ملخص الدراسة:
برز خلال الحرب السورية دور المحور السعودي التركي كواحد من أهم العناصر الفاعلة في الأزمة، وظل الغموض يكتنف الدوافع الحقيقية التي تفسر الانخراط الواسع لهذا المحور فيها.
تسعى هذه الورقة إلى تقديم تقدير سريع لموقف المحور السعودي التركي في ضوء التطورات التي طرأت إقليمياً ودولياً خلال الأسابيع الأخيرة على صعيد المواجهة العسكرية في سوريا، خصوصاً في أعقاب الانضمام الروسي لجبهات القتال، وما أسفرت عنه جولة الإعادة للانتخابات البرلمانية التركية من فوز كاسح لحزب العدالة والتنمية واستعادته للامتياز التشريعي الذي يؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً، إضافة للتداعيات التي نتجت عن الهجمات التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس.
ومن ثم البحث في الخلفية التاريخية للعلاقات السعودية التركية والتطور الذي شهدته العلاقة في أعقاب وصول حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم في تركيا. وعرض للقفزة التي حققها التعاون الاقتصادي المشترك بين تركيا والسعودية وباقي دول الخليج.
و أخيراً وهي النقطة الرئيسية التي تتناولها الورقة، موقف المحور السعودي التركي من الحرب في سوريا ودور الغاز والمشاريع المتنافسة على مد الأنابيب التي تنقله عبر الأراضي السورية في تشكيل خارطة التحالفات للمعسكرات المتقاتلة.

المقدمة:
برز التحالف السعوديّ التركي خلال الحرب السورية كواحدٍ من أكثر الأطراف الفاعلة فيها، وتصاعد حجم الدور الذي لعبه هذا التحالف في الأزمة إلى الحدّ الذي جعل منه الطرف القائد والمعني الأساسيّ بمشروع إسقاط النظام السوري وبهّت من حضور العناصر الأخرى في هذا التحالف بما فيها قوى المعارضة السياسيّة السوريّة نفسها. المحور السعوديّ التركيّ ومن معه واجه خلال الأسابيع الأخيرة مجموعة من الاستحقاقات التي تستدعي وقفة تقييميّة للمسار الذي اختطّه خلال عمر الأزمة.
فمع اقتراب دخول الحرب في سوريا عامها الرابع، أعلنت روسيا رسمياً التحاق قوّاتها بالعمليّات القتاليّة إلى جانب النظام السوري لتضيف ثقلاً نوعيّاً في ميزان القوى العسكريّ على الأرض لصالح الأخير وشركائه، عكس نفسه من اليوم الأوّل بمقدار الخسائر التي ألحقها القصف الروسي لمواقع وأهداف تعود لقوى المعارضة السوريّة المسلحة، ما حفز بواعث القلق لدى كافة الأطراف المناهضة لبقاء الرئيس الأسد حول مستقبل نتائج المواجهة المسلحة، خصوصاً في ظلّ تسارع وتيرة أخبار الانتصارات الموضعيّة التي حققها التحالف المساند للنظام.
إعلان التدخل الروسي تبعه بفترة وجيزة فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات الإعادة للبرلمان التركي بانتصار كبير أعاد له الامتياز التشريعي الذي يؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً والذي حافظ عليه منذ العام 2002، بعد أن كانت نتائج الانتخابات التي أُجريت في يونيو قد أفقدته إياه مؤقتاً. وإذا كان الفوز الانتخابيّ الأخير قد بدّد أجواء القلق التي سادت أنقرة وأكثر من عاصمة حليفة لها في الفترة التي فصلت بين جولتي الاقتراع على مستقبل المشاريع السياسيّة المشتركة بينهم، إلا أنّه جاء أيضا في وقتٍ تلوح فيه بوادر أزمات يُرجّح أن تعصف بحكومة حزب العدالة والتنمية بفعل المشكلات الاقتصادية المتوقعة على إثر الاضطرابات السياسية التي تشهدها الجبهة التركية الداخلية، والتعقيدات التي نتجت عن تصاعد التوتر بين تركيا وعدد من الأطراف الدولية على خلفية الأزمة السورية وفي مقدّمتها روسيا وإيران الموردان الرئيسيّان لتركيا بالنفط والغاز، والخشية من تداعيات التصدّع في العلاقة بين الحكومة والمكوّن الكردي في الدولة التركية، وتحديداً في ضوء القلاقل التي بدأت تشهدها مناطق الجنوب الأكثر تداخلاً مع الحرب في سوريا. وبالإضافة لذلك، أعادت الاعتداءات المتزامنة التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس فتح العديد من الملفات الشائكة ذات الصلة الوثيقة بالأزمة السوريّة، بدءاً بملف اللاجئين السوريين الذي نفذت غالبيتهم إلى القارة البيضاء عبر بوابتها الجنوبية تركيا، انتهاء بالملف الأخطر المتعلق بـ “داعش” وأخواتها من المجموعات الجهادية الأخرى التي نمت وازدهرت في مياه مستنقع الحرب السورية الآسنة.
بالنسبة للسعوديّة التي شهدت هذا العام أحداثاً جساماً لا زالت ارتدادتها تتوالى عليها، فإنها لم تفلح بعد في تطويق تداعيات الانقلاب الناعم الذي أعقب وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وانتقال مقاليد الحكم لشقيقه سلمان بن عبد العزيز، كما أنها أخفقت في اجتياز الاختيار الصعب الذي أقحمت نفسها فيه باليمن، حيث نجحت الأطراف المناوئة لها هناك في استدراجها إلى تيه من الاستنزاف العسكري والسياسي لا تبدو أي خواتيم له محملة بنتائج مطمئنة. ناهيك عن أنّ التقدم الذي طرأ في مفاوضات الملف النووي الإيراني بتوصّل الجهات الدولية المعنيّة به إلى صيغة اتّفاق أولي رعاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً، شكّل صفعة قوية للجهود التي بذلتها السعودية من أجل الحيلولة دون تحقيق اتفاق مرضٍ لها. والأمر أكثر إلحاحاً هو الظرف الحساس الذي يمر به اقتصاد المملكة بفعل المناورة الاقتصادية التي تجريها فيما يتعلق بخفض أسعار البترول بهدف إحكام سيطرتها على سوق النفط الدولي وتقويض المصادر والصناعات البديلة التي كانت قد بدأت تطل برأسها خلال السنوات الأخيرة، والحد بحسب بعض المراقبين من مقدار المنفعة والفوائض المالية التي تم تحقيقها من قبل خصومها على الساحة الدولية في ظل التسعيرة السابقة، خصوصاً إيران وروسيا اللتان تحتلان مواقع متقدمة في قائمة الدول المصدرة للنفط.

السياق التاريخي للعلاقات السعودية التركية:

اتسمت العلاقات بين تركيا والسعودية منذ إعلان الأخيرة استقلالها عن الدولة العثمانية خلال ما يزيد عن الثمانين عاماً بالبرود والجفاء، واحتفظ كلا البلدين خلال هذه الفترة بمستوى متدني عموماً من التواصل بينهما. فحتى نهاية القرن العشرين لم يكن قد سجّل سوى زيارة واحدة لملك سعودي لتركيا هي زيارة الملك فيصل عام 1966 التي استغرقت بضع ساعات للمشاركة في فعاليات مؤتمر دولي عُقد فيها، وإن كانت العلاقة قد سجلت في فترات قصيرة ومتقطعة تقارباً سرعان ما كان يتبدد بفعل التغييرات التي كانت تطرأ على الساحة التركية غير المستقرة آنذاك، كما هو الحال خلال فترة تولي تورغوت أوزال رئاسة الوزراء في الثمانينات عندما سعى هذا الأخير إلى إعادة مدّ جسور تركيا مع دول وسط آسيا، وإبان حرب الخليج الثانية عام 1991 حين ضمّ التحالف الدولي لتحرير الكويت كلا الدولتين، وأخيراً خلال العام الذي تولى فيه نجم الدين أربكان رئاسة الوزراء منتصف التسعينات الذي أنهى رحيله على إثر انقلاب 1997 الذي أطاح به وبحكومته مسار التقارب في العلاقة بين الدولتين خلال هذا العقد ليخيّم البرود عليها مجدداً.
دشّن حزب العدالة والتنمية لدى وصوله إلى سد الحكم في تركيا عام 2002 استراتيجيّة جديدة في علاقات تركيا مع جوارها العربي والإسلامي. وأعلن القادة الأتراك الجدد نيتهم فتح باب العلاقات على مصراعيه مع هذا الجوار باعتباره، كما وصفوه، العمق التاريخي والطبيعي للدولة التركيّة، وإطلاق مفاعيل الارتباط السياسي والاقتصاد والثقافي معه على آخرها. وإمعانا في بثّ مشاعر الطمأنينة والارتياح لدى جيرانها، ودحضاً للمخاوف التي أثارها بعض المتشكّكين من أن هذه الاستدارة التركية نحو الجنوب تحمل في طياتها حنيناً مستتراً لأمجاد الإمبراطوريّة العثمانيّة الغابرة، رفعت السياسة الخارجيّة التركية الجديدة شعار “صفر مشاكل” مع الجيران.
استقبلت السعوديّة هذا التحول في السياسة التركية بترحاب بالغ، عبّر عن نفسه في التقارب في مواقف الطرفين بخصوص قضايا المنطقة، والتقدم الذي شهده التعاون بينهما في عدة مجالات، وصولاً إلى العام 2006 حين زار الملك عبد الله بن عبد العزيز تركيا في زيارة هي الأولى من نوعها وبصحبته وفد كبير ضمّ ممثلين عن مختلف القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصاديّة. وتمّ خلال هذه الزيارة وضع حجر الأساس لشراكة استراتيجيّة بين البلدين في العديد من المجالات، وهو ما حمّس أطرافاً عربية وخليجية أخرى كي تحذو حذو السعوديّة كالإمارات العربية المتحدة وقطر. ويكفي تتبع النمو في ميزان التبادل التجاري بين تركيا والدول العربية في هذه الفترة لاستبيان حجم القفزة التي تحققت في العلاقات الثنائية بين الطرفين. فبعد أن كانت صادرات تركيا لهذه الدول عام 2003 لا تتجاوز الـ 5 مليارات دولار، تضاعف هذا الرقم خمس مرات مع حلول العام 2008، إضافة إلى زيادة بمقدار 7 مليار دولار في حجم الواردات التركية منها خلال نفس الفترة. أما فيما يخصّ السعوديّة فإنّ حجم التبادل التجاري بينها وبين تركيا سجّل في العام 2001 رقما مقداره 1230 مليون دولار، قبل أن يحقق زيادة نوعية وصل معها إلى 5524 مليون دولار في العام 2008، إلا أنه شهد تراجعاً ملموساً في السنوات التالية كنتيجة طبيعية للأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي كلّه. وإلى جانب السعودية، ظهرت دولة الإمارات العربية كشريك تجاري مهم لتركيا وتحديداً بسبب الدور الذي لعبته موانئها كقاعدة تصدير ثانية للمنتجات التركية إلى دول شرق آسيا، ما جعل الإمارات خلال تلك الفترة المستورد الأول للصادرات التركية في العالم.

الربيع العربي و الحرب في سوريا:
مع بدء ثورات الربيع العربي وخلخلة سيطرة الأنظمة الحاكمة في عدد من بلدان المنطقة، طرأ تغيير نوعي في استراتيجيّة السياسة الخارجية التركية التي كانت ترفع شعار “صفر مشاكل” مع الجيران والإحجام عن التدخل في شئونهم الداخليّة، حين بادرت إلى إعلان موقفها الداعم لهذه الثورات وانحيازها التام لمعسكر قوى التغيير وبخاصة الإسلامية منها. وإذا كان الدعم التركي قد اقتصر على الإسناد السياسي والإعلامي للانتفاضات العربيّة، فإنّه في الحالة السورية اتّخذ مساراً مغايراً تماماً.
فتركيا وإلى جانب السرعة التي عمدت إليها في تصعيد مواقفها الرافضة لسلوك النظام السوري في بداي الأزمة وصولاً إلى المطالبة بإسقاطه ودعوة المجتمع الدولي للعمل على ذلك، انخرطت منذ البداية في جهود الإطاحة بالرئيس الأسد ونظامه عبر توفير منصات إعلامية وسياسيّة على أراضيها لقوى المعارضة السورية ورعاية النشاط السياسي والدبلوماسي لهذه القوى وفتح حدودها أمام دخول المتمردين السوريّين إليها بصفتها ملاذاً آمناً لهم من بطش النظام. ولم يمض وقت طويل حتى بدأ يتكشّف دور تركيا الأهمّ في الأزمة والمتصل بشكل أساسي بتسليح وتدريب المجموعات المسلحة في سوريا وتسهيل دخول المقاتلين الأجانب للالتحاق بها.
السعوديّة التي لم يكن يعوزها الحماس لإسقاط النظام السوري سارعت لتنسيق مواقفها وسياساتها مع كلّ الأطراف المعنيّة بما يحصل في سوريا، وساهمت في التأسيس لحلفٍ إقليمي مناهض للنظام السوريّ وحلفائه، شكّل الثنائي التركيّ السعوديّ النواة الصلبة فيه. وإذا كان الجانب التركي قد واظب طوال الأزمة على التشديد على أن مواقفه المساندة للتغيير في سوريا تنبع من حرصه على حق الشعب السوري في الحرية والتأسيس لنظام حكم ديمقراطيّ رشيد، فإنّ السعوديّة لم تتحرّج في تظهير الأبعاد الطائفية لاصطفافها في الأزمة والاستدعاء الصريح لتناقضاتها مع إيران وحلفائها في المنطقة.
خلال فصول المواجهة المشتعلة في سوريا بدا واضحاً بجلاء مقدار الإصرار لدى المحور التركي السعودي على تنحية النظام الحالي. ولعل الشراسة التي ميّزت سلوك هذا المحور في التعاطي مع الحرب السورية مع توارد المؤشرات والدلائل عن حجم تورطه العسكري والأمني في النزاع، أثارت في وقت مبكّر تساؤلات متشككة حول الدوافع الحقيقية لهذا الحلف من وراء هذا المستوى من التورط في الحرب.
قيل الكثير عن أن ما يحتل سلم الأولويات بالنسبة للسعودية هو كسر حلقة النفوذ الإيراني في المنطقة الممتدة من هضبة التبت حتى سواحل المتوسط في سوريا ولبنان عبر تحقيق اختراق فيها يتأتى من إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد يستتبعه بالضرورة تفكيكٌ للنفوذ الإيراني في لبنان متمثلاً في حزب الله، وتآكل الهيمنة الإيرانية في العراق، وبالتالي كبح التمدّد الإيراني نحو الغرب. وإذا كان هذا التصور يحمل قدراً معتبراً من المنطق، فإنّ أطرافا عديدة سجّلت تحفظها وقلقها من هذا السيناريو بفعل الضبابية التي سيكتنفها مستقبل المنطقة في ظلّ حالة الفراغ السائدة فيها أصلا وغياب أي قوى بديلة جاهزة لاستلام البلاد في حال رحيل الأسد.
في الحالة التركية يغيب الإفصاح الصريح عن طبيعة التصورات التي تحكم الاستراتيجية التركية في مقاربتها لملف الحرب في سوريا. فتركيا تتحاشى إسباغ مضامين طائفية على حركتها السياسيّة في المنطقة، كما أنّها تعبّر عن حرصها على علاقات طبيعية مع إيران وتتجنّب التصويب السياسي على الحلف الذي يضم الأخيرة وأطرافاً أخرى من الزاوية الإيرانية. وبالتمعّن في الاعتبارات التي تحكم العلاقة بين كل من إيران وتركيا، تتضح الحساسيّة العالية للعناصر الناظمة للعلاقة بينهما. فإلى جانب التداخل الحدودي بينهما، وأهمية المكانة التي يتبوأها كليهما في الخريطة الجيوبوليتيكة للإقليم، فإنهما طرفان رئيسيّان معنيان بالملف الكردي الملتهب في هذه المنطقة وبمسألة احتواء تفاعلات العنصر الكردي في مناطقهم الحدودية والمناطق الخاضعة لنفوذهم في كل من سوريا والعراق. ولكن يبقى العنصر الآني الذي لا يقل أهميّة هو الاعتماديّة الاقتصاديّة المتبادلة العالية بين الدولتين، إذ تعتمد تركيا في توفير ما يزيد عن نصف احتياجاتها من النفط الخام على إيران وهو ما يجعلها واحدة من أهم أسواق النفط الإيراني، فيما تستكمل تركيا بقية احتياجاتها النفطية من روسيا والعراق وكازخستان، والحال ليس ببعيد فيما يتعلق بالغاز الطبيعي الذي يُشكّل الغاز الروسيّة ما يقرب من 60% من وارداتها منه، فيما تزودها إيران تقريباً بخمس احتياجاتها وتتقاسم الجزائر وأذربيجان ونيجيريا بنسبة أقل باقي الحصّة في السوق التركي.
تنطوي المعطيات السابقة على حقيقتين أساسيّتين: الأولى هي أن تركيا، الدولة العضو في حلف “الناتو” وقاعدة الارتكاز السياسي والأمني للسياسات الغربيّة الرئيسيّة للإقليم تتحصل على احتياجاتها من موارد الطاقة من دول من خارج الاصطفاف السياسي الأممي الذي يضمّ تركيا، وهو ما يكبّل تركيا بتوازنات معقدة في علاقاتها الدولية يحول بينها وبين المضي قدماً في سياساتها الطموحة في مد نفوذها في الإقليم.
أما الحقيقة الثانية فتتعلّق بالحصة السوقية الهامشية التي يمتلكها النفط والغاز الخليجيين في السوق التركية. فبالرغم من المساعي الحثيثة من قبل السعودية وقطر لزيادة حصتها فيه، إلا أنّ الموانع الجغرافية والسياسيّة وما يترتب عليها من صعوبات في النقل والتوزيع حدّ من ممكنات التقدم في إنجاز هذا الهدف المنشود، خصوصاً وأن تركيا لا تواري رغبتها في تنويع مصادرها من الطاقة سواء ما يتعلق بالغاز الطبيعي الذي باتت تركيا تتأفّف من التلويح الروسي المستمر بورقة تصديره عند كلّ احتكاك بينها وبين الغرب، أو النفط الذي يصبو الأتراك إلى تنويع مصادرهم منه حتى وإن كان السعر الحالي الذي يبيعهم به الإيرانيون مرضٍ لهم.

الصراع على مد أنابيب الغاز:

في العام 2009 وضعت كلٌ من تركيا وقطر والسعوديّة الخطوط الرئيسيّة لاتفاق مد أنبوب يحمل الغاز القطري عبر أراضي كلّ من السعودية، الأردن، وسوريا وصولاً إلى تركيا مع اقتراح آخر بوصله بأنبوب الغاز القادم من أذربيجان والمعروف باسم “ناباكو” ومن ثم نقله إلى الدول الأوروبيّة. المشروع الطموح وإلى جانب الربحية العالية المتوقع أن تجنيها الأطراف الشريكة فيه يكتسب أهمية استراتيجية ودولية من شأنها إحداث تغييرات نوعية في خريطة توازنات القوى الكونية وخصوصاً في القارة الأوروبية. فتركيا تسعى من خلال هذا المشروع لتعزيز أهميتها الاستراتيجيّة من خلال إمساكها بمنافذ الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وهي أهمية ستنسحب أيضاً على الدول التي سيمرّ منها الأنبوب الذي يبلغ طوله 2500 كلم وفي مقدمتها البلد المصدّر قطر والراعي له السعودية. وعلى الصعيد الدولي فإنّ أوروبا تتطلّع بصبرٍ نافذ للحظة التي تتحرّر فيها من الارتباط القسري بالغاز الروسي ومن القيود التي يفرضها هذا الارتباط على حركتها السياسية في مختلف الملفات، وتنويع مصادرها من موارد الطاقة، حيث استطاعت روسيا المصدّر الأول للغاز الطبيعي لأوروبا وبفعل استخدامها الذكي لورقة الغاز أن تحد من أيّ شطط في مواقف دولها التي ترتأي أنه يعاكس اعتبارات مصالحها الحيوية. الولايات المتحدة الأمريكية بدورها معنية بالفكاك الأوروبي من براثن التبعية في تأمين مواردها من الطاقة الطبيعية لروسيا، سيما وأن أمريكا مهتمة بتطويق النفوذ الروسي المتنامي خصوصا لجهة التحالفات التي باتت روسيا تعقدها مع أقطاب دولية منافسة لها كالصين وإيران.

اصطدم هذا المشروع بعقبة كأداء حين أعلنت سوريا رفضها الاشتراك به والسماح لأنبوب الغاز بالمرور عبر أراضيها بذريعة أن هذا المشروع يمثل تهديداً لمصالح حليفتها روسيا. وفي المقابل، وقعت سوريا في العام 2011 عقداً لمشروع بديل يقضي بمدّ أنبوب يصل بين حقول الغاز الإيرانية ويمرّ عبر الأراضي العراقية والسورية مع اقتراح بمده إلى لبنان كذلك ثم إلى البحر الأبيض المتوسط بعد أخذ الدول التي يمرّ بها حاجتها منه قبل أن يصل عبر الشواطيء السورية إلى أوروبا. وقد حُدد جدولٌ زمنيّ لتنفيذ مشروع الأنبوب الذي يصل طوله إلى 5600 كلم في الفترة الواقعة بين 2014و2016، لكنّه تعطّل بفعل استمرار العمليات العسكريّة في سوريا.
شكّل رفض سوريا لمشروع الغاز الخليجي التركي وإعلانها الانخراط في مشروع إيرانيّ منافس له منعطفاً حاسماً في علاقة النظام السوري بالمحور السعوديّ التركيّ القطري والأطراف الدولية التي أبدت حماستها لمشروع الأنبوب، وصلت فيه هذه الأطراف إلى نتيجة محددة مفادها أن على النظام السوري الرحيل.
دشّن الحلف الخليجي التركي شبكة دعم وإسناد للمجموعات المسلحة المناهضة لحكم الأسد اشتملت حتى على أشدّ هذه المجموعات راديكالية وإثارة للجدل، وباتت الدلائل تفيض إلى حد يصعب معه دحضها عن دور الحلف التركي الخليجي في تسهيل دخول المتطوعين من مختلف الجنسيات عبر الحدود للقتال في صفوف هذه الجماعات وتأمين وصول الأسلحة لهم عبر الأراضي التركية وغيرها، ولعب دور الوسيط والممول لصفقات شرائها من الأسواق السوداء، عدا عن التبني المعلن والصريح من قبل تركيا والسعوديّة لمجموعات أخرى مثل “جيش الفتح” و”الجبهة التركمانية” و”أحرار الشام” وبعض فصائل “الجيش الحر” وغيرها من التشكيلات التي يتمّ الإشارة لها باعتبارها تشكيلات معتدلة ينبغي أن تشملها مظلة الدعم الدولي.
في المقابل فإنّ حلفاء النظام السوري هبّوا لنصرته عبر انخراطهم المادي المباشر والمتدرّج في عمليات القتال. ففي البداية سيق الحفاظ على الأماكن الدينيّة الشيعية المقدّسة كمبرر لتدخل حزب الله في الساحة السورية، لكن عمليات الحزب سرعان ما اتسع نطاقها ليشمل كل ميادين المواجهة، لتلحق به لاحقاً مجموعات عراقية شيعية مسلحة وطواقم عسكرية استشارية إيرانية وروسية إلى أن أعلنت كلّ الأطراف أخيراً عن مشاركتها المباشرة في كافة جبهات القتال لنصبح أمام تحالف مكتمل الأركان يصارع عملياً وبشكل صريح التحالف الخليجي التركيّ الجهادي ومن يقف في صفه.
تبدو المفارقة جليّة في الكيفية التي يعكس فيها تمثيل كلّ طرف في المحورين اللذان يدور القتال بينهما على الأرض موقعه في كلا المشروعين المتنافسين لمدّ أنابيب الغاز، بشكلٍ يجيز لنا وصف الحرب في سوريا بـ “صراع الأنابيب”. عند هذه النقطة يصعب الآن الحسم بمن سترجح كفّته في نهاية هذه الحرب التي تبدو فصولها مفتوحة على احتمالات ليس بوسع أحد الإحاطة بها وخصوصا في ظلّ التصاعد الدراماتيكي في مسارها والذي توّجه الدخول العسكري الروسي الواسع لميدانها وما رافق هذا الدخول من أحداث آخرها إسقاط الجيش التركي لإحدى الطائرات الروسية وردّ روسيا على الحادث بنشر منظومة “إس 400” الصاروخية وإغلاقها المجال الجوي السوري أمام حركة الطيران المعادية لها وهي تطورات ساهمت في زيادة حدّة الاستقطاب بين كلا المعسكرين الكونيين ونقلت الحرب السوريّة إلى مربع هو أبعد ما يكون عن فرضية الحل السياسي بالتوافق الدولي لتحتكر فوهات المدافع في ميدان القتال أحقيّة تقرير مصير الفائز والخاسر في الحرب.

خاتمة:
شهدت العلاقات التركية السعوديّة في السنوات الأخيرة تنامياً ملحوظاً توَّجهُ التحالف في الحرب السورية التي ترجّح تطوراتها مزيداً من التعاون والتنسيق في المواقف. وإلى أن يستقر النزاع العسكري على نتيجة نهائية في سوريا، يُستبعد ظهور تباينات هامّة تُهدّد هذا الحلف، كما أن التعاون الاقتصادي القائم بينهما يشكّل ضمانة متينة لحماية وتعزيز العلاقات الثنائية، سيما وأن الطرفين في خضم التأسيس لشراكة طويلة الأمد تتعلّق بالأمن الغذائي للمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج عبر ضخّ استثمارات ماليّة هائلة في قطاع الزراعة والري في تركيا، وهو ما قابله الجانب التركي بترحاب بالغ دفعه لأن يُعدّل في قوانين عقود الإيجار طويلة المدى للأراضي الزراعية كخطوة تشجيعية للاستثمار الخليجي في هذا القطاع، بالإضافة إلى التزايد المستمر الذي يطرأ على الحصّة السوقيّة للنفط السعودي والغاز القطري في سوق الطاقة التركي، وعقود الإنشاء التي فازت بها شركات تركية لتنفيذ العديد من المنشآت الضخمة في السعوديّة والخليج كالمطارات وشبكات الطرق وأخيراً النمو الكبير الذي يشهده ميزان التبادل التجاري بين البلدين سواء في الشقّ المتعلق بالصادرات النفطية أو وارداتها من المنتجات والمعدات الصناعية التركية.
وإذا كانت التوقعات بأن يمتدّ ربيع العلاقات السعوديّة التركية طويلاً قبل أن يشهد ما ينغص عليه مساره، فإنّ مخاوف يثيرها البعض تشير إلى أنّ غشاوة آنية يُشكّلها الأعداء المشتركين والمصالح الاقتصادية المُتبادلة هي التي تحجب صداماً حتمياً بين البلدين قادم لا محالة على زعامة العالم السني، خصوصاً وأنّ الاستقطاب الشيعي السني في الشرق الأوسط يضم بين ثناياه استقطاباً فرعياً كامناً داخل المعسكر السني بين التيار الوهابي الذي تتزعمه السعودية من جهة، وتيار الإخوان المسلمين الذي تُعتبر كلٌ من تركيا وقطر أبرز أقطابه، وكلا التيارين لا يخفي أطماعه في الهيمنة على العالم السنّي. ولكن مفاعيل هذا الفصل من الصراع ستظلّ جامدة إلى أن تضع الحرب السورية أوزارها وتتكشف الحقائق التي أنتجتها بعد أن ينقشع غبار المعارك.