لطالما تأثر نشاط تنظيم القاعدة بالأدوار التي مرت بها الدولة اليمنية؛ ففي العقود الطويلة لضعف الدولة اليمنية تنامى نشاط التنظيم، إما تحت جناح السلطة وأطراف سياسية أخرى، أو بفرض سيطرة كلية على بعض المناطق بعد طرد تمثيلات السلطة منها. من هنا، شكل انقلاب جماعة الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح على السلطة اليمنية وتقويض مرتكزات الدولة فرصة مواتية للمتطرفين، تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وغيرها من الجماعات المتطرفة، للتمدد والتوسع على أنقاض الدولة؛ إذ ترتب على الانقلاب تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة، واضعاً الدولة والمجتمع اليمني في حالة انكشاف أمام القوى المسلحة والتنظيمات الجهادية، حيث كرس الانقلاب انقساماً سياسياً واجتماعياً حاداً انتهى إلى مواجهة مسلحة بين جماعة الحوثي وقوات صالح وبين المؤيدين لشرعية الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي”. استثمر تنظيم القاعدة دورة العنف السياسي والمجتعي لتوسيع قاعدته الاجتماعية، كما منحه انقلاب الحوثي وصالح على الدولة التنظيم مبرراً للانقاض على ما تبقى من تمظهرات الدولة، خاصة في المناطق الجنوبية من اليمن.
بعد زحف جماعة الحوثي وقوات صالح على المدن اليمنية، تعقدت مضامين الصراع على السلطة، نتيجة صبغهم للصراع بالصبغة الطائفية، وهي الصبغة التي أعادت تقديم التنظيم كنقيض طائفي للجماعة والقوة السُنية المسلحة القادرة على مواجهة جماعة الحوثي؛ كما أن أقلمة الصراع في اليمن، بعد التدخل العسكري لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية، دفع بدوره الأوضاع السياسية والاجتماعية إلى منحى أكثر خطورة، تحول معها اليمن إلى ساحة صراع إقليمي سعودي/ إيراني، يرافقه تحشيد سياسي وإعلامي للشحن الطائفي، وأدى ذلك لجعل اليمن منطقة جاذبة لنشاط التنظيمات الجهادية المسلحة، سواء الحاضرة فعلاً كتنظيم القاعدة والمتسع حضورها على حساب قواعد أحزاب وجماعات دينية أخرى، أو وولادة جماعات جهادية جديدة كتنظيم الدولة الإسلامية، “داعش”، والذي يطمح بدوره إلى التوسع والسيطرة على حساب تنظيم القاعدة.
تتضافر العوامل الداخلية والخارجية التي أفرزتها الحرب في اليمن لتصب في مصلحة تنظيم القاعدة، فمن جهة كرست الحرب البعد الطائفي كعامل مؤثر في الاستقطابات السياسية، ما مكن التنظيم من تجذير وجوده الاجتماعي في مناطق الشافعية كرأس حربة للدفاع عن أهل السنة، ومن جهة أخرى، أدى انشغال أطراف الحرب المحلية والإقليمية بالمواجهات المسلحة إلى عدم الانتباه إلى تأسيس التنظيم لمراكز دعوية وتدريبية يمارس فيها نشاطه الجهادي. من بداية الأزمة السياسية ثم الحرب في اليمن، عمل تنظيم القاعدة على النأي بنفسه عن المسارات المباشرة للحرب وتجنب كلفتها، وحتى مع خوض التنظيم مواجهات متفرقة ضد جماعة الحوثي، لم يتكبد خسائر بشرية وعسكرية، فالحرب الدائرة بين تحالف الحوثي وصالح من جهة وبين المقاومة الشعبية والتحالف العربي من جهة أخرى، لم تعنِ تنظيم القاعدة إلا مجالاً حيوياً للتوسع والتمدد، مستثمراً ضعف وغياب الدولة وتآكل المجتمع والطابع الطائفي للحرب لتعزيز وجوده بمخزون بشري محتمل، في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على المدن اليمنية؛ كما يراهن التنظيم لحماية وجوده وسلطته على خروج أطراف الصراع منهكين من الحرب، وبالتالي عدم قدرتهم على مواجهته في المستقبل.
طيلة عام من الحرب، راوح نشاط القاعدة بين التوسع والكمون، ثم التوسع مرة أخرى والتهام مساحة واسعة من الجغرافيا اليمنية، فقد اتسمت المرحلة الأولى بنشاط مكثف للتنظيم، ساعده في ذلك سهولة الحركة والتنقل من مدينة إلى أخرى، مستغلاً غياب سلطة الدولة وانشغال القوى السياسية والاجتماعية بالحرب. في هذه المرحلة، في أبريل 2015، استولى التنظيم على مدينة المكلا دون مقاومة عسكرية او أجتماعية تذكر، ولأهمية المكلا السياسية والاقتصادية، أعلنها التنظيم إمارة اسلامية.
عمل التنظيم على تكثيف جهوده لجعل المكلا قاعدة عسكرية آمنة ينطلق منها في مخططه التوسعي لإقامة دولة الخلافة الإسلامية المنشودة، بدءاً بتأسيس مؤسساته الخاصة التي حلت محل مراكز الدولة، ثم دخل في شبكة تحالفات سياسية واجتماعية مع عدد من القبائل التي شكلت حاضنته الاجتماعية لتوفر له الحماية في المدينة. لم تكتفِ القاعدة بالتمركز في المكلا، واتجهت إلى القرى والأرياف المحيطة بالمدينة لتعزيز تأمينها، وركزت جهودها في هذه المرحلة على محاولة تثبيت دعائم دولتها في المكلا، وغلب على أدائها الكمون السياسي والاجتماعي، وشن حملة اعتقالات ومطاردات ممنهجة في حق المعارضين لها، وعملت على تحقيق اكتفاء اقتصادي ذاتي لإمارتها من خلال سيطرتها الكاملة على الموارد النفطية في المكلا، أهم موانئ مدينة حضرموت. لم يقم تنظيم القاعدة خلال هذه المرحلة بأي عمل عسكري ملحوظ، عدا إرسال مجاميع مسلحة من أفراد التنظيم لقتال مليشيات الحوثي وصالح في المناطق الجنوبية تحت مظلة التنظيمات السلفية.
رغم حالة الكمون التي ميزت أداء التنظيم في هذه المرحلة، لم ينجُ من كونه هدفاً للطائرات الأمريكية بدون طيار التي قتلت عدداً من أبرز قياداته، ولا من تبعات قتل قياداته، حيث أدى مقتل زعيم تنظيم القاعدة “ناصر الوحيشي”، في 12 يونيو 2015، وتولي القيادة شخصية مثار جدل كـ”قاسم الريمي”، إلى تنازع القاعدة الاجتماعية للتنظيم مع داعش الذي أعلن حضوره بتنبي هجمات في مدينة صنعاء ومناطق أخرى من اليمن.
تزامت المرحلة الثالثة لنشاط التنظيم مع تحرير المناطق الجنوبية من مليشيات الحوثي وصالح، وفشل السلطة الشرعية في إدارة المناطق المحررة، ليظهر التنظيم في هذه المرحلة كقوة توسعية، وأسس مراكز تدريب للجهادين المتطوعين في قرى وادي حضرموت، واستطاع مد نفوذه خارج مدينة المكلا، وصولاً لسيطرته على مساحة واسعة امتدت إلى مدينة شبوة والشحر وأبين ولحج، وحتى إلى مناطق في عمق مدينة عدن. شهدت هذه المرحلة تنفيذ القاعدة، وكذلك “داعش”، لعمليات اغتيال سياسية وعسكرية ومدنية عديدة، أبرزها عملية اغتيال محافظ مدينة عدن “جعفر محمد سعد”، كما دخلت القاعدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع السلطة الشرعية وحلفائها الإقليميين، حيث قصف القصر الرئاسي في المعاشيق ومركز عمليات التحالف العربي.
ليس توسع تنظيم القاعدة، كقوة وحيدة منظمة نهضت على أنقاض الحرب وفشل استعادة الدولة، هو الأمر الأكثر خطورة في هذه المرحلة، فالأخطر منه امتلاك تنظيم القاعدة لموارد اقتصادية نفطية في المكلا، ولمنظومة عسكرية متطورة ومتحركة، تشمل صواريخ متنوعة ومضادات للطيران ومنصة صواريخ، استخدمها في عملياته العسكرية ضد السلطة الشرعية وقوات التحالف العربي، حيث أسقط طائرة إماراتية قبل أشهر في مدينة عدن، واعترض صاروخاً للتحالف العربي في لحج وأبين.
بإدراك التحالف العربي لخطر التنظيم وابتلاعه لمعظم المناطق المحررة، دخلت قوات التحالف مؤخراً خط المواجهة مع تنظيم القاعدة لأول مرة منذ بدء الحرب، حيث نفذت غارات مكثفة على مناطق حضورها في مدينة عدن وعلى مراكز تدريبها في شبوة ولحج وأبين، إلا أن الضربات العسكرية التي تعرضت لها لم تؤثر بالمحصلة على توسعها وقوتها العسكرية، فالمنطقة الجغرافية لتنظيم القاعدة لا تخوم لها، حدودها متحركة وقابلة للاتساع وهذا مكمن خطورتها وقوتها قياساً بأي قوة سياسية أو اجتماعية يمنية. نجت القاعدة من الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة وهي العوامل الاي تمثل مصدر قوة لها لما خلفته الحرب من تشدد ديني غير مسبوق أفسح المجال لتغلغلها، ليس فقط بين الأوساط الفقيرة بل حتى داخل الطبقة المتوسطة، وأصبح اللجوء إلى الدين، بما في ذلك الانضمام للجماعات المسلحة، وسيلة يتخذها بعض اليمنيين لمقاومة الحرب وتغول تحالف صالح والحوثي خاصة جنوبي اليمن.
إن مواجهة الجماعات الدينية المتشددة في ظل غياب الدولة عبر استخدام القوة العسكرية لا يؤدي في المحصلة إلا إلى تعزيز حضورها في مجتمع ينحو إلى التشدد الديني، وعليه فلا بد أولاً من إحياء مظاهر الدولة وتثبيت سلطتها في المدن اليمنية، ثم وضع آلية منهجية مدروسة للتعاطي مع ظاهرة التشدد الديني وانخراط الشباب في قوام التنظيمات الجهادية، وتفكيك المليشيات المسلحة على اختلاف أيدلوجياتها، ونزع السلاح من المجتمع، إضافة إلى تجفيف منابع الفكر الديني ومنع الخطابات الدينية الطائفية التي تحرض على الكراهية، وإفساح المجال للاحزاب السياسية والمنظمات المدنية والثقافية.
في وضع مجتمع كاليمن، مجتمع منزوع السيادة وبلا حماية سياسية أو قانونية، في ظل حرب تدخل عامها الثاني وتراكم المزيد من الخسائر والهزائم النفسية، وتشظي الهوية الوطنية، وما كرسه كل ذلك في عمق المجتمع من انقسامات سياسية ومناطقية وطائفية حادة، يبدو أن مجتمع كهذا لن يتعافى قريباً من التنكيل الذي تعرض له، وسيكون من المتعذر في هذه الحالة استعادة دولة يمنية مركزية يمكنها مواجهة الميليشيات الدينية التي تنخر في جسد المجتمع لتعيق تطوره وتتمدد حتى داخل جسد الدولة المستقبلية.