سيرة ذاتية متواضعة لطائرة متهالكة لا تبدو جديرة بأن تقام حرب إقليمية من أجلها

دول الخليج تحتاج خياراً ثالثاً: لا يجبرها على القبول ببشار الأسد ولا يورطها في حرب إقليمية

سوخوي إس يو 24 (Sukhoi Su-24)، طائرة هجومية متخصصة في الأهداف الأرضية، قديمة الطراز، أُدخلت إلى الخدمة في الجيش السوفيتي العام 1974 لتكون نداً للقاذفة الأميركية F-111 التي أُخرجت بدورها من الخدمة. ورغم تواضع قدرات السوخوي 24 مقارنة بالنسخ التي طورتها الشركة لاحقاً إلا أنها باهضة الثمن.
على أي حال، ما يترشح للسائل عن هذه الطائرة هي سيرة ذاتية متواضعة لطائرة متهالكة لا تبدو جديرة بأن تقام حرب إقليمية من أجلها.
إسقاط أنقرة لطائرة سوخوي 24 الروسية وما تبعه من ردود فعل تبدو (محسوبة)، فتح شهية عديد المحللين لتوقع المزيد من التصعيد في المنطقة، وصولاً للحرب. تزيد من رجاحة توقعات الحرب حالة الفوضى المتزايدة والتشنج الحاد في مواقف أطراف الصراع كلها.
دول الخليج بادرت هي الأخرى إلى الوقوف بجانب الموقف التركي وبقوة، اندفاعة لا يبدو أنها قد تنبهت فيه إلى دلالات الغطاء (المحدود ) الذي قدمه حلف الناتو لأنقرة؛ غطاء بوجهين؛ القبول بالفعل والبراءة منه في آن واحد.
أدركت موسكو التي امتصت الصدمة/ الصفعة برباطة جأش أن إسقاط طائرتها لم يكن حادثاً عرضياً فالناتو كان على علم بمسار الطائرة ووجهتها وبما يشمل مسار العودة إلى قاعدتها في الأراضي السورية، وذلك ضمن بروتوكول التعاون مع الناتو في المنطقة.
بالتالي، فإن عملية الرصد والتحضير لإسقاط الطائرة الروسية كانت مدروسة ومعدة. وهو ما دعا الناتو، الذي أكد تعهده وتضامنه مع أنقرة، إلى أن لا يبالغ في استفزاز الروس الذين لم يكونوا ليتعاملوا مع الموقف باعتباره حادثاً عرضياً أو رد فعل تركي صرف جراء اختراق أجوائها غير ذي مرة.
المحصلة، هي أن رسالة الناتو إلى الروس قد “وصلت”، ولا يُعلم ما إذا كان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يدرك أنه قد أسدى خدمة باهضة في (بنك الخدمات) لحلف الناتو، وأن له أن يطلب – دون تردد – ثمناً لها.
فعلياً، منذ العام 2011 والتطورات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط تكسر التوقعات وأكثر الاحتمالات ترجيحاً. وبالتالي، لا يبدو أن من مصلحة أحد – أي أحد – أن يرمي بثقله مبكراً في خيار دون آخر. المواقف متذبذبة وخارطة التحالفات يعاد تشكيلها سياسياً وجغرافياً أيضاً.
ودول الخليج العربية التي تشتكي من تذبذب واشنطن وسياساتها الخارجية في المنطقة حريٌ بها أن لا تنساق لخيارات أو رهانات غير محسوبة، خصوصاً إذا كانت هذه الرهانات ستضاعف من الاستنزاف الشره لمواردها المتراجعة في كل من سورية واليمن وليبيا ومصر وتونس.
من واجب دول الخليج العربية أن تبحث/تفكر خارج الصندوق في الأزمة السورية وامتداداتها. تتلخص المهمة في البحث عن خيار ثالث؛ لا يجبرها على الرضوخ للغريم الإيراني من خلال القبول ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في سدة الحكم والتخلي عن المعارضة السورية وميليشياتها من جهة، ومن جهة أخرى، خيار لا يجرها إلى الدخول أو التورط في حرب إقليمية ممتدة الجغرافيا، باهضىة التكاليف، مجهولة النتائج، وغير مضمونة الحلفاء.
التفكير في تموضع أفضل في صراعات المنطقة وترشيد اللغة الدبلوماسية لدول الخليج في هذا التوقيت ضرورة ملحة، فإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد لا يجب أن يكون ثمنه الدخول في حرب تدور رحاها داخل دول الخليج ذاتها. أما الاختراقات المحسوبة للخطط الحمراء كإسقاط طائرة السوخوي الروسية فهو ما يجب أن لا يُحَمَّل أكثر مما يحتمِل. وأن لا يكون مبرراً للدخول في مواجهة مباشرة مع الروس تحديداً، خصوصاً وأن أنقرة لم تكن لتحتاج دول الخليج العربية في صراع من هذا الحجم، ولم يكن لها أن تقدم على مثل هذه الخطوة منفردة.
ليس من مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي أن تكون طرفاً أو أن تعمل على تأجيج الصراع الأممي الدائر في سورية والعراق وصولاً لحرب لن يكون في مقدور هذه الدول تفادي الدخول فيها والاشتباك مع أطرافها. هذه الدول التي تستنزف مالياً وعسكرياً في اليمن ومصر وسورية وليبيا، وتختلف وتتخالف على تحديد قائمة الحلفاء والأعداء بين إيران وتركيا من جهة والإخوان المسلمين والقوى الليبرالية والسلفية والوطنية في كل من مصر واليمن وليبيا وتونس ولبنان والعراق من جهة أخرى، لا يجدر بها الدخول في حرب مفتوحة. فهنا تحديداً، قد يموت المحارب بلا معنى، خصوصاً حين يراكم ضحاياه من النيران التي كان يفترض أنها؛ نيران صديقة!