمكان أن ترفع دولة ما الأعباء الضريبية بنسبة 100% في عام أو عامين مثلاً، وهو ما يعني أن عوائد الضرائب في أحسن التقديرات، والتي تفترض أن تزيد الأعباء الضريبية بنسبة 100%، من غير الممكن أن تمثل 7% من إجمالي الإيرادات العامة.
وبالتالي فإن الذهاب إلى آلية الضرائب في اقتصاد يعتمد على نشاط واحد، ويفتقد للتنوع ستكون محدودة الأثر، وستكون مجرد تدوير نقدي، وليست محصلة من زيادة السلع والخدمات التي ينتجها المجتمع، ومن جهة أخرى فسوف يتحملها المستهلك في النهاية، مما يعني زيادة معدلات التضخم، وخصماً من تحسن مستويات معيشة المواطنين.
وثمة ملحوظة مهمة تلفت الانتباه فيما يتعلق بالإيرادات العامة للكويت، وهي عوائد الإيرادات الرأسمالية، حيث بلغت ما يعادل 100 ألف دينار كويتي فقط لا غير (330 ألف دولار أمريكي) خلال الربع الثالث من العام المالي 2015/2016، وإذا ما افترضنا أن العوائد السنوية هي أربعة أضعاف المتحقق أي ما يصل إلى مليون دولار أمريكي، فإن ذلك يثير الكثير من التساؤلات، حول عوائد الأموال الكويتية المستثمرة في الخارج.
فوفق البيانات المنشورة على موقع صندوق النقد الدولي حول تقديرات بشأن الصناديق السيادية، فإن دولة الكويت تمتلك 592 مليار دولار بعام 2015 من خلال صندوق الهيئة العامة للاستثمار في الكويت، ويعد المبلغ المرصود في الإيرادات العامة شديد الضآلة مقارنة بحجم هذه الاستثمارات.
والمقترح الذي يلائم الأوضاع في الكويت ويتواكب مع مواردها الاقتصادية، هو إعادة النظر في استثماراتها الخارجية، والبعد عن محافظ الاستثمارات في أسواق المال والعقارات، والتركيز على الاستثمارات المباشرة، بما يضمن لها وجود قواعد إنتاجية، حتى ولو كانت في الخارج، وبخاصة في المنطقة العربية، مما يعني ضمان تدفق إيرادات مضمونة ومستقرة، ويمكن بناء التخطيط والقرارات الاقتصادية في ضوئها، بخلاف العوائد من الاستثمارات غير المباشرة في أسواق المال التي تسمح بالتذبذب، أو البنوك التي تقدم هوامش ضعيفة على ودائع المدخرين.

الوافدون يدفعون الفاتورة
حسب البيانات الضئيلة المنشورة عن الموازنة العامة بدولة الكويت، يتبين أن بندي الأجور والدعم يستحوذان على 70% من مخصصات الإنفاق العام، حيث تستولى الأجور على نصيب الأسد من الإنفاق العام بنحو 10.3 مليار دينار، أي بنسبة 55%، بينما الدعم يقدر بنحو 2.8 مليار دينار، أي بنسبة 15%.
ووفقًا لتوصيات صندوق النقد الدولي فيما يخص الإصلاحات المطلوبة للوضع المالي في الكويت، نجد أن إصلاح أجور القطاع العام، يحتل مرتبة مهمة في تلك الأجندة، ولكن بالاطلاع على الإحصاءات الخاصة بالبنك المركزي الكويتي عبر تقريره السنوي لعام 2014، وجد أن العاملين بالقطاع الحكومي، منهم 70% من الكويتيين، وبالتالي سيكون من الصعوبة بمكان اتخاذ قرارات تؤثر على رواتبهم من قبل متخذ صانع السياسة المالية، ولذلك سيكون تسريح العمالة الأجنبية بالجهاز الحكومي أو تخفيض رواتبهم هو المجال المتاح لتخفيض بند الأجور في الموازنة العامة للكويت.
ونفس الشيئ فيما يتعلق بإصلاحات الدعم، فقد تنال تلك الإجراءات الوافدين بشكل كبير، بينما المواطنون سوف يتم تعويضهم بشكل أو بآخر، فقاعدة بيانات البنك الدولي توضح أن عدد سكان الكويت وصل إلى 3.7 مليون نسمة، بما فيهم الوافدون، حيث يمثل الوافدون قرابة 50% من السكان بالكويت.

سيناريو الاقتراض
في ضوء احتياطيات النقد الأجنبي للكويت، والبالغ 35 مليار دولار بنهاية 2014، أو الاستثمارات الخارجية المقدرة بنحو 592 مليار دولار بنهاية 2015، فإن الملاءة المالية للكويت تسمح بتحمل الأضرار السلبية لانهيار أسعار النفط في الأجل القصير، ولكن استمرار الأزمة خلال الأجلين المتوسط والطويل سوف يترتب عليه أوضاع مالية مختلفة، قد تلجأ الكويت للاقتراض سواء الداخلي أو الخارجي.
ومؤخراً أُعلن عن أن الكويت ترتب للاقتراض لصالح وزارة المالية بنحو 6.6 مليار دولار من بنوك محلية، لتغطية عجز الموازنة، ويخشى من أن تكون هذه بداية، يترتب عليها استمرار سياسة الاقتراض، دون اتباع سياسة اقتصادية تستفيد من هذا الرصيد الكبير لدى الهيئة العامة للاستثمار بالكويت، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
ويؤخذ على أجندة صندوق النقد الدولي أنها تهدف إلى تحقيق حالة من الانكماش، بينما طبيعة الأزمة تتطلب وجود دور للسياسة الاقتصادية في تحقيق الرواج، من خلال زيادة الإنفاق العام، في المجالات الجارية أو الاستثمارية. ولا ينبغي أن ينظر إلى وجود الوافدين على أنهم جزء من المشكلة في الكويت، فهم جزء من الحل، من خلال مساهمتهم في الناتج المحلي الإجمالي، وكونهم جزء من الاستهلاك الكلي، ويمكن أن يؤدي غيابهم أو تقليل أعدادهم بشكل كبير إلى تكريس حالة الركود في الاقتصاد الكويتي.