تحولت الأزمة إلى مشكلة يومية متعودّة لا يختلف تناولها عن تناول أي ملف من الملفات الحقوقية أو الخدمية

كل ما ينتج عن السلطة ومؤسسات قوى المعارضة في البحرين ساقط في فخ العادة والتعوّد

بادر متابعون عدة لهجوم تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي على باريس مؤخراً إلى التشكيك في صدقية الحادثة، من أبرز ما تم تداوله من قرائن على صحة هذه الفرضية هو أن صور ضحايا الانفجارات لم تظهر على شاشات التلفزة.
حسناً، يجهل كثيرون أن الهيئات المنظمة للبث التلفزيوني في دول الاتحاد الأوروبي تطبق قوانين صارمة في ضبط المحتوى والصورة التلفزيونية، من ضمن هذه القوانين منع بث صور الضحايا لأسباب عدة، منها احترام كرامتهم الإنسانية، واحترام مشاعر العائلات عبر تجنيبهم تجربة مؤلمة لا حاجة لها عبر مشاهدة جثث ضحاياهم على شاشات التلفاز.
وفي بريطانيا، تنص أنظمة هيئة تنظيم الاتصالات والبث التلفزيوني (الأوفكوم) على ضرورة أن لا يخلق التلفزيون حالة من (التعوّد) لدى المشاهدين في التعرض لصور القتل والجرائم العنيفة ما خلا أن يكون ذلك في سياقات محسُوبة ومُنظَمة. وتضع (الأوفكوم) عدة محددات لضبط هذا الإجراء يواجه فيها المخالفون غرامات مالية باهضة وصولاً إلى تعليق بث محطاتهم التلفزيونية. الهدف إذن، هو أن لا يتعوّد المجتمع البريطاني بجميع أطيافه وشرائحه على مشاهد العنف والجريمة، وأن لا تصبح مظاهر العنف والجريمة مألوفة أو مُتعوَدّة. وهذه مقدمة أولى.
المقدمة الثانية ترتبط بمراقبة المزاج العام ومستوى التفاعل وربما الانشغال بالأزمة السياسية في البحرين داخلياً وإقليمياً ودولياً. وهو ما يبدو وأنه دخل مرحلة جديدة منذ أوائل العام الجاري بتحول مستجدات هذا الملف على أكثر من صعيد إلى أنباء وحوادث مُتعوّدَة، بمعنى أن ما من أحد يهتم بتفاصيلها، مستجداتها، أو حتى نهاياتها.
أما الرابط بين المقدمتين، فهو خط رفيع سأصطلح على تسميته: الوقوع في فخ التَعوّد.
عايشت الأزمة البحرينية قبل الانتخابات النيابية التي شهدتها البلاد ديسمبر 2014 حالة من التوافقات السياسية (المُفترضة) بين السلطة والمعارضة، وهو ما كان يحيل آنذاك إلى الإقرار بأن ثمة تفاهمات قائمة وفاعلة بين الطرفين. ومنذ صدور تقرير بسيوني نوفمبر 2011 لم يكن لأحد منهما (السلطة وقوى المعارضة) ليتخلى – وبصفة نهائية – عن الاعتراف بالآخر والقبول به. بمعنى، أن صيغة (ما) كانت تتحكم، تدير، وتحدد ماهية هذه العلاقة، تفاصيلها، يومياتها، وحدودها. وهي أيضاً، الصيغة التي كان بالإمكان أن تمر منها التسوية السياسية المنتظرة بين الطرفين.
أما اليوم، وبعد تمسك قوى المعارضة برفضها القبول بما اعتبرته “تسوية هزيلة” قدمها الديوان الملكي قبل الانتخابات النيابية ديسمبر 2014 بأشهر معدودة ومن ثم قرارها النهائي بمقاطعة الانتخابات، تحولت المعادلة إلى منحى جديد. هذا المنحى تضمن مستجدين اثنين كليهما في صالح السلطة، الأول: تعديل قواعد الاشتباك وهو ما تمثل في اعتقال الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان. والثاني، هو أن لا يكون لتعديل قواعد الاشتباك هذة أي كلفة إضافية على السلطة.
الصراع في البحرين ما بين العامين 2012 و2014 كان صراعاً مستقراً، محسوباً، وممنهج التطورات والتفاعلات. كان صراعاً متوافقاً على فضاءاته وزواياه. لا تملك السلطة إنهاء أزمتها بالإجهاز الكامل على المعارضة، ولا تجد المعارضة ما يساعدها أو يشجعها على المغامرة بخسارة تفاهماتها القائمة والدخول في صراع مفتوح مع السلطة.
تعايش البحرين اليوم واقعاً جديداً، واقع تعودت فيه السلطة والمعارضة (قوى سياسية وجماهير) على إرث الأزمة ومستجداتها. تبدو مؤسسة الحكم مطمئنة ومستقرة على نموذج الدولة الفاشلة الفاقدة لمواطنة/ مشاركة/ فاعلية ما يزيد عن نصف مواطنيها من جانب، ومن جانب آخر، تحولت قوى المعارضة مع اعتقال زعيمها الشيخ علي سلمان إلى مؤسسات حقوقية وإعلامية، مستهلكة للأزمة ويومياتها، لا فاعلة أو متحكمة فيها.
تحولت الأزمة البحرينية إلى مشكلة يومية متعودّة لا يختلف تناولها عن تناول أي ملف من الملفات الحقوقية أو الخدمية التي تتناولها المواقع الإلكترونية لقوى المعارضة، فالأزمة السياسية تساوت خلال العام 2015 بالجدلين السياسي والاجتماعي حول البنية التحتية في البلاد وتحملها لكمية الأمطار التي تسببت في تعطيل حركة السير في بعض المحافظات، أو بالجدل حول ما إذا كانت الحكومة تدير معدلات الدَّين العام كما يجب.
كان السؤال المركزي طوال العام 2014 يتمحور حول الأسباب التي تمنع السلطة والمعارضة في البحرين عن الوصول إلى تسوية سياسية تطوي ملف الأزمة؟ وكانت الإجابة؛ لأن أحداً من الطرفين لا يملك دافعاً حقيقياً لإنهاء الأزمة من بابها الكبير؛ تقديم التنازلات، ولأن كلا الطرفين كان يتوهم القدرة على إدارة الأزمة وتفاعلاتها لعام أو عامين إضافيين، ولكل طرف رهاناته في ذلك التمديد،إلا أن أحداً لم يكن مستعداً لمعايشة واقع جديد في العام 2015: وهو أن هذا السؤال قد فقد بريقه تماماً. بل لعله انتهى.
إعلان الأجهزة الأمنية الأخير في 4 نوفمبر الفائت “القبض على 47 من عناصر تنظيم إرهابي وإحباط مخططاته لتنفيذ أعمال إرهابية تستهدف زعزعة الأمن في أنحاء البلاد” وفق ما نقلته وكالة الأنباء البحرينية، يؤكد أن السلطة تمارس ما تعودت عليه. قرار المؤسسة القضائية تأجيل محاكمة الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان إلى 14 ديسمبر المقبل لعدم اكتمال الهيئة القضائية! يؤكد النتيجة أيضاً.
وفي المقابل، عندما تتصفح بيانات مؤسسات قوى المعارضة التي دانت المحاكمة وإعلان الخلية لتقارنها ببياناتها السابقة. تكتشف أن النتيجة واحدة: الفعل وردود الفعل كلها ساقطة في فخ العادة والتعوّد.
ولأن أسوأ حالات التَعوّد غالباً ما ترتبط بكبار السن والشيوخ، تكون النتيجة بديهية ومباشرة؛ أزمة تشيخ، فاعلون يشيخون، وسلطة عجوز لا تهتم.