أشعل منع عرض الفيلم المغربي”الزين اللي فيك” في قاعات السينما المغربية مواقع التواصل الاجتماعي ما بين رافض ومؤيد للقرار. الفيلم المغربي الذي عرض للمرة الأولى على هامش مهرجان كان السينمائي ولم يفز بأي جائزة، حاز الشهرة التي لم يكن ليحظى بها حتى لو تحصل على إحدى جوائز المهرجان. فـ”الزين اللي فيك” يعد الأكثر شهرة اليوم بعد الجدل الكبير الذي لا يزال يدور حوله.
ويتعرض الفيلم لظاهرة الدعارة من خلال أربع فتيات يعملن في هذا المجال، سلط من خلالهن المخرج نبيل عيوش الضوء على خبايا وأسرار هذا العالم مع جرعات، اعتبرت زائدة، من الجرأة في تناول هذا الموضوع، وصلت إلى حدّ تصنيف الفيلم ضمن خانة الأفلام الإباحية.
وفي ردّه على هذا التصنيف يلح عيوش على أنه لم يفعل غير نقل الواقع بما فيه من صور جريئة، وهي وجهة نظر قد يكون للمشاهد العربي أن يشيد بها لو كان الموضوع المطروح أقل حساسية واصطداماً مع التقاليد والعادات العربية.
الفيلم المثير للجدل لم تغب عنه الصورة النمطية للرجل الخليجي كالمعتاد. الصورة ذاتها التي تتداولها الأعمال الدرامية العربية منذ بداياتها. لم يغب الخليجي السكير العربيد بثوبه التقليدي و”غترته” المبعثرة التي يحافظ على لبسها حتى في جلسات الطرب والسكر والعربدة. كما في كل المسلسلات والأفلام العربية، لايزال الخليجي الثري يغدق الأموال وينثرها على فتيات الليل. النموذج ذاته يتكرر في الفيلم الذي يذهب مخرجه إلى أنه خروج عن النمطية في الأعمال الدرامية، إلا أنه على الرغم من دقته في تصوير الواقع وربما سعيه إلى الخروج من التقليد الأعمى في تناول هذه المواضيع، رغم ذلك سقط في فخ الصورة النمطية المستهلكة.
صورة نمطية سلبية. قالب جاهز يرمي به المخرجون من أجل تأسيس مشاهد الإثارة والكوميديا في أعمالهم، ربما من دون تفكير أو تمحيص في مدى فاعلية هذه المشاهد في البناء الدرامي أو تسلسل الأحداث وتطورها بعيداً عن استبلاه المشاهد.
دور الخليجي في الأعمال الدرامية العربية لم يخرج من هذا الإطار وبالمثل هناك قوالب جاهزة أخرى لجنسيات كثيرة تستخدم لتأثيث الفراغ أو ربما هو إفلاس فكري وإبداعي للعاملين في الدراما.
إن كان تعريف الدراما هو أنها حكاية لجانب من الحياة الإنسانية يعرضها ممثّلون يقلّدون الأشخاص الأصليين في لباسهم وأقوالهم وأفعالهم فمعنى ذلك أن الدراما العربية فشلت في نقل الواقع وتجسيد صوره في إطار الحبكة الدرامية والتسلسل القصصي، إذ لا يبدو معقولاً أن الخليجي هو ذاته منذ الخمسينات، بالتفاصيل والملامح ذاتها.
تطورت المجتمعات الخليجية وتغيرت أساليب عيشها اليومي في بلدانها، وتغيرت تبعاً لذلك أولوياتها واهتماماتها، وقبل ذلك كله ثقافاقتها. وعليه، يبدو من الإجحاف الترويج لها بصورة بهتت ألوانها.
الملفت في الموضوع أن المجتمعات الخليجية وبما يشمل نخبتها المثقفة وفنانيها وعلى استنكارها الدائم لهذه الصورة النمطية التي سجنت الرجل الخليجي في صورة الرجل الثري الذي تحكمه غرائزه، لم يسجّل لها أي تحرّك أو ردّ فعل جدّي تجاه هذه الإساءات المتكررة ولسنوات طويلة على الرغم من أن القنوات التي تعرض فيها المسلسلات على وجه الخصوص، هي في أكثرها مملوكة لرؤوس أموال خليجية. فهل استبطنت هذه القوالب الجاهزة الذاكرة العربية لتصبح من المسلّمات؟
من الجدير التأكيد على أن الدراما تلعب دوراً مهماً وخطيراً في تربية الأجيال والتأثير في قناعاتها وانحيازاتها فهي الأقرب إلى كل الشرائح المجتمعية وما تبثه من رسائل هي الأكثر انتشاراً وتأثيراً، خصوصاً في ظل الكم الهائل من المحطات التلفزية تنضاف إليها دور السينما والمسارح.
الدراما اليوم تصنع ثقافة وملامح وأخلاق المجتمعات ومن هذا المنطلق على القائمين على هذا القطاع مراجعة ما يقدمونه للمشاهد العربي. إن عكس الواقع وتصوير مشاكله لا يعني تأثيثه بمجموعة من الأكسسوارات اللاواقعية لا لشيء إلا لأنّ هذه الصورة أصبحت نوعاً من التقاليد.
وبعيداً عن كونه إجحافاً في حق الرجل الخليجي يبدو الإصرار على تكرار هذه الصورة نوعاً من الإستبلاه للمشاهد العربي الذي يحلّق يومياً بين المئات من القنوات التلفزيزنية وبات مطّلعاً على تفاصيل حياة المجتمعات وثقافاتهم.