يأتي إعلان السعودية الأخير عن تشكيل تحالف عسكري إسلامي لمحاربة الإرهاب كمحاولة جديدة من الرياض للدفاع عن دورها الإقليمي الذي تحاول منذ أشهر تعزيزه في المنطقة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
مما يُلاحظ على التحالف الجديد الذي أعلنته كبرى دول الخليج العربية ويضم 34 دولة من أبرزها مصر وتركيا ودول خليجية وأفريقية وتغيب عنه دول التماس مع أبرز بؤر الإرهاب مثل العراق وسورية، أنه تحالف فاقد للتجانس. يُضاف لذلك، يبدو أن تشكيل قوة عسكرية من هذه الدولة مجتمعة مهمة أشبه ما تكون بالمستحيلة لأسباب سياسية ترتبط بخلافات مستشرية بين بعض دوله تارة، ولأسباب إجرائية تارة أخرى ترتبط بأسباب جغرافية وقانونية أيضاً.
في المحصلة، التحالف الإسلامي العسكري لا يبدو أن باستطاعته تغيير معادلات أو توازنات القوى على الأرض، كما ويصعب الرهان على أن بمقدوره أن يفرض على اللاعبين الإقليميين والدوليين إجراء أي مراجعة للمواقع أو المواقف أو حتى التحالفات الفاعلة.
ما يمكن أن يحسب للرياض في هذا الإعلان الأخير هو إدراكها ضرورة أن تتفاعل استراتيجياً قبالة الامتدادات والنجاحات التي يحققها اللاعبون الإقليميون والدوليون في المنطقة دون أن يكون للرياض أية مكاسب استراتيجية في أي من مناطق الصراع المستعرة. رغم ذلك، لا يبدو أن أياً من ردود الفعل السعودية إلى الآن (الحرب في اليمن/ توسيع دائرة التحالف العربي/ التحالف الإسلامي العسكري) استطاعت أن تتموضع في المنطقة كمشروع استراتيجي بديل وواقعي قبالة المشروعين الكبيرين الإيراني والتركي، كما أن أياً منها لم تستطع إقناع اللاعبين الدوليين (الولايات المتحدة أو روسيا) على المراهنة عليه أو تبنيه.
ما يبدو أنه غائب أو مستتر عن فهم الرياض لمخاض هذه اللحظة التاريخية في الشرق الأوسط هو أن التحالفات السياسية أو العسكرية أو حتى الاقتصادية ليست غاية في حد ذاتها. ما لا تفطن له الرياض هو أن التحالفات تُبنى وتُفهم باعتبارها وسيلة تلجأ إليها الأحزاب والدول لتنفيذ أجندات متوافق عليها ولسد احتياجات محددة، واضحة، وظرفية.
وفي مراجعة سريعة، التحالفات لا تعني البتة الوحدة الاندماجية كما حاولت الرياض أن تفعل مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي وسط ممانعة معلنة من سلطنة عمان ومستترة من الإمارات وقطر والكويت. التحالفات أيضاً لا يمكن الاطمئنان إلى أنها بعيدة المدى وهو ما تأكد للرياض من خلال المصالحة الأمريكية الإيرانية الأخيرة التي ضربت بعرض الحائط تحالفها التاريخي مع واشنطن.
والأهم من كل ذلك، يجب أن تفهم الرياض أن التحالفات لا تتم إلا من خلال التوافق على مشروع وهدف متوافق عليه من جانب جميع الأطراف المتحالفة، وهو ما أخفقت فيه الرياض في تحالف الحرب اليمنية حين تضاربت أجنداتها مع الإمارات في التعامل مع جماعة الإصلاح (الإخوان المسلمين)، وكذلك حين ضمت الرياض في التحالف العسكري الإسلامي الأخير كلاً من تركيا ومصر دون مراعاة أو حتى انتباه إلى أن الدولتين تختلفان بل وتتصارعان داخل موضوعة التحالف المعلنة أساساً: الحرب على الإرهاب!
إن وصول الرياض إلى بناء تحالفات مثمرة وفاعلة تستطيع أن تساهم في تعزيز تموضع السعودية إقليمياً وتعزيز مكاسبها في مناطق الصراع مرهون بأن تقدم الرياض مشروعاً حقيقياً للبناء عليه. تقديم هذا المشروع يحتاج قبل كل شيء إلى الفكاك من تأثير الحالة الانفعالية التي تصنعها اللحظة الإقليمية المأزومة وهو ما بات يؤثر بوضوح على إعلانات الرياض كل ليلة.
فعلياً، تحيط بفرص بناء هذا المشروع الذي من المفترض أن تزاحم به الرياض المشروعين التركي والإيراني المتصارعين في المنطقة وما وراءهما من مشروعات دولية فرص ماثلة وتحديات قائمة. وما بين الفرص والتحديات تُمتَحن الحكمة وتختبر الإرادات.