في 11 نوفمبر 2015 وصل الرئيس السيسي مدينة شرم الشيخ عائداً من المملكة العربية السعودية، كانت باستقباله صحفية مرتبكة سألته بخوف عن مستقبل البلاد، فرد عليها بعبارته التي أصبحت شهيرة “مش هنلاقي ناكل؟ إيه المشكله يعني؟ هنجوع؟ مش مهم! “، مؤكداً أن المهم هو أن نبقى متحدين ونعيش بأمان.
اللافت في هذا التصريح أن السيسي على غير العادة لم يكن بجعبته أية وعود بأي مبالغ أو مشاريع جديدة من داعميه الأثرياء بالسعودية، لعل هذا ما جعله ينطق بالخطر الذي كان يفكر فيه: الجوع.
لا يوجد إحصاء رسمي موثق حول حجم المساعدات الخليجية التي تلقتها مصر، لكن تظهر مؤشرات من أبرزها تصريحات الرئيس السيسي في مايو 2014 بأن المساعدات التي تلقاها “ليست 12 ولا 15 ولا 20 مليار دولار.. أتكلم عن أموال فقط أكثر من 20 مليار دولار”، ويُضاف إلى المنح المالية المباشرة مليارات أخرى عديدة تم تقديمها في صورة مواد بترولية أو تمويل صفقات سلاح، أو مساعدات فنية، بالإضافة إلى الودائع والقروض والاستثمارات.
المؤكد أن كل هذا قد تراجع بشدة. في الموازنة الأخيرة 2014/ 2015 كان إجمالي المنح بكل أنواعها خليجية وغربية 15 مليار جنيه (حوالي 1.8 مليار دولار)، وفشلت الحكومة في تحقيق مستهدفها بمشروع الموازنة، 23 مليار جنيه، رغم التواضع البالغ لهذا الرقم مقارنة بالوضع السابق.
يتراجع الدعم الخليجي لأسباب بعضها تخصه، وأغلبها يخص سلوك النظام المصري.

خليج أقل ثراءً وسخاءً
حين يهوي برميل النفط لأقل من نصف سعره خلال عام واحد فقط، فمن الطبيعي أن يصيب زلزال الموازنات الخليجية، المُحملة بتضخم بالغ في النفقات، مما يدفعها لإجراءات تقشفية بعضها غير مسبوق، كرفع أسعار الوقود بنسب كبيرة في قطر والسعودية والإمارات، والتوجه نحو فرض ضريبة القيمة المضافة، وتجميد مشاريع وإلغاء تعاقدات .. وبالطبع ينسحب ذلك على الإفراط في المِنح والمساعدات للحلفاء، خاصة لو كانوا لا يتوافقون مع كامل المتطلبات الخليجية.

الشفافية الناقصة والحكم غير الرشيد ..
يفتقر الجهاز الحكومي المصري إلى الشفافية، في بلد لا يوجد به قانون لحرية تداول المعلومات، ويوجد بموازنته بند يسمى “مصروفات أخرى” يلتهم 45 مليار جنيه تدرج كرقم واحد، يُتداول أنها ميزانية للجيش والمخابرات وجهات الأمن القومي المعلومة والمجهولة.
تم تطبيق نفس الأسلوب على الدعم الخليجي منذ اللحظة الأولى، لم تعلن الحكومة المصرية أبداً عن رقم محدد لإجمالي الدعم الخليجي الذي تلقته، أنواعه وأوجه إنفاقه. في تسجيل مسرب تم قبل انتخابات الرئاسة، يتحدث السيسي مع مدير مكتبه عباس كامل عن أنهما سيطلبان من دول الخليج تحويل ثلاثين مليار دولار من المساعدات إلى حسابات خاصة بالجيش، ثم بعد فوز السيسي بالانتخابات ستعمل هذه الأموال للدولة.
حسب صحف بريطانية قامت الإمارات بتوظيف شركات استشارية عالمية، لعمل إصلاحات بالجهاز الإداري والنظام المالي الهيكلي بمصر، لكن من الواضح أن ذلك يلقى ذلك معاندة شديدة من المؤسسات الأمنية والبيروقراطية الحكومية.
في نوفمبر الماضي كشف الصحافي البريطاني ديفيد هيرست عن وثيقة إماراتية أعدها أحد مساعدي محمد بن زايد، تكشف عن استياء إماراتي من نقاط بينها “عدم إنصات السيسي لهم عندما يطلبون منه إجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية، أو عندما يشيرون إلى أن الحكم الجيد هو أساس الدولة المستقرة”.
وفي نفس السياق تستاء دول الخليج من كل تصرفات الحكم غير المستقر، والتدخلات الأمنية بالحياة السياسية والاقتصادية، كما حدث إبان اعتقال السلطات المصرية لرجل الأعمال البارز صلاح دياب، وهو ما استنكره وسط الأعمال المصري كاملاً. في 9 فبراير نشر هشام هاليار، الباحث غير المقيم في مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط، بالمجلس الأطلنطي للدراسات، أن موقف دياب حستمه تدخلات دولية، حيث ترتبط أسرته بصلات دولية هامة، كما أن اثنين من أقاربه متزوجان من أكبر عائلات في الإمارات وهما: عائلة “عتيبة” وعائلة “الجابر”. وقد ضغط “يوسف عتيبة”، سفير دولة الإمارات في واشنطن، بشكل كبير ليشكل ضغطاً أمريكياً بدوره على حكومة “السيسي” في هذه القضية.
كما أن “سلطان الجابر” واحد من كبار المسئولين في دولة الإمارات العربية المتحدة في إمارة أبو ظبي، وعلى الرغم من أنه تم الإفراج عن دياب في نهاية المطاف، إلا أن “ذلك ترك شعوراً عن هيكل السلطة الداخلية في مصر بأنها مفتتة”.

السياسة الخارجية.. ليس معنا وليس ضدنا
في سبتمبر 2015 أعلنت روسيا تدخلها العسكري المباشر لدعم النظام السوري، وبشكل جماعي أدانت دول الخليج بشدة ذلك التدخل، بينما على العكس أيدته الخارجية المصرية رسمياً، وهو ما أثار استياءً خليجياً بالغاً كون الصراع مع إيران هو أولوية الأمن القومي لدول مجلس التعاون، وبالتوازي أظهرت مصر مراراً وداً زائداً نحو روسيا، كما ظهر بصفقات السلاح معها، ومنحها حق إنشاء المفاعل النووي المصري.
هذا التناقض بين سياسات الخليج ومصر ظهر علناً في القمة العربية الأخيرة حين فاجأ الرئيس السيسي الحضور بقراءته رسالة من الرئيس الروسي، فرد عليه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل فوراً بأسلوب حاد.
في 15 فبراير الجاري ظهر الإعلامي السعودي البارز جمال خاشقجي على قناة الجزيرة، وهو ظهور ذو دلالة في حد ذاته، وقال إن المملكة تتمنى موقفاً أفضل من مصر يتوافق مع السياسات السعودية، وأكد أن القاهرة لا تدرك حجم خطر إيران في سوريا، والذي يسبب إضعاف الأمن القومي المصري والسعودي على السواء، مضيفاً: “أتمنى ألا تأتى لحظة تكون فيها مصر مضطرة للاختيار بين تأييد السعودية أو روسيا في المحافل الدولية”

الأزمة اليمنية أيضاً لم تفي فيها مصر بما توقعه الخليج، وهي التي أصبحت بدورها أولوية تتفق عليها دول مجلس التعاون، وأدت لتقارب واضح بين قطر والسعودية، فرغم الدعم السياسي المصري لعملية “عاصفة الحزم” إلا أن الجيش المصري اقتصر تدخله على قصف محدود لا أكثر، بينما شاركت القوات السودانية بفاعلية على الأرض، ولم تتأخر المكافأة السعودية، لذلك فور إعلان المملكة، منتصف فبراير 2016، إلغاء معونتها للجيش وقوى الأمن الداخلي بلبنان بقيمة 4 مليارات دولار، تم منح الجيش السوداني 5 مليارات دولار حسبما نشر معهد ستراتفور الأمريكي، بينما لم تنل مصر أي نصيب من هذا السخاء الذي توجه بعيداً عنها.
رغم كل الخلافات مازالت مصر تحاول الموازنة، فالخارجية المصرية أصدرت مواقف متتالية بجانب السعودية، كإدانة الاعتداء على سفارتها في طهران، وإعلانها دعم مؤتمر المعارضة السورية في الرياض – رغم حضور فصائل مسلحة بعكس الرغبة المصرية – كما عاد السيسي خلال استقباله وفداً إعلامياً كويتياً في 17 فبراير 2016 لتأكيد عبارته “مسافة السكة”، مفسراً إياها بأن مصر لن تتردد في إرسال قواتها للدفاع عن دول الخليج في حال “تعرضت لتهديد مباشر”، وهو ما يعني ضمنياً أنه لم يشارك بسوريا أو اليمن لكنه مستعد لحماية حدود الخليج، في دور أشبه بما قامت به مصر إبان حرب تحرير الكويت.
لذلك أصبحت مصر في وضع الصديق غير المقرب، لن تتلقى عقاباً قاسياً مثل لبنان، لكنها لن تتمتع بمكافئات السودان.

الاستثمار الخليجي.. كيف ننافس “الحكومة”؟
في 25 فبراير نقلت صحيفة المصري اليوم عن مصدر مطلع أن الجانب السعودى، في المجلس التنسيقى المصرى-السعودي، رفض عدداً كبيراً من المشروعات التى قدمتها وزارات مصرية، لجذب الـ 30 مليار ريال، التى أعلنت السعودية سابقاً ضخها فى صورة استثمارات.
أشارت الصحيفة إلى أن عملية طرح المشروعات ودراستها تجارية بحتة، وهادفة للربح وليست فى صورة منح أو مساعدات، والجانب السعودي أجرى دراسة تفصيلية للمشروعات وطلب آليات مقترحة للدخول فيها، لكن لم تتم الموافقة عليها. طلب الجانب المصري مشاركة الحكومة فى هذه المشروعات، عبر استخدام أصول حكومية مثل المساهمة بالأراضي، على أن تحتفظ بملكيتها الحكومة، وقوبل ذلك برفض حكومي.
تبدو قصة رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار نموذجاً آخر، فبعد توقيع مذكرة تفاهم إنشاء العاصمة الجديدة بمؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، تعقد كل شيء أثناء بحث تفاصيل المشروع حيث طالبته الحكومة بعدم الحصول على تمويل من البنوك المصرية، وبرفع حصتها بالتملك والإدارة، بالإضافة إلى طلب اختصار فترة المشروع التي كانت خطتها الأصلية 7 إلى 10 سنوات، بينما تريدها مصر 3 سنوات فقط. بعد أكثر من عام من الخلافات، التي لم تنجح مساعٍ سياسية على أعلى مستوى بالبلدين في تخطيها، تم إلغاء التعاقد، وبديلاً عنه تأسست فوراً شركة جديدة بالشراكة بين وزارة الإسكان والقوات المسلحة، والتي ساهمت بالأرض بحكم كون جزء منها معسكرات سابقة للجيش، وتم الاعتماد على التمويل الحكومي للمرافق، وخُصصت 10 مليارات جنيه في الموازنة الجديدة لصالح المشروع.
في سبتمبر 2014 قال رجل الأعمال البارز نجيب ساويرس بصراحة إن “الجيش له مهام أخرى غير المشروعات، وهي حماية البلاد”. يستاء رجال الأعمال بشكل عام سواء مصريون أو خليجيون من وجود منافسة غير عادلة، في ظل وجود منافس يحصل على الأراضي مجاناً، ولا يدفع ضرائب، ولديه عمالة شِبه مجانية من الجنود، ولديه نفوذ كامل على الجهاز الإداري للدولة.

المنافسة المكتومة..
رغم العلاقات الوثيقة للغاية لكن منافسة تاريخية على قيادة العالم العربي بين السعودية ومصر مازال تحمل بعض آثارها، منذ حرب اليمن في الستينات حين حارب الجيش المصري ضد قوات الملكيين المدعومة سعودياً.
مثلاً، ظل السيسي يكرر حديثه عن مبادرة مصرية لإنشاء “قوة عربية موحدة” لمكافحة الإرهاب بلا استجابة واضحة، ثم أعلنت السعودية إنشاءها قوة إسلامية لمحاربة الإرهاب، وهي نفس المشروع المصري تقريباً، وتم ذكر اسم مصر ضمن الدول المشاركة، وبالمثل لم تتفاعل مصر بشكل كبير، كلا الدولتين تود التأكيد على نفوذها على الأخرى.
في هذه الأجواء يمكن أن نقرأ إبراز الصحافة المصرية في أكتوبر الماضي لقصة المشادة الحادة بين أحمد السيد النجار رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، والسفير السعودي أحمد القطان، حيث صاح النجار في وجهه بأن عمارات وسط البلد في القاهرة أقدم من السعودية. لم يصدر أي بيان رسمي مصري أو سعودي عن الواقعة، بما يؤكد حدوثها، وفي المقابل لم يتم إقالة النجار أو القطان، في رسائل ضمنية من كلا الطرفين.

في انتظار صديقٍ أفضل
من كل ما سبق يتضح أن نظام الرئيس السيسي يفقد تدريجياً جانباً من تقاربه مع حلفائه الخليجيين، بما ينعكس على انخفاض الحفاوة وبالطبع المساعدات والاستثمارات.
لكن تبقى مصر كدولة عنصر أمان رئيسي لدول الخليج ولو للحفاظ على “حدودها المباشرة” كما تحدث السيسي، كما تبقى مواقف النظام المصري تحتفظ بالحد الأدنى من المتطلبات الخليجية، بالإضافة إلى حيوية وحسم قضية عدم عودة الإخوان، خاصة بالنسبة للإمارات التي تضعها أولوية قصوى.
حالياً السيسي ليس الحليف المثالي، لكنه يبقى حليفاً، حتى يظهر بديل أفضل.
لا يرغب الخليج بثورات أخرى في مصر، وهو الذي اتخذ منذ اللحظة الأولى – باستثناء قطر – موقفاً سلبياً من الربيع العربي، لذلك يبدو الخيار الحالي هو استخدام وسائل الضغط المتاحة خليجياً وعلى رأسها الضغط المالي، لتعظيم المكاسب الممكنة، كدعم الاستقرار الداخلي بإجراءات كالافراج عن المعتقلين، أو إصلاحات اقتصادية، في انتظار نهاية فترة الرئيس السيسي الأولى بعد عامين.
في دوائر ضيقة تتردد أسماء محتملة ذات علاقة خليجية وأمريكية أفضل. من شفيق في الإمارات إلى سامي عنان ومراد موافي الأقرب للسعودية، إلى شخصيات أخرى من عالم رجال الأعمال أو الدبلوماسية المصرية، بعضهم مقيم بدول خليجية وبعضهم في مصر، بعضهم قديم وبعضهم جديد تماماً على الحياة السياسية.
لكن على الخليج أن يعيّ أن رئيساً جديداً لا يمكنه أيضاً أن يغير انحيازات الجيش والشعب في مصر، حيث لا يبدي القيادات والأفراد أي ترحيب بالمشاركة الكاملة بالقوات البرية في حرب جدية باليمن أو سوريا.
السقف الواقعي المتاح هو إدارة تنفذ سياسات خارجية أكثر حِدة ضد محور روسيا-إيران، وربما المشاركة بقصف أكثر فاعلية على الجبهات، وزيادة قوات التأمين على الحدود الخليجية.
كما أنه لصالح دول الخليج، وكذلك الشعب المصري، أن يأتي بديل يحظى باستقرار سياسي أكبر، وينفذ سياسات حكم داخلي أكثر كفاءة سياسياً واقتصادياً وإدارياً، كما أنه سيكون أقوى داخلياً، مما يمنحه القوة لتحدي الأجهزة الأمنية والبيروقراطية، مما يضمن وضعاً أفضل لإدارة المساعدات والاستثمارات الخليجية.
حينا قد يعود نهر الدولارات في التدفق من الشرق إلى الغرب.